"الأشعة والظلال" والنازية: شخصيات رمادية بين تعاطف واستنكار
Arab
1 hour ago
share
  كيف يُبرّر مُتعامل مع محتل لنفسه وللآخرين اختياره؟ كيف يرى الأمر؟ ما العقوبة التي يفرضها القانون عليه؟ في فيلم مثير، مستقى من أحداث واقعية، حاول "الأشعة والظلال" (2026) للفرنسي كزافييه جيانولي النفاذ في حياة شخصية يسارية فرنسية، أصبحت رمزاً للتعاون مع العدو الألماني في الحرب العالمية الثانية، ونفِّذ فيها حكم الإعدام رمياً بالرصاص عام 1946. خمس سنوات بعد "أوهام ضائعة" (2021) الناجح (سبع جوائز سيزار 2022، بينها أفضل فيلم)، حقّق جيانولي فيلماً عُدّ الأضخم فرنسياً هذا العام، بميزانية تتجاوز 30 مليون يورو. أحد أهم المشاريع الفرنسية عام 2026، بحجم عمليات إعادة البناء التاريخية، وتصاميم الأزياء والأمكنة التي أحيت تلك الحقبة، ما جعله يحظى حالياً في فرنسا بإشادة جماهيرية ونقدية واسعة. لكن هذه الملحمة التاريخية، الدقيقة والطويلة (199 د.)، خيّبت قليلاً آمالاً كبيرة، بفيلم يفتقر إلى حوارات عميقة، ويتوه في مشاهد طويلة متكرّرة لا طائل منها. استوحى الفيلم حياة الفرنسي جان لوشار (جان دوجاردان)، رئيس تحرير مجلة باريسية ومتعاون مع الألمان، وابنته كورين (ناستيا غولوبيفا)، الممثلة الواعدة في فرنسا قبل الحرب. يبدأ السرد عام 1948، بعد إدانته وإعدامه، مع تسجيل ابنته شهادتها، محاولة فهم ما جرى. تنتقل القصة بعد ذلك عبر صوت الشابة وتعليقاتها إلى الماضي، مع ذكريات وأحداث تتبع الانجراف البطيء لرجل يساري، مسالم وإنساني، أدّت صداقته مع أوتو أبيتز (أوغست ديل)، سفير ألمانيا النازية في فرنسا، إلى التعجيل في سقوطه الأخلاقي. الصداقة، الهادفة إلى ترسيخ السلم ثقافياً بين الدولتَين بعد الحرب الأولى وقبل الثانية، باتت بعد ظهور النازية وسيلة للمساعدة في بسط نفوذ ألمانيا، ثقافياً وفنياً، بباريس، عبر الصحافة والسينما. يستمد الفيلم بعض جاذبيته من غموض نيّات بطل مُعقّد، مع تبريراته غير المقنعة، بل الساذجة التي يمكن لأيّ كان اللجوء إليها في مواقف تستدعي الشرح، أكانت خفيفة أم خطرة، لما تمثله من خرق للقانون والأخلاق. لا غوص في دواخل لوشار، بمعاناته النفسية ومشاعره، مهما كانت. يتركه الفيلم في محاولاته، ويدعه يعلّق بغموض على آراء الآخرين بشأنه، كأنه أمر مفروغ منه ألا يفهم هؤلاء دوافعه "النبيلة" في التعامل مع الألمان، التي لم تكن نبيلة في الحقيقة. أعاد الأمر إلى الغيرة، وإيمانه بهدف أبعد، بأوروبا متعاونة ومسالمة.     لا يعرّض جيانولي بطله لمواقف تحرجه، بل يتقصّى حياته الصاخبة، ومشاريعه الصحافية الطموحة، وعلاقاته العميقة الغامضة بدوافعها مع الألمان، محاولاً قدر الإمكان تبيان وجهَي الخير والشر معاً في الكائن. يبدو الفيلم، في البداية، متعاطفاً معه، ومع ابنته الشابة البريئة المتأثّرة بأبّ جذاب، وحفلات مجتمع، وبذخ مذهل لا يكترث بهشاشة وضعه المادي. علاقة الاثنين محور مهم، يبني عليه الفيلم محاور أخرى، لإظهار معضلات أخلاقية تعرّض لها الاثنان. فما معنى استخدام الابنة، وهي ممثلة في بداياتها وأمامها مستقبل واعد، في تمتين علاقات الأب بالمحتل؟ ما معنى إصراره على اصطحابها، والصرف بهذا الشكل، والمضي في درب يعرف نهايته؟ أم لم يكن يعرف؟ كل هذا بقي مطموراً خلف احتفال الاثنين بالحياة، وغرقهما في التعاون مع الألمان، والاستفادة المادية منهم، وادّعاء الجهل بعدم وصول "الشائعات" عما يفعله الألمان باليهود مثلاً. يقدم الصحافي تبريرات سطحية حين يتطلب الأمر، كأن يقول إنه يساعد كثيرين ممن يودون الهرب. أو لا يرد، كما فعل مع والده الذي نبّهه إلى مخاطر ما يفعل. كما تختبئ الابنة الممثلة خلف صغر سنها. يطرح "الأشعة والظلال"، الذي يُشير عنوانه إلى أشعة الضوء المنبعثة من جهاز العرض، التي تضيء الغرفة المظلمة، أسئلة تتعلق بالتعاون مع احتلال، وادّعاء الجهل بما يفعله المحتل بالأهالي، وبالسقوط التدريجي في الهاوية. طرحه هذا إضاءة دقيقة وفعالة. لكن إهماله إظهار النواحي النفسية لبطله (مشاعر متناقضة ومرتبكة) أفقده جاذبيته الأولى، ولا سيّما مع استغلال لوشار ابنته التي يحبها بشدة، فبقي الأمر غير مفهوم، كما حفل بمَشاهد الحفلات، ومرض لوشار وابنته بالتدرن الرئوي، إلى درجة غريبة. هذا على حساب قضايا أخرى، كان يمكن التعمق فيها أكثر. إضافة إلى ما قدّمته مشاهد الحفلات الصاخبة، والسعال الدائم للمريضَين من ضجيج مستمر ومنهك، سهّل الملل أمام مَشاهد لا تنتهي، كان الأجدى للمونتاج التقليل منها. أبلى الألماني ديل بلاء رائعاً، مُغطّياً على الفرنسي دوجاردان، الذي لم يكن في أفضل حالاته، فسار أداؤه على وتيرة واحدة، على عكس فرانتز (ديل)، بطل "حياة مخفية" (2019) لتيرانس مالك، الذي تحوّلت ملامحه البريئة والمسالمة تدريجياً مع تقدّم السرد، عبر نظراته وأسلوب كلامه، لتعبّر عن شخصيته الجديدة النازية. أما الممثلة الشابة غولوييفا (ابنة المخرج الفرنسي ليوس كاراكس، الحاملة اسم أمها)، فموهبة سيكون لها شأن في السينما الفرنسية، إذْ تحلّى دورها بمستويات عدّة من الأداء، وكانت تنتقل بمهارة بين مختلف الأحوال، من شجن وفرح وصخب وألم ودهشة ومرض. العلاقة التي جمعت الأب والابنة والصديق الألماني مأساة إنسانية عن الطبيعة البشرية، وتساؤلات عن المسموح والممنوع، والوجوه المتعدّدة للكائن، مع طرح وجهات نظر عدّة. كأنّ الفيلم يخشى أي شبهة بتعاطف مع شخصياته في قضية حساسة، قبل ظهور لائحة اتهامات النائب العام في النهاية، فيحلّ الاستنكار محلّ التعاطف.

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows