Arab
لا تقاس الأزمات الكُبرى والحروب بحجم الخطر الذي تُحدثه فقط، بل بما تكشفه من تحوّلات في موازين القوة. ولذلك، ليس امتناع الصين عن قبول طلب واشنطن التدخّل في حلّ أزمة هرمز موقفاً عابراً، بل لحظة كاشفة ضعفَ الهيمنة الأميركية، تماماً كما تركت الولايات المتحدة (الصاعدة) بريطانيا (المهيمنة) تدفع كلفة أزماتها في القرن الماضي.
"لا تتدخّل في عدوك وهو يقترف خطأً" (Never interrupt your enemy when he is making a mistake)، مقولة تلخّص سياسة الصين تجاه الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران. وهي تجلٍّ لحيلة عسكرية صينية تقول: "اجلس على الجبل وشاهد النمور تتصارع." قد يبدو موقف الصين تجاه تهديدات الملاحة في هرمز سلبياً نظراً إلى اعتمادها الكبير على نفط المنطقة، إلا أنّ الحسابات الصينية تكمن في أنّ التكلفة التي تتحمّلها هيمنة الولايات المتحدة من جرّاء الحرب، وخصوصاً بعد إغلاق المضيق، تفوق بكثير الخسائر الاقتصادية العابرة للصين. لذلك، لن تنزل بكين عند طلب الرئيس الأميركي دونالد ترامب، فتساعد واشنطن في إعادة فتح مضيق هرمز.
تدرك طهران أنّ استمرار تدفّق نفطها باقتطاعات سعرية يلعب دوراً حيوياً للمصافي الصينية التي تعتمد على الخام الإيراني مادةً أساسية
تكمن المفارقة في لجوء "المهيمن" الدولي، أميركا، إلى طلب العون من منافسها الأكبر، الصين، لحلّ أزمة عجزت واشنطن عن حلّها، أي إعادة فتح مضيق هرمز. بعد فشل ترامب في إقناع الحلفاء الغربيين بالانخراط عسكرياً لتأمين الممرّ الملاحي، يجد نفسه مضطراً للجوء إلى الصين؛ الدولة التي صنّفها "دولة تحريفية"، وسعى إلى تطويقها بالطرائق كلّها، وكان جديدها أخيراً تفكيك شبكة صداقاتها الدولية من فنزويلا وكوبا وصولاً إلى طموحاته في غرينلاند، واليوم إيران.
لا تُعدّ هذه الاستعانة بالصين سابقةً في السياسة الأميركية؛ فقد سبق لواشنطن خلال حرب الـ12 يوماً الإسرائيلية على إيران، في يونيو/ حزيران 2025، أن طالبت الصين بالتدخّل لمنع إغلاق هرمز، وهو ما امتنعت عنه الصين آنذاك أيضاً. وتكرّر المشهد في الأزمة الأوكرانية حين دعت واشنطن بكين إلى استخدام نفوذها "لحثّ الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على وقف قصف المدن والمستشفيات والمدارس؛ ووقف جرائم الحرب والفظائع؛ وإنهاء الحرب اليوم". ردّت الصين آنذاك بمقولة شهيرة: "على من ربط الجرس في رقبة النمر أن ينزعه".
في السياسة الدولية، لا يوجد ما هو أكثر سخرية من دوران عجلة التاريخ. فاليوم، تقف الولايات المتحدة موقف "القوة المتعَبة" التي تطلب من الصين التدخّل عسكرياً ودبلوماسياً لتأمين مضيق هرمز وإقناع طهران بخفض التصعيد، لتقابل بكين هذا الطلب ببرود، تاركةً لواشنطن عبء لملمة أزماتٍ كانت هي المحرّك الأساس لها. يعيدنا هذا المشهد إلى عام 1941، حين كان الرئيس الأميركي فرانكلين روزفلت يرفض توسّلات شركات النفط الأميركية لإنقاذ السعودية من أزمة مالية خانقة، تاركاً تلك المسؤولية لبريطانيا صاحبة النفوذ في المنطقة. يومها، قال عبارة مفادها: "أخبروا البريطانيين بأنّني سأكون ممتناً لو اعتنت بريطانيا بالملك." آنذاك، كانت أميركا القوة الصاعدة التي ترفض دفع فاتورة الحماية وتتركها لبريطانيا (شرطي العالم المرهق). واليوم، تمارس الصين الدور نفسه مستفيدةً من حالة الضعف التي تعاني منها واشنطن، من دون أن تمنحها رفاهية المساعدة في إطفاء الحرائق الإقليمية.
وكما كانت أولويات واشنطن آنذاك هي الحرب العالمية الثانية ونتائجها، مدركةً تماماً أنّ انشغالها في قضايا ثانوية بعيدة عنها، في ظلّ وجود بريطانيا هناك، ليس بالأمر المجدي؛ تردّ الصين اليوم بالمنطق نفسه قائلة: "تُجدّد الصين دعوتها الأطراف إلى الوقف الفوري للعمليات العسكرية، وتجنّب مزيد من تصعيد الموقف المتوتّر، ومنع الاضطرابات الإقليمية من التأثير سلباً على الاقتصاد العالمي".
لقد وضع ترامب ورقة النفط على الطاولة مطالباً الصين بالضغط على طهران لفتح المضيق، بحجّة أنّ "بكين تحصل على 90% من إمداداتها عبره" (وهذه من مبالغات ترامب إذ إن هذه النسبة بين 44% و50% فقط). وبدا لوهلة أنّ مصير زيارة الرئيس الأميركي إلى الصين (كانت مقرّرة في نهاية مارس/ آذار الماضي) ارتبط بموقف بكين من أزمة هرمز، إذ قال ترامب: إنّه يفضّل معرفة موقف بكين (من قضية هرمز) قبل الزيارة المقرّرة، إلا أنّ بكين أكّدت أنّ الولايات المتحدة أبلغتها أنّ تأجيل زيارة ترامب لا علاقة له بقضية مضيق هرمز.
ولكن، قبل أن يُقدم ترامب على طلبه وحربه، كانت الصين قد سبقته بخطوات إلى الأمام. صادقت القيادة الصينية رسمياً خلال الدورة الرابعة للمجلس الوطني الرابع عشر لنواب الشعب، في بداية الشهر الماضي (مارس/ آذار)، على الخطّة الخمسية الخامسة عشرة (2026 - 2030) التي تضع أمن الطاقة والموارد أولويةً استراتيجيةً قصوى لعزل الاقتصاد المحلّي عن الاضطرابات العالمية، إذ تستهدف الخطّة تقليل الاعتماد على الواردات الخارجية عبر تكثيف الاستكشاف والإنتاج المحلّي للمناجم والمعادن الحيوية، ورفع قدرة إمدادات الطاقة المحلّية لتصل إلى قرابة 5.8 مليارات طن من مكافئ الفحم القياسي بحلول عام 2030، لضمان استقرار سلاسل التوريد وتحقيق التحديث الصناعي بعيداً عن الضغوط الدولية.
واجهت الأوساط البحثية والسياسية في طهران حالة من المراجعة عقب حرب الـ12 يوماً عام 2025؛ حيث أدرك صانع القرار الإيراني أنّ الرهان على الصين حليفاً يصطدم بحدود البراغماتية الصينية. ومع ذلك، تسعى إيران في المواجهة الحالية إلى الاستفادة من التنافس الصيني - الأميركي لتعزيز موقفها. تدرك طهران أنّ استمرار تدفّق نفطها باقتطاعات سعرية يلعب دوراً حيوياً للمصافي الصينية المستقلّة التي تعتمد على الخام الإيراني بوصفه مادةً أساسية. يمنع هذا الاحتياج المتبادل توقّف العمليات الإنتاجية الصينية، ويقلّل الحاجة إلى اللجوء المفاجئ إلى بدائل مكلفة.
وظّفت إيران هذه الحاجة الاقتصادية أداةَ ضغط سياسي وملاحي؛ فبينما توقّفت السفن الغربية، تشير التقارير إلى استمرار الناقلات الصينية في العبور بضمانات أمنية إيرانية عبر المضيق. بالإضافة إلى هذا، تدرس طهران حالياً تقنين هذا المرور بربطه بتداول الشحنات عبر اليوان الصيني، في خطوة يمكن أن تفسَّر بأنّها تهدف أساساً إلى الالتفاف على العقوبات الغربية. إنّ التحوّل نحو اليوان لا يلغي مفاعيل العقوبات، لكنّه يضع جزءاً من تجارة الطاقة خارج قنوات الرقابة الأميركية التي تستمدّ قوتها من هيمنة الدولار. وعلى الرغم من إدراك طهران حدود الدعم الصيني الذي لن يتجاوز السقف الدبلوماسي، إلا أنّ بكين تظلّ أحد المنافذ الرئيسة لاستمرارية قطاع الطاقة الإيراني؛ إذ استمرّت الصادرات الإيرانية عند مستويات تتراوح بين 1.1 مليون و1.5 مليون برميل يومياً، وظلّت الصين المشتري الأكبر حتى بعد اندلاع الحرب.
