Arab
يواصل التوتر تصاعده حول مضيق هرمز، شريان الطاقة العالمي، بعد شهر من اندلاع الحرب في منطقة الشرق الأوسط، وسط تعزيز المؤشرات على قدرة إيران على تعطيل المرور فيه.
ويأتي ذلك في ظلّ تصريحات لمسؤولين إيرانيين بشأن "تسعير المرور والتحكم في شروطه"، ما سلط الضوء على مستقبل المضيق وتأثيره الاقتصادي؛ بخاصة بعد السماح بمرور عدد من ناقلات النفط الباكستانية بالتنسيق مع طهران، وإعلان تايلاند عن اتفاق مشابه مع طهران لضمان عبور ناقلاتها النفطية، كما أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب أمس أنّ إيران منحت الولايات المتحدة 20 ناقلة نفط سيبدأ شحنها اليوم، وتشير أحدث التقارير إلى أنّ أغلب الناقلات لم تعد تسلك المسار المعتاد للمضيق، بل تعبر عبر مسار اعتمدته طهران مسبقاً.
في حين تحدثت تقارير ملاحية عن نظام "بوابة رسوم" مرتبط بالحرس الثوري، وعن سفن دفعت مبالغ مالية مقابل تأمين "العبور الآمن" وفقاً لما أورده تقرير نشره موقع "لويدز ليست" المتخصّص في شؤون الملاحة البحرية في 24 مارس/ آذار الماضي.
آلية الانتقاء والتكلفة الإضافية
يفرض هذا الواقع الجديد انتقال النفوذ الإيراني في مضيق هرمز من مستوى الردع الأمني إلى مستوى التحكم الاقتصادي العملي. فإذا أصبح المرور مشروطاً بالموافقة أو الدفع، فإنّ ما يتشكل حالياً ليس إغلاقاً كاملاً للمضيق، بل "آلية انتقاء" وتكلفة إضافية تفرض على كل ناقلة تحسباً للمخاطر. وحسب تقدير نشرته مؤسسة "ستاندرد آند بورز"، فقد عبرت 4 سفن المضيق في 25 مارس، من بينها سفن مرتبطة بإيران، مؤكدة أن حركة العبور باتت متذبذبة وقابلة للفرز حسب هوية السفينة ومسارها.
ومن شأن استمرار هذا النمط أن يتحول إلى ما يشبه "التحكم الاقتصادي" الإيراني عبر رسوم مرور، وتأخير متعمد للسفن، واشتراطات أمنية، أو تمييز بين السفن بناءً على الجنسية أو الوجهة أو طبيعة الحمولة.
وحسب تحليل "أوكسفورد إيكونوميكس"، فإنّ الخطورة لا تكمن في الرسوم بذاتها فحسب، بل في الأثر التراكمي على تكاليف التأمين، وجدولة الأساطيل، وتكاليف الوقود، وهو ما يرفع تلقائياً كلفة كل برميل يمرّ من الخليج إلى الأسواق الآسيوية والأوروبية.
ووفق التحليل ذاته، تبدو المعادلة أكثر حساسية بالنسبة لدول الخليج؛ إذ إنّ أي تقييد طويل الأمد أو فرض "ضريبة عبور" غير رسمية سيفضي إلى الضغط على صادرات النفط والغاز، ليس عبر المنع الكامل فحسب، بل من خلال تقليص الموثوقية ورفع كلفة المخاطر، ما يدفع المشترين إلى إعادة التسعير والبحث عن بدائل ورفع المخزونات الاحتياطية.
كما أن اتّساع علاوة المخاطر في هرمز ينعكس فوراً على أسعار الطاقة العالمية، لكون المضيق نقطة عبور مركزية لإمدادات الخليج، وأي اهتزاز فيه يترجم مباشرة إلى توتر في أسعار الشحن والطاقة والتأمين، وفقاً لتقديرات "ستاندرد آند بورز". وإزاء ذلك، فإنّ التغيرات الحاصلة في سلوك العبور ترسم ملامح مرحلة جديدة في سوق النفط والملاحة، إذ تسعى إيران للتحكم المباشر في تسعير الاقتصاد العالمي، ما يمثل تحولاً استراتيجياً قد يغير توازنات الطاقة والتجارة خلال الأشهر المقبلة.
سوق مدار جيوسياسياً
في هذا الإطار، يشير الخبير الاقتصادي عامر الشوبكي لـ"العربي الجديد"، إلى أنّ التطورات الأخيرة المتعلقة بالناقلات والتنسيق غير المباشر مع إيران تؤشر إلى تحول بالغ الحساسية، إذ ينتقل الموقف الإيراني من مجرد التهديد بالإغلاق إلى "إدارة المرور اقتصادياً".
وتتمثل خطورة ذلك، حسب الشوبكي، في أنّ التدفقات النفطية لن تخضع لقوى العرض والطلب وحدها، بل ستكون مرهونة بالقبول السياسي الإيراني، ما يفرض واقعاً يتسم بالتحكم غير المعلن في حركة العبور دون الحاجة لإعلان رسمي للإغلاق.
ويرى الشوبكي أنّ العالم سيكون أمام سابقة خطيرة في تاريخ الطاقة إذا ما طُبقت هذه الرسوم؛ مبيناً أن فرض مليون دولار على كل ناقلة قد يرفع تكلفة البرميل فوراً بنحو 3 دولارات، بينما يتمثل الأثر الأكبر في قفزة كلف التأمين وإعادة تسعير المخاطر الجيوسياسية.
وتتجاوز التداعيات التكاليف المباشرة لتشمل ضغطاً متزايداً على صادرات الخليج وارتفاعاً مستمراً في أسعار الطاقة عالمياً، حتى في غياب نقص فعلي في الإمدادات. ويعتبر الشوبكي أن المقترحات الإيرانية بفرض رسوم تصل إلى مليونَي دولار تعزز احتمالية حدوث تحول استراتيجي معترف به عالمياً، إذ يتحول سوق الطاقة من كونه سوقاً مفتوحاً إلى "سوق مدار جيوسياسياً"، ما يسرع البحث عن بدائل لخطوط النقل العربية.
ويضيف الشوبكي أن ترسخ هذا النمط سيؤدي إلى إعادة توزيع مراكز النفوذ، بما في ذلك مشاريع مثل "الممر الاقتصادي" من بحر العرب إلى البحر المتوسط، ما يزيد من حدة التقلبات في الأسواق، ويخلص إلى أن العالم لا يواجه خطر ارتفاع الأسعار فحسب، بل يواجه إعادة تشكيل قواعد اللعبة في أمن الطاقة العالمي بالكامل.
مضيق هرمز وواقع اقتصادي جديد
من جانبه، يشير الخبير في الاقتصاد السياسي بيار الخوري، لـ "العربي الجديد"، إلى أن الانتقال نحو صيغة التنسيق غير المباشر يمثل تحولاً جوهرياً في إدارة المخاطر. ويوضح الخوري أن القبول الضمني بآليات التنسيق يكرس واقعاً جيواقتصادياً جديداً تصبح فيه إيران لاعباً محورياً يمتلك مفاتيح التدفقات النفطية، متجاوزاً التأمين الأمني إلى مرحلة "السيطرة الناعمة"، التي قد تتطور مستقبلاً لفرض رسوم عبور تحت مسميات خدمات لوجستية أو بيئية، على غرار الإتاوات التي تفرضها البحرية الإيرانية حالياً وتصل إلى مليونَي دولار.
ومن شأن ذلك أن يحوّل الجغرافيا السياسية للمضيق إلى أداة ضغط اقتصادي قوية تمنح طهران قدرة فائقة على التأثير في القرار الدولي، محولاً الممر المائي الدولي المفتوح إلى منطقة نفوذ تخضع لترتيبات خاصة.
وبناءً على ذلك، تواجه دول الخليج تحديات مزدوجة تتعلق بارتفاع تكلفة الشحن وزيادة نفقات التأمين السيادي، ما يضعف التنافسية النسبية للنفط والغاز الخليجي في الأسواق العالمية مقارنة بالطاقة البديلة أو النفط الصخري، وهو ما قد يدفع المنتجين لتسريع الاستثمار في خطوط أنابيب بديلة تتجاوز المضيق.
ويختم الخوري بأن هذا المشهد يمثل تحولاً استراتيجياً يعيد صياغة مفهوم أمن الطاقة بعيداً عن مبدأ "البحر المفتوح" نحو توازنات مرنة تعتمد على التفاوض المستمر، كما يحذر من أن استمرار هذا الوضع يؤدي إلى تآكل مفهوم "المرور البريء" الذي كفلته اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، ويضع القوى الكبرى والمستوردين الآسيويين أمام ضرورة إعادة تقييم جذرية لاستراتيجيات أمن الطاقة لديهم لمواجهة هذا الواقع الملاحي المعقد.

Related News
الجيش الإسرائيلي يعلن مقتل 4 من جنوده بجنوب لبنان
al-ain
17 minutes ago