Arab
يشهد سوق الذهب في مصر إقبالاً قياسياً في الفترة الأخيرة بعدما ألقت الحرب الإسرائيلية الأميركية الراهنة على إيران بظلالها وتداعياتها الاقتصادية على سوق الصاغة ودفعت الكثير من المواطنين نحو شراء المعدن النفيس ومتابعة أسعار "البورصات الافتراضية" على تطبيقات الموبايل بشكل لحظي ما أسهم في رفع الطلب الإجمالي. ورصد "العربي الجديد"، على غير المعتاد في محلات الصاغة والمجوهرات، تهافت الكثير من المستثمرين والأفراد لاقتناص فرصة شراء المعدن الأصفر، لا سيما الغرامات الصغيرة من العملات والسبائك داخل السوق المحلي بعدما تحوّل من مجرد وسيلة للزينة إلى "عملة حرب" وملاذ أخير آمن لحماية المدخرات من التضخم والتقلبات المتتالية في سعر أسواق الصرف.
ومع كل خبر عاجل عن تحليق مسيّرة أو اعتراض صاروخ في سماء المنطقة، يرتفع نبض الشارع، وتزدحم ردهات محال الصاغة بمواطنين يفرون من الجنيه الورقي إلى الذهب الصلب، ما أدى لظهور قوائم انتظار ونقص في المعروض في العيارات المختلفة بفعل الطلب المرتفع. في المقابل، سجلت مؤشرات تداول غرامات الذهب بسوق الصاغة المصرية ارتفاعات قياسية ملحوظة بكل العيارات وبمختلف الأوزان بسبب الصعود القوي للدولار بالصرافات المحلية والذي وصل سعره اليوم إلى 55 جنيهاً، فضلاً عن صعود الأونصة عالمياً، طبقاً لما هو مدرج بمؤشرات التداول العالمي لبورصة المعادن الثمينة.
داخل محل ذهب صغير في منطقة "باكوس"، شرق الإسكندرية، تقف مديحة صبري (62 عاماً)، وهي معلمة لغة عربية، تمسك بحقيبتها بقوة وهي تراقب شاشة الهاتف. تقول مديحة لـ"العربي الجديد": "رفضت تجديد شهادة ادخار بالبنك وقررت بكامل قيمتها شراء ذهب. لست خبيرة في الاقتصاد أو السياسة، لكنني عاصرت أزمات كافية ضاعت فيها مدخراتنا ولا أريد ضياع الفرصة، فسعر الذهب يرتفع، ولا يموت، أما المال في البنك فقيمته تتآكل باستمرار".
حالة مديحة تعكس "سيكولوجية الخوف" التي تجتاح الطبقة المتوسطة ومتعاملين في سوق الذهب في الوقت الحالي خاصة ممن يعتبرون أن المعدن الأصفر مخزناً للقيمة وملاذاً آمناً مع كل ارتفاع لمعدلات التضخم أو توقع انخفاض سعر صرف الجنيه نتيجة التوترات الجيوسياسية. كما يروي خالد المنشاوي، وهو شاب في الثلاثين من عمره يعمل مهندس برمجيات، قصته مع "تحويشة العمر": "كنت أخطط للزواج في الصيف القادم، لكن مع اشتعال الجبهة الإيرانية الأميركية، وجدت نفسي أمام خيارين، إما أن أشاهد قيمة مهري تتبخر، أو أشتري ذهباً بأي سعر لضمان إتمام الزيجة. اشتريت اليوم عيار 21 بسعر مرتفع جداً، لكنني أشعر بالراحة لأن جهاز العروسة بات في أمان المعدن، خاصة أن الذهب سيظل الملاذ الآمن ومراكزه لن تتغير".
من ناحية ثانية، وخلف واجهات العرض اللامعة، يعيش التجار حالة من "القلق الاحترافي". وفي هذا الصدد، يوضح الحاج رأفت خليل، وهو تاجر ذهب قديم في منطقة "الصاغة" بوسط المدينة، أن السوق يمر بحالة "ارتباك غير مسبوق" نتيجة تذبذب الأسعار وموجة الطلب القوية خلال الأيام القليلة الماضية، خاصة على السبائك أو العملات تسببت في وجود فجوة بين العرض والطلب.
ويقول خليل: "نحن لا نبيع ذهباً فقط، نحن نبيع أمانا لمن تتوفر معهم سيولة نقدية. المشكلة أننا نحن التجار نضطر أحياناً لوقف البيع لأن الكميات المتاحة تنفد بسرعة أو عند اضطراب الأسعار ليس استغلالاً بل لأننا لا نعرف بكم سنشتري غداً". ويضيف أن ظاهرة "تجميد البيع" أصبحت متكررة في الفترة الأخيرة، حيث ينتظر التجار استقرار "سعر الشاشة" العالمي وتناسبه مع سعر الصرف المحلي الذي يتحرك بعنف مع كل تصريح عسكري من "البنتاغون" أو "طهران".
وأشار إلى أن الطلب ارتفع بشكل ملحوظ رغم زيادة الأسعار خلال الساعات القليلة الماضية، بما يعكس استمرار جاذبية المعدن الأصفر حيث وصل سعر غرام الذهب عيار 21 إلى مستوى 7100 جنيه، بينما صعدت الأونصة في البورصة العالمية بنحو 66 دولاراً لتسجل 4560 دولاراً. وأضاف أن غرام الذهب عيار 24 سجّل نحو 8114 جنيهاً، فيما بلغ سعر عيار 18 حوالي 6086 جنيهاً، في حين وصل سعر الجنيه الذهب إلى نحو 56.8 ألف جنيه.
على صعيد آخر، يرى خبراء اقتصاديون أن ما يحدث في مصر هو انعكاس مباشر لما يسمى بـ"اقتصاد الحرب الإقليمي"، بما يرفع السعر محلياً بعيداً عن السعر العالمي، كما يقول الدكتور علاء حسب الله، الخبير الاقتصادي وأستاذ اقتصاديات السوق بجامعة الإسكندرية، ويضيف: "المواطن المصري فقد الثقة في المؤشرات التقليدية وبات يعتمد على مؤشر الرصاصة. الذهب في مصر حالياً يُسعّر بناءً على علاوة مخاطر ضخمة. التجار والناس يسعرون الذهب ليس بناءً على قيمته في لندن، بل بناءً على ما قد يحدث غداً في مضيق هرمز أو البحر الأحمر".
ويضيف حسب الله أن "الذهب تحول إلى عملة موازية على الرغم من التقلبات العالمية، يهرب رأس المال الصغير والكبير إلى الذهب، ما يخلق ضغطاً هائلاً على الطلب مقابل عرض محدود، وهو ما يفسر القفزات السعرية التي لا تتبع المنطق الاقتصادي الهادئ"، ونصح بضرورة النظر إلى شراء الذهب باعتباره استثماراً طويل الأجل بهدف الادخار وحفظ القيمة الشرائية للعملة، داعياً المستثمرين إلى الاحتفاظ به لمدد زمنية طويلة، لضمان تجنب مخاطر التذبذب السعري في الفترات القصيرة.
وترى الباحثة الاجتماعية نجلاء عبد المنعم أنه رغم الإقبال المتزايد على شراء الذهب في الفترة الأخيرة باعتباره استثماراً مباشراً وأكثر أماناً، إلا أن هناك ظاهرة "عدوى الخوف"، ما ستسفر عنه تطورات الحرب هي التي تحرك الأسواق. وتضيف في تصريح لـ"العربي الجديد" أن "المصريين يتبعون سلوك القطيع المالي في الأزمات، الكل يشتري لأن الكل يشتري. نتيجة التفاعل بين السوق المحلية والمتغيرات العالمية وأصبح الخوف من ضياع الفرصة أقوى من العقلانية الاقتصادية، هذا ما يجعل المواطن يشتري عند أعلى سعر في بعض الأحيان، لأنه يخشى أن يصبح هذا الأعلى هو الأدنى في الغد".

Related News
الكائنات الفضائية "شياطين" بحسب جي دي فانس
alaraby ALjadeed
54 minutes from now
«دموع الفرح»...ما هي؟ وما فوائدها النفسية؟
aawsat
2 minutes ago
ماري بينيت... الشخصية الخارجة من عباءة جين أوستن
aawsat
10 minutes ago