Arab
يحفر اسم الفنان الأميركي ويليام دافو في ذاكرة السينما العالمية بأدواره التي تتراوح بين العمق النفسي والصراع الأخلاقي، لكن جذوره تمتدّ إلى المسرح التجريبي، إذ بدأ رحلته الفنية في سن التاسعة عشرة مع مجموعة المسرح إكس، عام 1974، في ميلووكي بولاية ويسكونسن في الولايات المتحدة الأميركية. لاحقاً، أصبح من الأعضاء المؤسّسين لمجموعة ووستر في نيويورك، الفرقة التي أرسَت لحظات مهمة من التجريب المسرحي خلال السبعينيات والثمانينيات. وعلى خشبة The Performing Garage في سوهو، الحي النيويوركي الشهير بمراكزه للفنون التجريبية والفكر المسرحي المعاصر، شكّلت عروض مجموعة ووستر تجربة تتفاعل فيها عناصر الجسد والفراغ والإيقاع مع حضور الجمهور. هذه المختبرات المسرحية صقلت فهم دافو للمسرح كحقل للتجربة الإنسانية، إذ يشغل الجسد دور اللغة الأولى، ويصبح الأداء أداة للتفكير والتأمل.
اليوم يقود دافو قسم المسرح في بينالي البندقية للفترة بين 7 إلى 21 يونيو/ حزيران 2026.، إذ يضع جسد الممثل في قلب برنامجه. الفكرة الأساسية عنده أن المسرح يعيد التفكير في حضور المتلقي وعلاقة الجسد بالفضاء والزمن، من خلال تجارب حسية تجمع الأداء والمعرفة البدنية، في عالم يزداد فيه التواصل الرقمي والانقسامات الاجتماعية. برنامج هذا العام يركز على التجربة الحسية للمتلقي، ليكون حضور اللحظة هو اللغة الأولى التي تحرك الفهم، ويجعل المسرح مساحة لاختبار العالم، وأيضاً مكاناً لتكوين جماعات مؤقتة تتفاعل ضمن الزمن الحقيقي.
أحد أبرز أعماله المسرحية الموسوم بـ"القماش الأسود للراعي" مع روميو كاستيلوتشي، يستند إلى نص للكاتب ناثانيل هوثورن، ويحوّل المادة الأدبية إلى فضاء تأملي، إذ يلعب الجسد والإيقاع الحسي دور الكاتب والمفسّر في آن واحد. العرض يترك للمشاهد حرية التقاط ما يهز إحساسه، بعيداً عن السرد التقليدي أو الرسائل المباشرة، ليصبح المسرح تجربة حسية وفكرية متكاملة، تنقل حضور الإنسان في لحظة اشتباك مع ذاته ومع الآخرين.
يدعو لإعادة التفكير في حضور المتلقي وعلاقته بالفضاء العام
في السينما، جسّد دافو في فيلم "فصيلة" (1986) شخصية الرقيب إيلياس، ضميرٌ أخلاقيّ وسط فوضى الحرب في فيتنام، يوازن بين المبادئ الإنسانية والتجربة الواقعية للصراع. هذه التجربة تحيل إلى طبيعة الحروب المعاصرة، بما في ذلك الحروب الأميركية في الشرق الأوسط. غياب الممثل الأميركي عن وسائل التواصل الاجتماعي ورفضه لها، كما يصرح، ينسجم مع رؤيته للمسرح والواقع الرقمي، فقد أشار في كلمته التي كتبها لمناسبة اليوم العالمي للمسرح للعام الجاري إلى العزلة والانقسامات التي تولدها التكنولوجيا، مؤكداً أنّ المسرح يوفر مساحة للتجربة الحية، للقاء الإنساني المباشر والتفاعل الحسي مع الآخرين، بعيداً عن الانغماس في الخطابات الرقمية السريعة.
يُظهر مسار ويليام دافو قيمة الأداء المسرحي كأداة لإعادة الاعتبار للخبرة الإنسانية، إذ المعرفة تتشكل من الفعل الحسي واللقاء المباشر، وتجربة المشاهدة تصبح حيزاً للتفكير والتفاعل، مع الحفاظ على استقلالية الفن بوصفه فضاءً يمكنه أن يعيد ترتيب العالم من خلال الحضور والإحساس والتأمل.

Related News
«تيك توك».. تختبر الدراما القصيرة وتفتح باب الإنتاج
al-ain
5 minutes ago
إطلالة محتشمة.. يارا السكري تخطف الأنظار بالعباءة
al-ain
11 minutes ago