في الذكرى الحادية عشرة لتغييب السياسي المناضل محمد قحطان، تتجدد المطالبات بإدانة واحدة من أبشع جرائم الإخفاء القسري التي تمارسها مليشيا الحوثي، في ظل استمرار احتجازه دون أي كشف عن مصيره أو السماح له بالتواصل مع أسرته، في انتهاك صارخ لكل القوانين والمواثيق الإنسانية.
ويأتي هذا العام محمّلًا بخيبة أمل جديدة، بعد إدراج قحطان ضمن اتفاق تبادل الأسرى أواخر ديسمبر الماضي، والذي نص على الإفراج عنه في يناير 2026، غير أن تنفيذ الاتفاق لا يزال متعثرًا حتى اليوم، ليبقى مصير قحطان مجهولًا، ومعه تتفاقم معاناة أسرته المنتظرة لأي بارقة أمل.
وعلى مدى أحد عشر عامًا، تعيش أسرة قحطان حالة قلق مستمر، في ظل حرمانها من أي تواصل معه، حيث لم يُسمح لها سوى بزيارة واحدة عقب اختطافه في 2015، قبل أن تبدأ رحلة إخفاء قسري غير مسبوقة، تعكس حجم الانتهاك الذي يتعرض له.
وتتصاعد الدعوات الحقوقية والسياسية لممارسة ضغط جاد على مليشيا الحوثي للكشف عن مصيره والإفراج عنه، باعتبار قضيته رمزاً لمعاناة آلاف المختطفين، واختباراً حقيقياً لمدى التزام المجتمع الدولي بوضع حد للانتهاكات الإنسانية المستمرة في اليمن.
معاناة أسرة قحطان
تصف فاطمة قحطان، ابنة الأستاذ محمد قحطان، سنوات تغييب والدها بأنها "مليئة بثقل القلق والترقب"، مؤكدة أن هذه المدة ليست مجرد زمن عابر، بل عقد كامل من المعاناة، في ظل حرمان الأسرة من أبسط حقوقها في التواصل معه أو الاطمئنان على صحته ووضعه.
وقالت في تصريح لـ"الصحوة نت"، إن معاناة الأسرة تفوق حتى تجربة الغربة، مضيفةً: "هذه فترة مؤلمة حتى بالنسبة لمغترب يتواصل مع أهله يوميًا، فكيف بنا وأبونا في أثقل الغربات: غربة السجن"، مشيرةً إلى أن الألم المستمر لم يفقدهم الأمل، إذ لا يزالون متمسكين بيقين عودته.
وأوضحت أن إدراج اسم والدها ضمن اتفاق تبادل الأسرى الذي أُعلن نهاية العام الماضي، وما رافقه من تفاعل شعبي واسع، أعاد إليهم الأمل، غير أن هذه الفرحة كانت ممزوجة بالخوف من تعثر التنفيذ، وهو ما حدث بالفعل مع تأخر تنفيذ الاتفاق حتى اليوم.
وتضيف: "كنا نترقب تنفيذ الاتفاق في يناير، لكن مرور أكثر من شهرين دون تنفيذ زاد من مخاوفنا، ونخشى أن يؤدي هذا التأخير إلى عرقلة الاتفاق وضياع فرصة لقائنا بوالدنا"، مؤكدة أن قضيته طُرحت في أكثر من اتفاق سابق دون أن ترى طريقها للحل.
وتساءلت حول أسباب استمرار تأخير الإفراج عنه، رغم وضوح قضيته وحضورها في مسارات التفاوض، مشيرة إلى أن الأسرة صبرت طويلاً، وتأمل أن تفضي هذه الصفقة إلى نتيجة إيجابية تنهي سنوات المعاناة الطويلة.
ودعت فاطمة قحطان المجلس الرئاسي والحكومة والمجتمع الدولي والمنظمات الحقوقية إلى التحرك الجاد، قائلة: "يكفينا أحد عشر عامًا من الحرمان. نريد دورًا حقيقيًا أكثر فاعلية وحزمًا، ليعود إلينا والدنا الذي وهن عظمه واشتعل رأسه شيبًا".
