Arab
فضّل أهالي بعض القرى الحدودية جنوبي لبنان عدم النزوح، خصوصاً أنهم ما زالوا بمنأى عن إنذارات الإخلاء والاستهداف الإسرائيلي المباشر، غير أنهم يخوضون معركة يومية مع الرعب وشحّ الإمكانات.
منذ بدء الحرب الإسرائيلية على جنوبي لبنان في 8 أكتوبر/تشرين الأول 2023، ومع تجدد العدوان في 2 مارس/آذار الجاري، وجد أهالي القرى اللبنانية الحدودية مع فلسطين المحتلة التي لم تُنذر بالإخلاء، أنفسَهم أمام معضلة تُراوح بين النزوح أو البقاء، حالهم حال القرى والبلدات القريبة التي تصلها الغارات الإسرائيلية وشظايا الصواريخ، ويطاولها الاستهداف أحياناً.
وبينما كان خيار النزوح هو الغالب في أواخر عام 2023، ومن ثمّ مع توسع العدوان في عام 2024، اختار الكثير منهم هذه المرة الثبات في أرضهم رغم الرعب اليومي والمخاطر المحدقة، تفادياً لتكرار قهر النزوح على الأرصفة والطرقات، وفي صفوف المدارس ومراكز الإيواء، خصوصاً أن قراهم وبلداتهم لم تُبلّغ بالإخلاء، كما أنّ نقاط الجيش اللبناني ما زالت موجودة، وكذلك قوة الأمم المتحدة المؤقتة "يونيفيل".
تقع بلدات دير ميماس وبرج الملوك والقليعة وجديدة مرجعيون وإبل السقي في قضاء مرجعيون، وهي لا تبعد أكثر من ثلاثة كيلومترات عن الحدود مع فلسطين المحتلة، وكذلك قرى العرقوب وراشيا الفخار وكوكبا وكفرشوبا وحلتا وكفر حمام والهبارية والفرديس والماري وشبعا في قضاء حاصبيا. وارتأى أهالي تلك البلدات عدم النزوح، رغم ما لحقهم من قصف ودمار وضحايا.
يعيشون هول الحرب ومخاطرها المحدقة رافضين تكرار قهر النزوح، ووجود الجيش ووحدات "يونيفيل" يبعث بعض الطمأنينة رغم الغارات
خسرت بلدة القليعة كاهن رعيتها الخوري بيار الراعي خلال محاولته مساعدة عددٍ ممّن طاول منزلهم قصف مدفعي إسرائيلي سبّب إصابات بين أبناء البلدة، ونجت عائلة مؤلفة من زوج وزوجة وطفليهما من سقوط صاروخ على منزلهم، تلاه استهداف منزل راح ضحيته رجل وابنة شقيقه ذات العشرة أشهر.
وفجر 24 مارس، استشهد الفتى محمد علي عبد العال (15 سنة) في مزرعة حلتا التابعة لبلدية كفرشوبا خلال توغل قوة إسرائيلية، إلى جانب إصابة آخرين وخطف أحد أبنائها، فضلاً عمّا تتعرض له تلك البلدة من غارات وقصف عند أطرافها واستهداف بعض المنازل. وعلى وقع الظروف الأمنية والمعيشية المعقدة، يروي عدد من الأهالي حجم المعاناة، فيما يلتزم أغلبهم الصمت.
يقيم أبو أحمد علي طه (62 سنة) في بلدة كفر حمام رفقة زوجته وثلاثة من أبنائه، ويقول: "رغم ما تعرّضنا له من غارات وقصف خلال حرب إسناد غزة، بقينا في البلدة، ولم نتركها إلا بعد أن طُلب منا الإخلاء، وقد تضرّر منزلنا بشكل كبير حينها. عُدنا بعد إعلان وقف إطلاق النار في نوفمبر/تشرين الثاني 2024 من أجل الترميم، وعقدنا العزم على العمل مجدداً، وحاولنا النهوض من جديد، وعاد بصيص الأمل. لكن عادت الحرب بطريقة مدمّرة وقاسية، وما زلنا في منازلنا، لكنّنا نعيش على وقع الخوف والغارات الإسرائيلية التي تطاول بلدتنا".
