Arab
تشكل الاستشارات المستقلة صمام أمان قانونياً لطالبي اللجوء في ألمانيا، لكن السلطات تريد وقف تمويلها، ما يزيد اختلال ميزان القوة لحساب الدولة.
في خطوة تثير قلقاً واسعاً، تتجه ألمانيا إلى وقف تمويل الاستشارات المستقلة لطالبي اللجوء، في قرار يتجاوز الإجراء الإداري ويعكس تحوّلاً أعمق في فلسفة التعامل مع الهجرة داخل منظومة بيروقراطية معقدة. وحذرت أوساط قانونية ومنظمات مدنية، في 19 مارس/ آذار الماضي، من أن هذا التوجه قد يُفرّغ حق اللجوء من مضمونه العملي، إذ يصبح الوصول إلى العدالة أكثر صعوبة.
ونقلت صحيفة دير شبيغل عن خبراء قولهم إن "تسريع الإجراءات لا يجب أن يحصل على حساب ضمانات المحاكمة العادلة، وتقليص الدعم القانوني قد يترك طالبي اللجوء في مواجهة جهاز إداري معقد من دون أدوات كافية للدفاع عن أنفسهم". وتشير تقارير إعلامية إلى أن وزارة الداخلية تخطط لإنهاء الدعم المالي لخدمات الاستشارات المستقلة لطالبي اللجوء بدءاً من عام 2027، والتي تقدّم مساعدات قانونية ومعلوماتية مهمة حول حقوق اللجوء في ألمانيا وإجراءاته.
ولا يقتصر القرار على خفض التمويل، بل يعيد تعريف دور المجتمع المدني عبر استبدال وجود جهات مستقلة ترافق اللاجئ بمركزية أكبر في إدارة الملفات. وتبرّر المستشارية هذا الخفض بـ"ضرورة رفع الكفاءة، وتقليل عوامل الجذب"، في وقت يزداد الضغط السياسي لتقليص عدد الوافدين، والذي كان بدأ في فبراير/ شباط 2025 حين أقرّ البرلمان حزمة تشريعية تُسرّع البت في طلبات اللجوء وتعزز الرقابة على الحدود، كما تفرض شروطاً أكثر صرامة لإعادة المرفوضين، ما عكس توجهاً سياسياً واضحاً اعتبر الردع أداة أساسية.
ومنذ وصول المستشار فريدريش ميرز إلى السلطة، تبلورت ملامح سياسة أكثر صرامة، ولم تعد الأولوية لدمج الوافدين، بل للحدّ من وصولهم، في تحوّل عكس تغيراً في المزاج السياسي العام تجلّى في تشديد الرقابة على الحدود وتوسيع صلاحيات رفض الدخول، وتسريع الترحيل وتقليص فترات الطعن، وتوسيع قائمة "الدول الآمنة"، وتقليص المساعدات الاجتماعية، وتقييد لمّ الشمل العائلي، تقليص البرامج الإنسانية ومسارات الاستقبال. وتصف صحيفة "دي تسايت" هذا التحوّل بأنه "انتقال من سياسة الترحيب إلى سياسة الإدارة والتقييد، والنقاش في ألمانيا لم يعد يدور حول كيفية تحسين نظام اللجوء، بل حول كيفية تقليصه وضبطه".
على الأرض، لا تبقى هذه السياسات مجرد نصوص قانونية، بل تصبح تجارب يومية قاسية. ويعني تعزيز الرقابة الحدودية أن كثيرين يُعادون قبل أن تتاح لهم فرصة حقيقية لعرض قصصهم، فتتحوّل لحظة وصولهم إلى البلد، التي كانت رمزاً للأمل، إلى نقطة صدّ عاجلة. أما تسريع الترحيل، فيضع طالبي اللجوء في سباق مع الزمن، حيث تصبح أيام قليلة حاسمة للاعتراض على قرارات قد تحدد مصير حياتهم، ويتراجع القانون من كونه أداة حماية إلى إجراء سريع للإغلاق.
وتزيد قائمة "الدول الآمنة" الطين بلة، إذ تفترض مسبقاً أن القادمين منها لا يحتاجون إلى حماية، ما يقلّص فرص قبول طلباتهم بغض النظر عن ظروفهم الفردية. وداخلياً، تتفاقم المعاناة، إذ يدفع تقليص المساعدات الاجتماعية كثيرين إلى أوضاع معيشية هشّة، ويحبس تقييد لمّ الشمل عائلات مشتتة بين حدود الدول، بينما يتسبب إغلاق البرامج الإنسانية في لجوء البعض إلى مسارات أكثر خطورة، وتتحوّل تجربة اللجوء من رحلة أمل إلى صراع يومي مع قيود قاسية ومصير غامض.
وتشير تقارير موقع "تاغسشاو" إلى أنّ "هذه السياسات تعكس تحوّلاً واضحاً نحو اعتماد الردع أداةً مركزيةً في إدارة الهجرة، حتى لو جاء ذلك على حساب البعد الإنساني"، وتتحدث عن أن "السياسة الألمانية في فترة ما بعد عام 2023 تتجه نحو تشديد إجراءات اللجوء والحدّ من الهجرة غير النظامية عبر تطبيق إجراءات صارمة على الحدود وتسريع عمليات الرفض والترحيل، وهو تحوّل يُقرأ بأن دافعه الردع أولاً حتى لو جاء ذلك على حساب البعد الإنساني".
ولا يمكن فصل هذا التحوّل عن صعود حزب "البديل من أجل ألمانيا" اليميني المتطرف الذي نجح في إعادة تشكيل النقاش العام في البلاد، ويدفع الأحزاب التقليدية إلى تبني مواقف أكثر صرامة في ظل مواصلته ربط اللجوء بالأمن والهوية.
وتفيد تقارير تحليلية بأن "صعود حزب البديل من أجل ألمانيا" لم يعد يقتصر على نتائجه الانتخابية، بل يمتد إلى تغيير حدود ما يُعتبر سياسياً مقبولاً في ملف الهجرة، ما دفع الأحزاب التقليدية إلى تبني مواقف أكثر صرامة تجاه النزوح واللجوء. وهكذا أصبح الحزب، حتى في ظل وجوده خارج السلطة، لاعباً مؤثراً في صياغة السياسات العامة.
وليس ما يجري في ألمانيا استثناءً، بل جزء من اتجاه أوروبي أوسع نحو تشديد سياسات اللجوء، إذ تعيد دول الاتحاد الأوروبي تعريف التزاماتها تحت ضغط الأزمات المتلاحقة من تدفقات الهجرة إلى الضغوط السياسية الداخلية. ولم تعد الحدود مجرد نقاط عبور، بل خطوط صدّ متقدمة تُدار عبر تشديد الرقابة وتطبيق اتفاقات مع دول ثالثة، كما برز توجه "تدويل" إدارة اللجوء، عبر نقل جزء من الإجراءات إلى خارج الحدود الأوروبية. لكن خصوصية الحالة الألمانية تكمن في طبيعة التحوّل نفسه، فالدولة التي ارتبط اسمها بسياسة الانفتاح بعد عام 2015 تبدو اليوم كأنها تعيد تموضعها ضمن التيار الأكثر تشدداً.
وتصف التقارير هذا التحوّل بأنه "تغيير في الرؤية قبل أن يكون تغييراً في الأدوات، إذ لم يعد يُنظر إلى اللجوء باعتباره مسؤولية إنسانية، بل ملفاً إدارياً وأمنياً يتطلب الضبط والتقليص. وتؤكد "دي تسايت" أن "الأمور تذهب نحو تشديد أوسع في سياسات الهجرة واللجوء".
وبينما تسعى الحكومة إلى استعادة السيطرة، يبقى التحدي الأكبر هو الحفاظ على التوازن بين الأمن والحقوق، فكلما اتسّع هامش الردع، تتضاءل مساحة الحماية. والسؤال لم يعد عن عدد القادمين، بل عن شكل القيم التي تحكم استقبالهم، وهل تظل الحماية حقاً، أم تتحوّل تدريجياً إلى امتياز مشروط؟

Related News
دي زيربي يتوصل إلى «اتفاق مبدئي» لتدريب توتنهام
aawsat
6 minutes ago