Arab
بعد هروب بشار الأسد، وخلال 16 شهراً مضت، غرق السوريون في شؤون داخلية في بلدهم، يتابعون التصريحات والمعطيات الاقتصادية، في انتظار تحسّن أوضاعهم وترميم البنية التحتية المتهالكة، حتى جاء خبر تصديق الكنيست الإسرائيلي على قانونٍ يقضي بإعدام الأسرى الفلسطينيين، فبدا هذا الخبر تذكيراً صريحاً بأن فلسطين ما زالت قادرة على تحفيز الشارع السوري، رغم كل ما مرّ على البلاد من معارك وانقسامات واستنزاف٬ وخرجت مظاهرات ووقفات تضامنية عدة أيام، في معظم المحافظات السورية، شارك فيها عناصر من الأمن العام وأيدها مسؤولون في الدولة، رفعت شعارات تندّد بالقانون المذكور، وظهرت هتافات متضامنة مع المسجد الأقصى، وراغبة بالانخراط الفعلي في الصراع، مؤكّدة أن فلسطين لا تزال باقيةً في الضمير السوري قضية تتجاوز السياسة إلى الوجدان والهوية. والأهم أن هذه التحركات جاءت عابرة للمناطق والبيئات، ما يوحي بأن القضية الفلسطينية من القضايا القليلة القادرة على كسر التباينات الداخلية وإنتاج لحظة شعورية مشتركة بين سوريين أنهكتهم ملفاتهم المحلية الثقيلة. بهذا المعنى، لا تقول تظاهرات الأمس فقط إن سورية مع غزّة، بل تقول أيضاً إن الصراع مع إسرائيل ما زال جزءاً من البنية العاطفية والسياسية للسوريين، وإن فلسطين، كلما اشتعلت، تعيد إلى السطح ذاكرة تاريخية عميقة.
شكّل التاريخ السوري مع قضية فلسطين، في جانب كبير منه، وعياً سياسياً وهوية إقليمية وصراعاً على معنى سورية نفسها. فمنذ وقت مبكر، ظهرت فلسطين امتداداً طبيعياً للمجال السوري - المشرقي، لا قضية منفصلة، ويمكن تذكّر شخصية المناضل عز الدين القسام ذات البعد الرمزي، الذي ارتبط اسمه بالثورة الفلسطينية الكبرى التي اندلعت بعد استشهاده عام 1935، ولكن الحضور الأكبر لسورية كان خلال حرب 1948 بعد قرار التقسيم واتخاذ الحكومة الوطنية السورية قرار التدخّل عسكرياً ضد الإسرائيليين. وكانت إحدى نتائج الحرب تحول الداخل السياسي السوري إلى مزيج مدني عسكري تجلى في ثلاثة انقلابات متتالية في أقل من عام، بعدما ساهمت الهزيمة في زعزعة شرعية النخب التقليدية وتعزيز حضور الجيش في الحياة العامة. عقب ذلك، أصبح العداء لإسرائيل من ثوابت التعريف السوري، وخصوصاً بعدما فقدت سورية جزءاً من أراضيها في حرب الأيام الستة عام 1967، لم تعد بعدها النظرة إلى إسرائيل وفق حالة قومية، بل أصبحت أمراً شخصياً للسوريين. وبالشراكة مع مصر، جاءت حرب 1973، لتكون تعويضاً نفسياً عن الهزيمة، ولكن نتائجها على الأرض كانت كارثة عسكرية وسياسية، فشاب بعدها سكون مطبق على الجبهة السورية وتعرّضت لموات عسكري، مع المحافظة على خطاب سياسي مرتفع النبرة.
الجغرافية السورية الفلسطينية مرتبطة بطريقةٍ يصعب تجاهلها، حيث شكلت هذه المجاورة وعياً سورياً خاصاً، ووجود إسرائيل على مقربة، ثم خسارة الجولان، جعلا التهديد مباشراً للأمن وللسيادة، وتصاعد الحال مع تمادي إسرائيل غداة سقوط الأسد، حيث تحرّكت نحو الداخل السوري بعمق أكبر، وسيطرت على مرتفعات في جبل الشيخ، ووسّعت سيطرتها على الأراضي العازلة مهدّدةً بتقدم أكبر، وتداخلت في الشأن الداخلي بالاتصال ببعض المكونات السورية.
الوضع السوري الحالي حرج جداً، وسورية خارجة من سنوات نزيف طويلة، ووضعت أولويتها إعادة بناء الدولة والبدء بعملية تنمية شاملة. ولكن لا يمكن التهرب من الشعور الجماعي الجارف نحو فلسطين الذي شوهد على نطاق واسع في تظاهرات الأيام الماضية. ولا يمكن إنكار تمكُّن ذلك الشعور الذي يُبقي سورية مشدودة إلى فلسطين، ويبدو أنه قدرٌ لا مفر منه بحكم التاريخ كما الجغرافية، وحتى حينَ لا تكون سورية قادرة على إعلان حرب، ولا سيما أن الدولة قد جرى تفريغ كل ما فيها خلال سنوات الحرب وسنين "الجفاف" الأسدي، يبدو أن عليها الموازنة بين ما يجب أن تقوم به في الداخل، وما عليها فعله على الحدود، وإدارة هذا التحدّي بكثير من الوعي.