ويتابع أبو أحمد: "دفعنا تعلّقنا بأرضنا إلى البقاء والعيش بما تيسّر. ورثنا هذا التعلّق عن الآباء والأجداد، ومن الصعب التخلّي عنه، وكل ما نأمله اليوم أن تتوقف الحرب. كفانا حروباً لا ناقة لنا فيها ولا جمل، فقد بات منزل أهلي خراباً، وصارت الذكريات سراباً، حتى إنّني أعجز عن الوصول إلى الأشجار المثمرة في الكرم الذي أملكه. حتى قنّ الدجاج (الحظيرة) المحاذي لمنزلي أحسب ألف حساب قبل تفقده، خوفاً من القصف".
من جهته، يقول الإعلامي لطف الله ضاهر (67 سنة) من بلدة القليعة: "أصرّ أهالي قرى قضاء مرجعيون على البقاء، من بلدة دير ميماس إلى راشيا الفخار، مروراً ببرج الملوك والقليعة وإبل السقي وكوكبا وغيرها، وذلك من منطلق إيمانهم بأنهم ليسوا معنيين بهذه الحرب، ولا يعانون أي مشاكل تدفعهم إلى النزوح. عبر التاريخ ورغم كل الحروب، لم نغادر القليعة يوماً، وقد يكون مردّ ذلك أننا ورثنا هذا الصمود عن الأهل والأجداد، وقد ناشد المواطنون بعض المعنيين من أجل التواصل مع المرجعيات الدولية لضمان بقائنا في منازلنا".
ويوضح أنّ "قلّة قليلة غادرت البلدة، ولا سيّما العجزة والعائلات التي لديها أطفال". وعمّا حصل مؤخراً من استهداف عدد من المنازل، واستشهاد كاهن رعية البلدة، يقول ضاهر: "سمعنا أن تلك الاستهدافات كان سببها على الأغلب تصوير البعض للعمليات العسكرية في المنطقة، وكذلك الأمر بالنسبة للمنازل عند أطراف البلدة من الجهة الشرقية المقابلة لبلدة الخيام التي تشهد عمليات كبيرة وتوغلات إسرائيلية".
ويلفت ضاهر إلى أن أبناء القرى والأرياف يخزّنون عادةً المؤن والمواد الغذائية، تحسباً لأي طارئ، وقد قاموا أخيراً بتخزين كميات إضافية من المواد الغذائية والمحروقات للتدفئة، وتصلنا بعض المساعدات بين حين وآخر"، مشيراً إلى أن الطرقات ما زالت سالكة حتى اللحظة بعد أن أعاد الجيش اللبناني فتح تلك التي دمّرتها إسرائيل. أما الأنشطة الاجتماعية والمناسبات الدينية فقد تراجعت كثيراً، خوفاً من أي استهداف إسرائيلي، أو حتى سقوط أي صواريخ من قبل حزب الله خلال توجيهها نحو فلسطين المحتلة، في حين نشر الجيش اللبناني بعض النقاط في وسط البلدة، ويقوم بدوريات بين القليعة وجديدة مرجعيون بين الحين والآخر.
تعيش خديجة الأخرس (75 سنة) في بلدة الهبارية مع ابنتها وحفيدها، وتعاني للعام الثالث ظروفاً صعبة. وعلى الرغم ممّا تعرّضت له البلدة من دمار وقصف، فضّلت البقاء في منزلها بعد تجربة النزوح التي عاشتها في البقاع (شرق) خلال الحرب الأولى. وتقول: "النزوح ليس سهلاً، حتى عند الأقارب، لذلك فضّلنا البقاء رغم الغارات والقذائف التي تقلقنا طوال النهار والليل. كل يوم أتمشّى في حديقة المنزل حيث أزرع بعض البقوليات والحشائش، إضافة إلى ما نختزنه من مؤونة، ما يقينا العوز ويخفف أعباء تأمين قوتنا اليومي".