إقصاء الفاعلين السياسيين
أكد رئيس منظمة "مساواة"، الحقوقي نجيب الشغدري، أن إصرار جماعة الحوثي المصنفة جماعة إرهابية على تغييب العقول السياسية ومهندسي التوافق الوطني، وفي مقدمتهم القيادي محمد قحطان، يمثل مؤشراً واضحاً على غياب الإرادة الحقيقية لتحقيق السلام، ويكشف عن نهج ممنهج يستهدف إقصاء الفاعلين السياسيين المؤثرين.
وأشار الشغدري، في تصريحات لـ"الصحوة نت"، إلى أنه لا يمكن الحديث عن أي تسوية سياسية جادة أو بناء ثقة حقيقية لمرحلة انتقالية قادمة، في ظل استمرار ما وصفها بعقلية الإقصاء والتمرد، وممارسة الجرائم والانتهاكات بدوافع طائفية وعنصرية، معتبراً أن هذا السلوك يقوض أي فرص واقعية لإحلال السلام.
وأضاف أن استخدام جريمة الإخفاء القسري كأداة للانتقام السياسي يعكس طبيعة التعاطي الحوثي مع الخصوم، حيث يجري تحويل الشخصيات المدنية والسياسية التي قادت مسارات الحوار الوطني على مدى عقود إلى رهائن وأوراق للمساومة، في انتهاك صارخ للقانون الدولي الإنساني.
ولفت إلى أن هذه الممارسات تمثل تحدياً سافراً لقرارات مجلس الأمن الدولي، وعلى رأسها القرار 2216، الذي نص بوضوح على ضرورة الإفراج عن القيادي والسياسي محمد قحطان، مشيراً إلى أن تجاهل هذا الاستحقاق يعكس استخفافاً بالمرجعيات الدولية.
وشدد على أن أي مسار سلام شامل لا يمكن أن يتحقق دون معالجة هذا الملف الإنساني، معتبراً أن الإفراج عن قحطان يمثل مقدمة أساسية لبناء الثقة، وخطوة لا غنى عنها في أي عملية سياسية قادمة.
وفي السياق ذاته، حذّر من أن غض الطرف والتراخي المستمر في التعامل مع قضية محمد قحطان يمثل تفريطاً بأحد أبرز الرموز السياسية في اليمن، ممن وقفوا بصلابة دفاعاً عن الدولة والجمهورية، في وقت تخلى فيه كثيرون عن مسؤولياتهم.
ورقة ضغط سياسية
مدير مكتب حقوق الإنسان بأمانة العاصمة، فهمي الزبيري، أوضح أن استمرار إخفاء السياسي محمد قحطان قسرياً لسنوات طويلة، رغم كونه شخصية مدنية ومشمولاً صراحة في قرارات مجلس الأمن واتفاقات تبادل الأسرى، يعكس نهجاً ممنهجاً لدى مليشيا الحوثي في توظيف ملف المختطفين كورقة ضغط سياسية.
وبيَّن الزبيري، في تصريحات لـ"الصحوة نت"، أن الإخفاء القسري في حالة قحطان لا يستند إلى أي اعتبارات قانونية، بل يُستخدم كأداة ابتزاز لإطالة أمد المكاسب السياسية والعسكرية، ما يكشف عن طبيعة التعاطي الحوثي مع الملفات الإنسانية بوصفها أوراق تفاوض لا قضايا حقوقية.
ويضيف :"قضية قحطان تحمل بعداً رمزياً بالغ الأهمية، كونه يمثل صوتاً سياسياً مدنياً معارضاً، لافتاً إلى أن استمرار تغييبِه يهدف إلى إسكات الأصوات السياسية وإرسال رسائل ترهيب لبقية الفاعلين، في إطار سياسة قمعية تستهدف المجال العام".
ويشدد الزبيري على أن هذا السلوك يشكل انتهاكاً جسيماً للقانون الدولي الإنساني وقانون حقوق الإنسان، لا سيما ما يتعلق بحظر الإخفاء القسري وحق المحتجز في التواصل مع أسرته وضمانات المحاكمة العادلة، مشيراً إلى أن الأمم المتحدة تعتبر هذه الجريمة من أخطر الانتهاكات التي قد ترقى إلى جرائم ضد الإنسانية إذا مورست بشكل واسع أو منهجي.
الخروج من مربع الإدانات
تتجاوز قضية إخفاء محمد قحطان كونها ملفًا إنسانيًا عالقًا، لتتحول إلى رمز لانتهاكات أوسع تمس الحياة السياسية في اليمن، في ظل استمرار تغييب أحد أبرز الأصوات المدنية دون أي كشف عن مصيره، رغم مرور أحد عشر عامًا على اختطافه.
وفي هذا الشأن، طالب رئيس منظمة مساواة، نجيب الشغدري، المجتمع الدولي والمبعوث الأممي بالانتقال الفوري من مربع الإدانات إلى اتخاذ آليات ضغط حقيقية وصارمة، تضمن الكشف عن مصير قحطان وكافة المخفيين قسرياً، والعمل على الإفراج عنهم دون قيد أو شرط، باعتبار ذلك استحقاقاً إنسانياً غير قابل للتفاوض.
ووجّه الشغدري دعوة مباشرة إلى قيادة المجلس الرئاسي والحكومة، وعلى رأسهم رئيس المجلس الدكتور رشاد العليمي ورئيس الوزراء الدكتور شايع الزنداني، بضرورة اتخاذ موقف حازم يجعل من الإفراج عن قحطان شرطاً مسبقاً في أي جولة تفاوض قادمة.
ويؤكد أن المسؤولية في هذا السياق لا تقتصر على الجانب القانوني فقط، بل تمتد إلى أبعاد أخلاقية وإنسانية وتاريخية، محذراً من مغبة القبول بأي صفقات تبادل مجتزأة تتجاوز هذا الملف، لما لذلك من تداعيات على مصداقية المؤسسات الرسمية.
ويختتم بالتأكيد على أن تجاوز قضية قحطان في أي ترتيبات سياسية أو تفاوضية من شأنه أن يضرب ثقة الشارع اليمني في الجهات التي تمثله، ويكرس حالة الإحباط تجاه مسارات الحل، ما يستدعي موقفاً أكثر صرامة يعيد الاعتبار لهذا الملف الإنساني العالق.
ضرورة تدويل القضية
الزبيري أكد أن قضية محمد قحطان تمثل اليوم اختباراً حقيقياً لمصداقية الجهود الدولية في حماية الحقوق والحريات في اليمن، داعياً إلى ضرورة التعامل معها بما يليق بحجم الانتهاك الذي تمثله، وعدم الاكتفاء بالمواقف الرمزية أو البيانات التقليدية.
ووجّه الزبيري رسالة إلى الحكومة الشرعية بضرورة مضاعفة الجهود الدبلوماسية والقانونية لتدويل القضية بشكل أوسع، وعدم القبول بأي تسويات جزئية تتجاوز اسم قحطان أو ترحل قضيته، مع التأكيد على أهمية تفعيل آليات المساءلة الدولية وتقديم ملف متكامل حول جريمة إخفائه.
كما دعا المجتمع الدولي إلى تجاوز مرحلة الصمت أو الاكتفاء ببيانات القلق، والانتقال إلى ممارسة ضغط فعّال ومشروط على مليشيا الحوثي، يربط أي تقدم سياسي أو تفاوضي بالكشف الفوري عن مصير قحطان والإفراج عنه دون قيد أو شرط.
وشدّد على دور المنظمات الحقوقية في إبقاء القضية حاضرة، من خلال تكثيف حملات المناصرة الدولية، واستمرار توثيق الانتهاكات، وضمان حضور اسم محمد قحطان في مختلف المحافل الحقوقية، باعتباره نموذجاً صارخاً لجريمة الإخفاء القسري في اليمن.
Related News