Arab
يشهد العراق أزمة مالية متصاعدة انعكست بشكل مباشر على انتظام صرف رواتب موظفي الدولة، بعد تأخر ملحوظ في إطلاق المستحقات الشهرية نتيجة نقص السيولة النقدية لدى الحكومة. فحتى أول من أمس، لم يُصرف سوى ما يقارب 20% فقط من إجمالي رواتب الموظفين، رغم أن الموعد المفترض للصرف كان بين 24 و25 من الشهر، حداً أقصى، وفق الآليات المعتمدة.
هذا التأخير غير المسبوق أثار موجة واسعة من القلق في الأوساط الشعبية والاقتصادية، خصوصاً مع اعتماد ملايين الأسر العراقية بشكل شبه كامل على الرواتب الحكومية مصدر دخل رئيسياً، في ظل محدودية فرص العمل في القطاع الخاص، وارتفاع تكاليف المعيشة. ويأتي ذلك بالتزامن مع ظروف إقليمية مضطربة ألقت بظلالها على الاقتصاد الوطني، أبرزها توقف صادرات النفط العراقية عبر مضيق هرمز نتيجة الحرب في المنطقة، ما أدى إلى تراجع التدفقات المالية بالعملة الصعبة، وانخفاض الإيرادات التي تشكل العمود الفقري للموازنة العامة.
بلغ عدد الموظفين في القطاع الحكومي نحو 4 ملايين و550 ألف موظف، إلى جانب نحو 2.9 مليون متقاعد، فضلاً عن أكثر من نصف مليون مستفيد من برامج الرعاية الاجتماعية
وتشير تقديرات اقتصادية إلى أن استمرار تعطل الصادرات النفطية قد يضع الحكومة أمام تحدٍّ مالي حقيقي خلال الشهرين المقبلين، مع تنامي المخاوف من عدم القدرة على تأمين الرواتب بشكل كامل أو اللجوء إلى حلول طارئة مثل الاقتراض الداخلي أو إعادة جدولة الإنفاق العام. وفي المقابل، لم تصدر حتى الآن توضيحات حكومية مفصلة بشأن خطة معالجة أزمة السيولة أو جدول زمني واضح لاستكمال صرف الرواتب المتبقية، الأمر الذي يزيد من حالة الترقب لدى الموظفين والمتقاعدين.
ويقول مصدر مسؤول في وزارة المالية العراقية، في تصريح لـ"العربي الجديد"، إن "أسباب تأخر صرف رواتب موظفي الدولة ترتبط بشكل مباشر بنقص السيولة المالية الناتج عن تراجع الإيرادات النفطية، خلال الأسابيع الأخيرة، في ظل التطورات الأمنية والعسكرية التي تشهدها المنطقة، وتأثيرها بحركة الصادرات العراقية".
وبيّن المصدر، الذي طلب عدم ذكر اسمه، أن "الحكومة تمكنت حتى الآن من صرف ما يقارب 20% من إجمالي رواتب موظفي الدولة، فيما تواصل وزارة المالية والبنك المركزي اتخاذ إجراءات عاجلة لتأمين المبالغ المتبقية وصرفها تباعاً خلال اليومين المقبلين، وأن التأخير الحاصل يعد ظرفاً استثنائياً وليس تغييراً دائماً في سياسة صرف الرواتب".
وأضاف أن "توقف صادرات النفط العراقية عبر مضيق هرمز بسبب الحرب الدائرة في المنطقة أدى إلى انخفاض كبير في التدفقات النقدية بالدولار، ما انعكس بشكل مباشر على قدرة الحكومة على توفير السيولة اللازمة لتغطية الالتزامات التشغيلية، وفي مقدمتها الرواتب التي تشكل النسبة الأكبر من الإنفاق العام".
ووفق المصدر فإن "الحكومة تعمل حالياً على عدة مسارات لمعالجة الأزمة، تشمل إعادة ترتيب أولويات الإنفاق، وتفعيل أدوات التمويل الداخلي قصيرة الأمد، إلى جانب التنسيق مع الجهات المالية المختصة لضمان استقرار السوق النقدي وعدم تأثر سعر صرف الدينار. والرواتب مؤمّنة من حيث المبدأ ضمن الموازنة العامة، إلا أن التحدي الحالي يتعلق بتوقيت توفير السيولة وليس بعدم وجود تخصيصات مالية". وكشف أن "الجهات الحكومية المختصة عقدت سلسلة اجتماعات طارئة لمتابعة الملف بشكل يومي، وهناك خطة مالية احترازية تهدف إلى ضمان استمرار دفع الرواتب خلال الشهرين المقبلين حتى في حال استمرار تعطل الصادرات النفطية".
الحكومة تعمل على مسارات لمعالجة الأزمة، تشمل إعادة ترتيب أولويات الإنفاق، وتفعيل أدوات التمويل قصيرة الأمد، والتنسيق مع الجهات المالية لضمان استقرار السوق النقدي وعدم تأثر سعر الدينار
من جهته، قال الخبير في الشؤون الاقتصادية ناصر الكناني، في تصريح لـ"العربي الجديد"، إن "تداعيات خطيرة قد تترتب على استمرار تأخر صرف رواتب موظفي الدولة في العراق، إذ إن الأزمة الحالية لا تمثل مشكلة مالية مؤقتة فحسب، بل تعكس هشاشة البنية الاقتصادية، واعتمادها شبه الكامل على الإيرادات النفطية".
وبيّن الكناني أن "تأخير صرف الرواتب حتى الآن بشكل كامل يشكل مؤشراً مقلقاً على وجود ضغط حقيقي في السيولة النقدية، خصوصاً أن الرواتب تمثل العمود الفقري للإنفاق الاستهلاكي داخل السوق العراقية، وأي تأخير إضافي قد يؤدي إلى تباطؤ اقتصادي واسع، وتأثيرات مباشرة في حركة الأسواق المحلية والقطاع التجاري". وأضاف أن "توقف صادرات النفط العراقية عبر مضيق هرمز نتيجة الحرب الدائرة في المنطقة وضع المالية العامة أمام اختبار صعب".
وحذّر من أن "أخطر تداعيات الأزمة لا تقتصر على الجانب المالي فقط، بل تمتد إلى الاستقرار الاجتماعي، إذ تعتمد ملايين الأسر العراقية كلياً على الرواتب الحكومية، ما يعني أن استمرار التأخير قد يؤدي إلى انخفاض القدرة الشرائية، وارتفاع مستويات الديون الفردية، وتراجع النشاط الاقتصادي في الأسواق المحلية". وختم الكناني بالقول إن "الأزمة الحالية تمثل جرس إنذار حقيقياً للاقتصاد العراقي، وفرصة لإعادة النظر في نموذج الاقتصاد الريعي، والانتقال تدريجياً نحو اقتصاد أكثر تنوعاً واستدامة، قادر على مواجهة الصدمات الإقليمية والدولية، دون أن تنعكس مباشرة على دخل المواطنين".
وحسب أرقام حكومية سابقة، يبلغ عدد الموظفين في القطاع الحكومي نحو 4 ملايين و550 ألف موظف، إلى جانب نحو مليونين و900 ألف متقاعد، فضلاً عن أكثر من نصف مليون مستفيد من برامج الرعاية الاجتماعية. وكان المستشار المالي للحكومة العراقية، مظهر محمد صالح، قد أكد في وقت سابق أن إجمالي الرواتب الشهرية التي تتحملها الدولة يتجاوز 8 تريليونات دينار عراقي، أي ما يعادل نحو 6.25 مليارات دولار.

Related News
باحثون: مضاد اكتئاب شائع يخفف من إجهاد «كوفيد» طويل الأمد
aawsat
20 minutes ago
وديات المونديال... الأخضر السعودي يخسر بثنائية صربيا
aawsat
28 minutes ago
القادسية والاتفاق في سباق الجاهزية قبل مواجهة الديربي
aawsat
31 minutes ago