وبالتالي، تظهر إيرانُ لاعباً يسعى إلى استغلال أهم نقاط التنافس بين الصين والولايات المتحدة، وهو نظام البترودولار. ويبدو أنّ هذا يندرج ضمن البروتوكول الجديد لمضيق هرمز الذي أشار إليه وزير الخارجية عبّاس عراقجي لمرحلة ما بعد الحرب. وتخاطب طهران ترامب بلغة المال والصفقات التي يفهمها؛ فأيّ تحوّل في تجارة الطاقة بعيداً عن الدولار يهدّد قدرة واشنطن على فرض العقوبات بشكل فعّال. لقد تجاوزت الأزمة الحالية مفهوم أمن الملاحة لتصبح محاولة من القوة المتوسّطة، إيران، لخلق مساحة مناورة بين قطب صاعد وآخر مهيمن. ويبقى السؤال المركزي: هل تنجح طهران في تحويل سيطرتها على ممرّ جغرافي حيوي إلى نفوذ يمسّ بنية النظام المالي العالمي، وبالتالي تهديد مكانة الدولار؟ ستكون إيران عاملاً من العوامل، فقد سبقتها دول أخرى في ذلك، أهمها السعودية.
تصعد الصين بنموذج الارتباط الحرّ من دون تحالفات، وهو تحوّل تاريخي فريد في صعود القوى العظمى
فشلُ ترامب في إقناع حلفاء أميركا في العالم بفتح مضيق هرمز بالقوة العسكرية دفعه إلى التوجّه نحو الصين. ولكنّ الباب الذي تنهار منه الهيمنة الأميركية هو نفسه الباب الذي تتجنّبه الصين. أثبتت الحروب التي يشهدها النظام الدولي منذ اندلاع الحرب الروسية في أوكرانيا أنّ الولايات المتحدة تشهد تفكّكاً تدريجياً في أهم أدوات هيمنتها: التحالفات الدولية التقليدية. وفي المقابل، تصعد الصين بنموذج فريد، الارتباط الحرّ من دون تحالفات، وهو تحوّل تاريخي فريد في صعود القوى العظمى. ولأنّ إيران فهمت الصين، جذبتها عبر استخدام اليوان، وهو من أكثر القضايا التي تشغل الصينيين منذ إنشاء منظمة بريكس.
ومثل ما وقّعت بريطانيا العظمى معاهدة هاي بونسفوت عام 1901 لتمنح واشنطن مفاتيح الكاريبي، وتتفرّغ هي لمشكلاتها في أوروبا، يحاول ترامب اليوم إبرام مقايضة يائسة مع الصين في هرمز؛ يمنحها اعترافاً بدورها المؤثّر في السياسة الدولية في مقابل أن تتولّى هي كلفة الاستقرار، متناسياً أنّ بريطانيا لم تعد أبداً إلى الكاريبي بعد ذلك التنازل. يعيد التاريخ إنتاج استراتيجيات الصعود؛ فالموقف الصيني الحالي هو استنساخ لاستراتيجية الراكب المجّاني التي كانت لها مساهمة في وصول واشنطن إلى الهيمنة. وكما اضطر روزفلت إلى التدخّل المباشر عام 1943 عندما استشعر خطر تضرّر مصالحه في السعودية، قد تجد الصين نفسها مستقبلاً مضطرة للمخاطرة بالنزول إلى الساحة الدولية قوةً أمنية.
حتى تلك اللحظة، ستكتفي الصين بالمراقبة مستفيدةً من عالم جديد يتشكّل من الانكشاف الأميركي. وفي هذا المشهد، تظلّ المناورة الإيرانية باستخدام اليوان ورقةً رابحةً لجذب الاهتمام الصيني المنشغل بترسيخ مكانة عملته داخل النظام المالي العالمي، ما يجعل من أزمة هرمز الحالية واحدةً من الأزمات التي تشكّل ضغطاً إضافياً على عصر البترودولار، وترسيخاً لنظام دولي مالي متعدّد العملات. وحين يطلب المهيمن العون من منافسه، لا تعود الأزمة مجرّد اضطراب إقليمي مؤقّت، بل تصبح مؤشّراً على خلل أعمق في بنية القوة في النظام الدولي.

Related News
صدمة الدولار على وقع الحرب تُفكك أسواق مصر
alaraby ALjadeed
33 minutes ago
يوميات تحت القصف
alaraby ALjadeed
49 minutes ago
ترمب يضغط على إيران بـ«ثلاثاء الجسور والمحطات»
aawsat
54 minutes ago
«أوبك بلس» يحذر من تعطيل ممرات الملاحة
aawsat
56 minutes ago