ويؤكد رئيس بلدية جديدة مرجعيون سري غلمية لـ"العربي الجديد" أن أهالي البلدة آثروا هذه المرة عدم مغادرتها، رغم ما طاول البلدة من قصف، لما عانوه من شقاء النزوح وويلاته، خصوصاً أن البلدة لم تُبلّغ بالإخلاء، والجيش اللبناني ما زال موجوداً، كذلك وحدات الـ"يونيفيل"، ما يبعث الطمأنينة، رغم أصوات المدفعية والغارات والتفجيرات.
ويضيف غلمية: "صحيح أن جديدة مرجعيون هي مركز قضاء مرجعيون، إلا أن أهاليها يعيشون على الضروريات والأولويات، كما غالبية أهالي القرى المحاذية للحدود التي لم تطلها أوامر الإخلاء، ومنها المشاركة في الأتراح والمناسبات الدينية، وإن كان ذلك بخجل، حفاظاً على الأرواح، ولا سيّما أن البلدة سقطت فيها قذائف مدفعية وصاروخية. كما أن فرق الصليب الأحمر اللبناني والمنظمات الصحية التي ما زالت قادرة على العمل في المنطقة، تقدّم الخدمات الصحية والأدوية المزمنة والعلاجات بما تيسّر".
ويتحدث نائب رئيس اتحاد بلديات العرقوب رئيس بلدية راشيا الفخار، الإعلامي بيار عطالله عن مساعيهم للحد من تأثير هذه الحرب على أهالي منطقة حاصبيا والعرقوب "الذين يعيشون كل يوم بيومه، كأنهم داخل سجن يحيطه الدمار وصوت القصف والغارات، على أمل أن تشرق الشمس من جديد"، وفق قوله. ويلفت عطالله إلى أن "غالبية السكان من العمّال الزراعيين والموسميين، يعيشون من قلّة الموت، حيث لا توجد أشغال كافية تؤمّن قوتهم اليومي. الوضع سيئ ومأساوي، وما يصل إلى البلدة والمنطقة من مساعدات يقتصر على السكر والعدس والأرز والمعلبات".
ومن بلدة الماري في قضاء حاصبيا، يتحدث رائد الفياض (48 سنة) بحرقة عمّا يعيشه خلال هذه الحرب. ويقول: "أهالي هذه البلدة الحدودية الصغيرة طيبون يشبهون الأرض بصبرهم وعنادهم، يصمدون رغم الحرب والظروف الصعبة والخطرة التي تحيط بهم من كل الجهات".
افتتح الفياض محلاً لتصليح كهرباء السيارات نهاية الصيف الفائت في بلدة كوكبا المجاورة، لكنه يعجز حالياً عن الوصول إليه، خوفاً من الاستهداف. وبينما يفضّل البقاء إلى جانب عائلته، يؤكد الأب لطفلين أنه "ما من أحدٍ يقوى على ترك بلدته وأرضه ومنزله بإرادته، فهي ليست تراب وممتلكات وأرزاق، إنّها ذكريات عقودٍ وتعب سنوات وقصة انتماء. نحيا على الأمل ونصمد، قد تعلو أصوات القصف، لكنّ إرادتنا وجذورنا أقوى من أن تُقتلع، ونحافظ على بيوتنا وحقولنا كما نحافظ على أرواحنا".

Related News
سرّ احتلال المصريين ذيل "مؤشر السعادة" العالمي
alaraby ALjadeed
18 minutes ago
من يحكم القرار في طهران؟
alaraby ALjadeed
43 minutes ago
مباشر: إسرائيل تشنّ غارات جديدة على طهران
france24
43 minutes ago