Arab
اجتمع رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي، أول من أمس السبت، في مقر الحكومة، مع فعاليات برلمانية معارضة، وجرى بحث تداعيات الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران وانعكاساتها المتفاقمة على المجتمع المصري، وذلك في تحرك بدا في ظاهره محاولة لتعزيز تماسك الجبهة الداخلية، وأثار تساؤلات عديدة حول ما إذا كان يعكس انفتاحاً سياسياً حقيقياً على المعارضة المصرية أم محاولة استباقية من الحكومة لاحتواء ضغوط داخلية متزايدة، لا سيما بعد زيادة كبيرة في أسعار المحروقات وخدمات النقل وتقييد العمل والإنارة الليلية قسرياً. وجاء الاجتماع بين مدبولي وممثلي الهيئات البرلمانية من الأحزاب في مجلس النواب في سياق مخاوف متنامية من اتساع نطاق الحرب وتأثيراتها على أسواق الطاقة العالمية وحركة التجارة ومصادر النقد الأجنبي.
اجتماع المعارضة المصرية مع مدبولي
وقال مدبولي في الاجتماع إن مصر "تواجه أزمة تتصاعد خطورتها"، في توصيف لمخاوف رسمية من أن التطورات الإقليمية تضيف ضغوطاً جديدة إلى اختلالات اقتصادية قائمة. وتضع الأزمة المصريين في مواجهة أزمة مزدوجة، بين صدمة خارجية مرتبطة بالحرب، وأزمة داخلية تتعلق بهشاشة المؤشرات الاقتصادية، ما يفرض، وفق الرؤية الحكومية، إعادة ترتيب الأولويات خلال المرحلة المقبلة.
مداخلات النواب تركزت حول ضرورة عرض خطة الحكومة بشكل رسمي أمام البرلمان
كانت أحزاب المعارضة المصرية المدعوة، بينها "العدل" و"الوفد" و"المصري الديمقراطي الاجتماعي"، قد أعلنت رفضها حضور الاجتماع في البداية، مؤكدة أن خطط الحكومة يجب أن تُناقَش داخل البرلمان باعتباره الساحة الدستورية للرقابة والمساءلة. وشدّد نائب رئيس حزب العدل النائب محمد فؤاد على أن اللقاء خارج البرلمان "لا يعوّض أدوات الرقابة الدستورية"، فيما أبدى رئيس الهيئة البرلمانية لحزب الوفد النائب محمد عبد العليم موقفاً مماثلاً، معتبراً أن الحوار يجب أن يكون في إطار مؤسّسي واضح. لكن موقف النائبين لم يستمر طويلاً، إذ تراجعت قيادات الأحزاب عن قرارها خلال ساعات، وضغطت على ممثليها البرلمانيين للمشاركة في الاجتماع تحت شعار "الاصطفاف الوطني أولاً". وأبلغت مصادر برلمانية "العربي الجديد" أن هذا التحول جاء نتيجة اتصالات مكثفة وضغوط متعددة، دفعت نحو ما وصف بـ"الاصطفاف الوطني" في ظل حساسية الظرف الراهن. وكشف التراجع السريع، بحسب المصادر، حدود استقلال القرار الحزبي، وأعاد تسليط الضوء على طبيعة العلاقة المُركبة بين السياسة والأمن في إدارة السياسة والمجال العام.
مخرجات عامة
ورغم مشاركة واسعة لأحزاب المعارضة المصرية في نهاية المطاف، لم ينته الاجتماع إلى قرارات ملموسة أو خطة واضحة لمواجهة التداعيات الاقتصادية للحرب، واقتصر على تأكيدات عامة بشأن صعوبة المرحلة وأهمية التكاتف، ولم تهتم أجهزة الإعلام الرسمية بمخرجاته ولم يصدر حوله بيان صحافي من مجلس الوزراء. وقال ممثل لحزب ليبرالي شارك في الاجتماع لـ"العربي الجديد" إن مداخلات النواب تركزت حول ضرورة عرض خطة الحكومة بشكل رسمي أمام البرلمان، خصوصاً مع اقتراب مناقشة الموازنة العامة الجديدة 2026-2027 مطلع شهر إبريل/نيسان المقبل. كما طالبوا بقدر أكبر من الشفافية في عرض البيانات الاقتصادية، وتوضيح أسباب ارتفاع الأسعار، وموقف الاحتياطي من السلع الأساسية.
وتزامن النقاش مع اجتماع عقده ممثلو الهيئات البرلمانية داخل مجلس النواب مع رئيسه هشام بدوي، حيث جرى تأكيد ضرورة حضور رئيس الحكومة إلى البرلمان لعرض خطته بشأن مواجهة تداعيات الحرب، ومناقشة الموازنة الجديدة.
تبدو الحكومة المصرية مضطرة إلى تبني إجراءات مالية أكثر تشدداً
وجاءت النقاشات بين مسارين، حوار داخل مجلس الوزراء ومطالب بالمساءلة داخل البرلمان، لتعكس إشكالية أعمق تتعلق بمكان إدارة السياسة: هل تتم عبر القنوات المؤسسية البرلمانية والمدنية التقليدية، أم بترتيبات أمنية وتنسيقية خارجها؟ وجعل ذلك البرلماني السابق ورئيس حزب العدل باسل عادل يعترض على طريقة استدعاء رئيس الحكومة للاجتماع بهم في مكتبه. وأكد لـ"العربي الجديد" رفضه طريقة تنظيم الاجتماع ومخرجاته، مشيراً إلى "وجوب قدوم رئيس الوزراء إلى البرلمان وعدم استحقاقه في أن يطلب من نواب الشعب بأن يأتوا إليه لعرض مشكلات شعبية تسبب في الكثير منها".
ووافق عضو مجلس الشيوخ ورئيس حزب الجيل ناجي الشهابي على ضرورة أن يذهب رئيس الوزراء إلى البرلمان لعرض ما يريده على النواب، مشيراً إلى استبعاد الحكومة دعوة أعضاء مجلس الشيوخ إلى الاجتماع (الغرفة الثانية من البرلمان) رغم أهميته دستورياً في إقرار الخطط الحكومية بالتوازي مع مجلس النواب (الغرفة الأولى في البرلمان)، مشيراً إلى أن الاجتماع غير ذي جدوى، سوى في أنه محاولة للتواصل بين الحكومة والنواب الذين يتهمون الحكومة ووزراءها بالتعالي على البرلمان، بعدم حضورهم المناقشات العامة وطلبات الإحاطة التي تقدم لمساءلة الوزراء حول ارتفاع تكاليف المعيشة ومخاوف من حدوث اضطرابات اجتماعية من جرّاء السياسات التي تتخذها الحكومة من دون سند شعبي أو موافقة من البرلمان.
وتفيد بيانات رسمية لمجلس الوزراء باحتمال تباطؤ النمو إلى نحو 4.5% إذا استمرت الحرب فترة أطول، مع ارتفاع متوقع في معدلات التضخم إلى نحو 13%، نتيجة زيادة تكاليف الطاقة وتراجع بعض الإيرادات الدولارية مثل السياحة وقناة السويس. في الوقت نفسه، تواجه المالية العامة تحديات كبيرة، إذ تستهلك خدمة الدين نسبة كبيرة من الإنفاق الحكومي، فيما تتجاوز التزامات السداد الخارجي قدرات التمويل السهل، مع ارتفاع تكلفة الاقتراض وتراجع السيولة الدولارية.
وفي ظل الصدمة الاقتصادية، تبدو الحكومة المصرية مضطرة إلى تبني إجراءات مالية أكثر تشدداً، تشمل خفض الدعم، ورفع أسعار بعض الخدمات، وتوسيع القاعدة الضريبية. غير أن هذه السياسات تحمل كلفة اجتماعية مرتفعة، الأمر الذي دفع نواباً شاركوا في الاجتماع مع مدبولي للتحذير من أن رفع أسعار المحروقات في ظلّ انخفاض المداخيل قد يؤدي إلى تآكل القدرة الشرائية وزيادة الضغوط المعيشية، بما قد ينعكس على مستويات الرضا الاجتماعي. وتضع هذه المخاوف الحكومة أمام معادلة صعبة تتعلق بضرورة تحقيق الاستقرار المالي دون الإضرار بالاستقرار الاجتماعي.
أحمد عبد ربه: الخطوة محكومة بسقف واضح، يهدف إلى احتواء أي حراك مستقل
في هذا السياق، رأى أستاذ العلوم السياسية أحمد عبد ربه أن دعوة الحكومة إلى الحوار مع أحزاب المعارضة المصرية تعكس تأثير الضغوط الإقليمية على نمط إدارة السياسة الداخلية، مشيراً في دراسة أصدرها أول من أمس السبت، حصل "العربي الجديد" على نسخة منها، إلى أن النظام يلجأ في مثل هذه الأزمات إلى توسيع دائرة المشاورات مع القوى السياسية، مثل ما وقعت أثناء العدوان الاسرائيلي على غزة. واعتبر عبد ربه أن هذه الخطوة تمثل "نجاحاً نسبياً" في فتح قنوات تواصل، لكنها تظل محكومة بسقف واضح، يهدف إلى احتواء أي حراك مستقل، وليس بالضرورة إحداث تحول جوهري في آليات صنع القرار.
تكشف مجريات الاجتماع عن توازن حذر بين رغبة الدولة في تعزيز الاصطفاف الوطني في مواجهة التحديات الخارجية، وتمسك بعض أحزاب المعارضة المصرية بدورها الرقابي، في ظلّ توازن يبدو هشاً، في غياب آليات مؤسسية واضحة لإدارة الخلاف، واعتماد متزايد على الترتيبات غير الرسمية، بما يحدّ من فعالية الحوار السياسي، وفقاً لمحللين سياسيين تحدثوا لـ"العربي الجديد". واعتبر هؤلاء أنّ الحوار بداية لمسار سياسي أكثر انفتاحاً، في حال توقفت الأجهزة الأمنية عن ملاحقة السياسيين وزجّ أصحاب الرأي في السجون، والتي ما زالت ظاهرة مستمرة يومياً منذ عام 2013. ويؤكد المحللون أن الحوار، رغم أهميته الرمزية، لم يفضِ إلى تغييرات ملموسة في آليات صنع القرار.
وفي ظل توقعات بتصاعد الضغوط الاقتصادية، قد تتجه الدولة نحو مزيد من المركزية في إدارة الأزمة، ومع دخول البلاد مرحلة مالية أكثر تعقيداً، يصبح التحدي الأساسي مزدوجاً، بين إدارة اقتصاد يواجه ضغوطاً متزايدة، وسياسة تحتاج إلى توازن دقيق، وبين تمرير إجراءات صعبة والحفاظ على الاستقرار. في هذا الإطار، أكد المحللون أنّ اجتماع الحكومة مع المعارضة يبدو أقل أهمية في نتائجه المباشرة، وأكثر دلالة في رمزيته، باعتباره مؤشراً على نظام يحاول توسيع دائرة المشاركة بحذر، من دون أن يتخلى عن أدوات السيطرة.

Related News
من يحكم القرار في طهران؟
alaraby ALjadeed
29 minutes ago
مباشر: إسرائيل تشنّ غارات جديدة على طهران
france24
29 minutes ago