"جناية حب"... تجربة درامية طموحة تصطدم بحدودها
Arab
1 hour ago
share
من الصعب الإحاطة نقدياً بجميع جوانب المسلسل الكويتي "جناية حب" (إخراج سعيد الماروق)، الذي عرض خلال شهر رمضان، في مقالٍ صحافي واحد؛ إذ يتطلب تفكيك مادته البصرية وإعادة تركيبها مساحة أوسع، نظراً إلى تشابك عناصره وتعدد مهاراته الفنية المتخصصة. هذه العناصر سعت إلى ملاحقة القصد الأدبي لرواية بثينة العيسى "السندباد الأعمى" (2021) التي استُند إليها في كتابة السيناريو بقلم بلال فضل، فيما تولّت العيسى نفسها كتابة الحوار باللهجة الكويتية. في هذه العتبة، نحن أمام حالة انتقال واضحة من فن الرواية إلى الفن البصري، بصيغته المنصّاتية التي تختلف، شكلاً ووظيفة، عن الدراما التلفزيونية التقليدية. فرغم التعامل مع العمل بوصفه مسلسلاً (سبع حلقات)، نجده يقترب من بنية شبه سينمائية، إذ تقوم مسلسلات المنصات على تكثيف السرد البصري، وتفعيل عناصر السينوغرافيا، من أزياء ومكياج وتصميم شخصيات، بما يمنحها دوراً أكثر فاعلية مقارنة بالمسلسل التلفزيوني. هكذا يتحول الموسم المنصاتي إلى ما يشبه فيلماً طويلاً مقسّماً إلى حلقات، مع قابلية للفصل البنيوي حتى بين الحلقات نفسها. وهذا ما يعتمده "جناية حب"، إذ يُعاد الحدث الواحد من زوايا نظر متعددة، تُخصَّص لكل شخصية حلقة تروي فيها الحدث من منظورها الخاص. هذه التقنية تقارب السرد السينمائي، وتنطوي على مغامرة فنية واضحة. غير أن هذه المغامرة لا تكتمل تماماً؛ فالعمل لا يستقر بالكامل في منطقة السينما، ولا يرسو بوضوح ضمن منطق المواسم المنصاتية، بل يظل متأرجحاً بينهما وبين المسلسل التلفزيوني التقليدي. ومع أن هذه الحالة تستحق الإشادة بسبب جرأتها، تظل أيضاً موضع ملاحظة ونقد، إذ يطرح العمل، في مجمله، سؤالاً ملحّاً حول مصير الدراما التلفزيونية التي تبدو، أكثر فأكثر، فاقدةً أفقاً إبداعياً واضحاً. توازياً، وقبل الدخول إلى المحتوى، يفرض الاشتغال على تقنيات العمل نفسه حضوراً نقدياً، وفي مقدّمها تقنية الـ"فلاش باك" التي اعتمدها المسلسل. وهي أداة سردية حسّاسة، قد تتحول إلى عنصر إرباك يفقد العمل صدقيته إذا لم تُستخدم بحذر، خصوصاً حين تُسند إليها مهمة رواية أحداث لم يكن الراوي شاهداً مباشراً عليها. تتضح هذه الإشكالية في الحدث التأسيسي للدراما: جريمة قتل نواف (حسين المهدي) لزوجته نادية (هيا عبد السلام) بدافع الغيرة. فالمفارقة أن نادية نفسها، الضحية، تتولى سرد الواقعة، فيما تُستكمل التفاصيل عبر شهادات شخصيات أخرى قد لا تكون عاينت الحدث كاملاً، أو لم تُحط بتفاصيله الدقيقة. ويزداد هذا الالتباس مع استدعاء وقائع تعود إلى زمن الاجتياح العراقي، وهي بطبيعتها أحداث اتسمت بالسردية والتشظي، ما يجعل إعادة بنائها سردياً أكثر تعقيداً. بهذا المعنى، يتعرض التصميم السردي لثغرات واضحة، قد تدفع المشاهد إلى التوقف عندها متسائلاً ومشككاً، ولا سيما في ظل تعدد الأزمنة وتداخلها، والتنقل المستمر بين سنوات مختلفة تتطلب جهداً إضافياً لإعادة ربطها. هنا يصبح التلقي منقوصاً؛ إذ لا يُفترض بالمشاهد أن يعلّق متابعته ليعيد ترتيب الخط الزمني ويفكك التشظي السردي كي يفهم ما يُعرض أمامه، المفترض أساساً أن يقدَّم بوصفه تجربة مشاهدة ممتعة ومتماسكة. في هذا السياق، تبدو مسؤولية السيناريست والمخرج مضاعفة، بوصفهما "المشاهد الأول" أو "السوبر مشاهد" القادر على تقدير الحد الأدنى من الوضوح الضروري لتحقيق الفهم والمتعة معاً. ومن هذه الزاوية، تبدو أسلوبية الـ"فلاش باك" في "جناية حب" في حاجة إلى قدر أكبر من الضبط والروية، إن لم نقل إلى إعادة نظر أعمق في كيفية توظيفها ضمن البناء السردي كله. لا تستلزم الرواية مصادرة الخيال؛ فالقارئ يبني المكان والشخصيات وفق مرجعياته الخاصة، ويملأ فراغات السرد بما يتيحه له النص من احتمالات. في المقابل، يفرض السرد البصري محدداته: المكان والزمان وصور الشخصيات تُعرض جاهزة، والأحداث، خصوصاً تلك الخاضعة لاعتبارات رقابية، تُقدَّم بصيغة نهائية لا تترك للمشاهد هامشاً واسعاً لإعادة تخيّلها. هذا فارق تأسيسي في نقل الأدب إلى الشاشة. ومن هذه الزاوية، يمكن القول إن السرد البصري في "جناية حب" لم يتجاوز أفق الرواية التي انطلق منها، وهي ملاحظة ينبغي الالتفات إليها في التجارب المقبلة: المطلوب ليس ترجمة أمينة للأحداث، بل تفجير طاقتها درامياً عبر تشخيص بصري موازٍ للواقع. في العمل، تبدو هذه الطاقة خجولة ومترددة؛ لا تتخطى حدود النص الأدبي، ولا تغامر في اقتراح زوايا أو طبقات تتجاوز المألوف، أو تقترب من المناطق الملتبسة في النفس الإنسانية. الشخصيات، في معظمها، منضبطة ضمن منطق "الآداب العامة" للبيئة، حتى مع الإشارة الخافتة إلى أجواء أكثر انفتاحاً في جامعة الكويت. وهنا يبرز السؤال الحاسم: هل أضاف هذا الاشتغال البصري شيئاً إلى الرواية من حيث الجرأة أو الكشف؟ الإجابة، على الأرجح، سلبية. فالعمل شديد التهذيب رقابياً، ولا يقدّم إضافة إبداعية نوعية، بقدر ما يقدّم ترجمة تلفزيونية لحكاية مألوفة في المجتمعات العربية، تميّزها نكهتها المحلية لا أكثر. في المقابل، يقدّم العمل مكسبه الأوضح على مستوى الأداء التمثيلي. فالممثلون الكويتيون يظهرون هنا بقدر عالٍ من الاحترافية، يتجاوز ما اعتدناه في كثير من الإنتاجات التلفزيونية، منذ زمن "خالتي قماشة" وما تلاه من تجارب تجمع بين الطرافة والموهبة. في "جناية حب"، نحن أمام أداء واعٍ بحدود الشخصية المكتوبة، وقادر في الوقت نفسه على الإيحاء بما وراءها من خلفيات اجتماعية وأسرية. يعقوب عبد الله، وهيا عبد السلام، وحسين المهدي، وصمود المؤمن، وسواهم، أدّوا أدوارهم بمهارة وتنافسية إيجابية، تُشبه تبادل الكرات في مباراة كرة طاولة متقنة الإيقاع، ما يعزّز الثقة بقدرتهم على حمل أعمال أكثر تعقيداً. في المحصلة، نحن أمام عمل يستعيد، على مستوى الحكاية والإخراج، أصداء من سينما السبعينيات المصرية، بتلك الرومانسية التي تقوم على قصة حب اجتماعية يخرقها حدث ملتبس يقوّض العلاقة، ويكشف البنية القيمية للشخصيات. هذه القيم، التي تبدو متقادمة، تظل فاعلة في الأعماق، وتتحول إلى عبء لا تستطيع الشخصيات الفكاك منه، رغم ادعاء رفضها. يتجلى ذلك بوضوح في شخصية نواف في المشهد الأخير، إذ يبدو عاجزاً عن الشفاء، متصالحاً، على نحو مقلق، مع الأذى الذي ارتكبه. أما الإخراج، فيبقى تقليدياً إلى حد بعيد، رغم محاولة إدخال مقاربات سينمائية إلى بنية المسلسل التلفزيوني. اللقطات تميل إلى التكرار والإطالة، والعناية بالسينوغرافيا، بوصفها عنصراً حاسماً في الدراما المنصاتية، جاءت محدودة وغير مستثمرة بما يكفي. ومع ذلك، تُحسب للعمل جرأته في محاولة المزاوجة بين لغتين: مقاربة الرواية بصرياً، ومقاربة الدراما المنصاتية تلفزيونياً، بما يسمح بمشاهدته ضمن النمطين معاً. تبقى، مع ذلك، تقنية الفلاش باك موضع مساءلة جدية، في انتظار ما قد يحمله موسم ثانٍ من مراجعات أو تطوير.

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows