مواسم العودة إلى الشراكة
Arab
1 hour ago
share
صرّحت رسائل المُعايدة بأعياد المرأة وذكرى انطلاق الثورة السورية العظيمة وعيد الأم عن عودة صريحة للكثير من الأصدقاء، وخاصة الصديقات اللاتي ظننّت آسفةً، وفي قلبي غصةٌ، وفي عينيّ حرقةٌ، أنني قد فقدتهن جميعا وإلى الأبد؛ فقدٌ صادمٌ وانحرافٌ معلنٌ عن أبسط قواعد الشراكة على مبادئ وقيم ورؤى كنتُ، أو كنّا نظنّها صامدة بوجه أيّ تغيّرات جذرية أو طارئة. يفرض سؤال الرغبة في الاطمئنان نفسه بشدّة: هل فعلاً سنعود كما كنّا؟ هل سنطوي عسارة الانفصال وحدّة الانسحاب وقساوة الاتهامات؟ في الحقيقة ينبغي عليّ الاعتراف أيضاً بأنّني من قاطعت البعض فوراً، مسحتُ أسماءهنّ بتحدٍ واضح، لا أنكر شعوري حينها بالتخلّص من عبء التقبّل القسري غير القابل للتفاوض. بتّ بدافع الفضول وبدافع سؤال عاطفي (وين صاروا، شو صار معهن؟) أتلصّص على صفحات الصديقات اللاتي ألغيت صداقتهنَ. ثمّة عبارات تشبه عباراتي منذ عام وأكثر، عتبٌ لطيف وإحساس بالخسارة لأنّ الأصدقاء، وأنا منهم، قد ألغوا الصداقة. يبدو العتبُ شفيفاً لكنه غير موجّه بصورة مباشرة. لقد أدمناَ جميعا توجيه الرسائل المبُطّنة، وإن تمّت المواجهة نختبئ عبر جُملٍ بلا وزن، بلا جدوى، وربما فاقدةً للمعنى مثل: "أنت عزيزة رغم اختلاف الموقف"، "ستبقى المحبة بيننا وإن تغيرت مواقعنا"، "ليس لمثلي يقال ما تقولينه يا صديقتي"... وماذا نجني من التلصّص؟ ومن الواضح أنّ كلّنا يتلصّص على كلنا، فقط لنبعد شبح الخسارة واهمين/ات، أو لنزيح عن أنفسنا إثم البدء بالقطيعة. كلّنا يتلصّص على كلّنا، فقط لنبعد شبح الخسارة واهمين/ات، أو لنزيح عن أنفسنا إثم البدء بالقطيعة السيدة صاحبة الصوت المُرتجف من الانفعال، الواقفة على منصّةٍ في ساحة باب توما وأمامها حشد من السوريين والسوريات، لم تنجُ من الاتهامات المُنحطّة والتوصيفات المُقرفة التي سعت للطعن في كرامتها وفي نبل موقفها الذي أعلنته على الملأ لتثبت أصالة ما يجمعنا منذ الأزل كسوريين. لم تنجُ من الاستخفاف والاتهامات المُغرضة، لكن شيئاً لافتاً تسرّب من ردود الفعل التي طعنت بكرامتها وأهانتها، شيء أصيل وهو قاعدة لما سينبني عليه الخطاب الإنساني المُشترك لاحقاً، وهو أنّ الجميع قد صدّقها. ولأنّهم صدقوها، وهذا هو حجر الزاوية في إعادة تفكيك العلاقة الطارئة وإعادة تأصيلها، لم يشكّك أحدٌ في شهادتها بدليل أنّهم حاكموها على ما وراء تلك الشهادة وليس على الشهادة الواضحة كوضوح الشمس، على ما خمّنوه في عتمة قلوبهم وعقولهم، على الفخ الذي ظنّوا أنهم قد حشروها فيه فقط لأنّها كذبّت روايتهم المُقابلة، وهي انتفاء العيش المشترك وانتفاء التعاضد المشهود. لم يتم الانقضاض على الرواية الأصلية لأنّ لا أحد يستطيع نكرانها، انقضوا على السيدة كما هي العادة دوماً، لأنها سيدة أولاً والأخطر حسب وجهة نظرهم، هو أنّها مُحجّبة وسنية كما صرّحت وأوضحت باعتزاز وكان حضورها كاشفاً ولا يحتاج أيّ تصريح أو توضيح. لكن تلك المُباغتة الجميلة خربشت على معانٍ كثيرة، ربما يمكنني القول: إنّ تلك المُباغتة المُرتبطة بخصوصية الزمان والمكان وموضوع الوقفة الاحتجاجية قد غيّرت في السياق اللغوي للخطاب العام المتوتّر والمهزوز لمدّة تتجاوز الأسبوع الكامل، وهذا رغم بساطته ومحدوديته انزياح مهم، نحتاجه جميعاً وعلينا تظهيره ودعمه وتدعيمه. ما يحدث اليوم ليس موسماً مبشّراً، لكنه محاولة لاستعادة صلاحية حقل البذار المأمول  إنّ الاعتراف بانسداد الأفق، والتخبّط الواضح والعرج الحاد في السلوك العام للمطبّلين، أو المنتشين بنصر كنّا جميعاً ننتظره، لكنه خذلنا مرّتين، مرّة على جناح خطف البلد بصورة واضحة، وخاصة التضييق الصارم على الحرّيات الفردية إلى درجة الحرمان المُطلق، وتغييب حقوق السوريين والسوريات في الأمان والكرامة، ومرة بسبب خذلان الأصدقاء وشركاء الدرب، وهو الخذلان الأكثر مضاضةً. مع أنّي ألمح في الأفق بوادر واضحة للعودة نحو الجذور، إلا أنّ المُتغيّرات باتت اليوم أكبر من مواقف شخصية يمكن لجمها أو درء أذاها أو الترحيب بها. ما زال الشفاء مترقّباً لتغيّر جوهري في السياسة، وفي المواقف الفردية أيضاً. ما يحدث اليوم ليس موسمًا مبشّرًا، لكنه محاولة لاستعادة صلاحية حقل البذار المأمول.

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows