Arab
افتتحت مؤسسة مهرجانات برلين نسخة العام الحالي من مهرجان مارس الموسيقي (Maerzmusik) جنوب العاصمة الألمانية، بعرضٍ مهيبٍ لمقطوعة المؤلّف النمساوي الحداثي غيورغ فريدريش هاس (Georg Friedrich Haas)، البالغ من العمر 72 عاماً، والمعنونة "أحد عشر ألف وتر"، وذلك على أرض مجمّع ماهالا (MaHalla)، وهي منشأة صناعية عملاقة تعود إلى أواخر القرن التاسع عشر، أُعيد توظيف مساحاتها الواسعة لتمسي صالاتٍ ومختبراتٍ واستوديوهاتٍ تستقبل الفعاليات الفنّية الموسيقية والتشكيلية ذات الطابع المفاهيمي والتجريبي.
تعتمد مقطوعة هاس تشكيلاً فراغياً أشبه بصرح فنٍ تركيبيّ (Installation)، يتألّف من خمسين آلة بيانو تُوزّع على محيط دائرة تُحيط بالمساحة المخصصة للاستماع، تُوجَّه ألواح مفاتيحها نحو المركز حيث يجلس الحضور. كما تتخلّل كلَّ عددٍ من البيانوهات آلةٌ، أو مجموعة آلات، من فرقةٍ موسيقية تتنوّع بين وتريةٍ ونفخيةٍ وإيقاعية.
وقد تطلّب إحياء عرضٍ على هذه الدرجة من الضخامة، عدداً وعتاداً، عمليةً لوجستيةً معقّدة من جهة، ومن جهة أخرى ابتكارَ حلولٍ تكنولوجيةٍ لتسهيل مهمة قيادة العازفين؛ من بينها بثّ المقياس الإيقاعي الناظم، الصادر عن المايسترو الزمبابوي، فيمباي كازيبوني، إلى أجهزةٍ لوحية وُزّعت على أعضاء الفرقة الفييناوية "كلانغ فوروم فيين". أمّا تحديد مقاطع العزف والسكوت لكلٍّ منهم، فقد نُسّق عبر تطبيق مؤقّتٍ زمنيّ مُحمَّل على هواتفهم.
وكذلك المُخرَج الصوتي الذي تناهى على شكل دويٍّ شبه مستمر امتد لساعةٍ ونصفٍ في أرجاء المُنشأة الصناعية، ذات الجدران العارية والسقوف العالية، لم يكن بدوره أقلّ تركيباً وتعقيداً في التأليف الموسيقي. فبغرض إحداث دفوقٍ نغميّةٍ عارمةٍ هدّارةٍ تعمّ المكان وتكاد تصمّ الآذان في بعض الأحيان، أجرى المؤلّف تعديلاً طفيفاً على دوزان كلٍّ من آلات البيانو.
تلك الفروقات الصُغرى (Microtones) الناتجة عن استبدال نهجٍ تجريبيٍّ لامعياريٍّ بعُرف الضبط الموحّد للرنين، جعلت الأصوات الصادرة، عند العزف معاً، تتداخل وتتراكب من دون أن تتطابق أو تتخامد، لتتعاظم، مُحوِّلةً الاستماع إلى تجربةٍ صوتيّةٍ-مساحيّةٍ مُثيرةٍ للمخيّلة وللجملة العصبية في آنٍ معاً.
لذا، فإن مقطوعة هاس تبدو بمثابة عملٍ أدائيٍّ شبه جماهيريّ، مُكلِفٍ ومُخصَّصٍ للفعاليات الثقافية الكبرى، يُقارب السماع من إطارٍ خِبرويٍّ مُتعلّقٍ بالتأثير النفسي والجسدي على الحضور، لا من منظورٍ تعبيريٍّ يرتبط بإيصال العواطف والأفكار من المبدع إلى المستمع.
إلّا أنّ الأثر النفسي المترتّب على التفاعل الخِبرويّ الحيّ مع المقطوعة الأدائيّة قد يبلغ حدّاً يُحدِث استجاباتٍ رضّيةً، خصوصاً إن ساء حظّ المستمع بأن أتى من أحد بلدان الشرق الأوسط. فالأصوات الصادرة عن الأوتار الأحد عشر ألفاً، حين تعزف معاً، تستدعي إلى المخيّلة السمعيّة صوتاً يقترن، إلى حدٍّ كبير، بالطائرات المُسيّرة، التي أمست آلةً أساسيةً من آلات الحرب المعاصرة وسلاحاً مدمّراً يتصدّر النزاعات الدائرة حالياً في شرق أوروبا، كما في الاعتداءات العسكرية الأميركية الإسرائيلية بالمنطقة. إذ تجوب أسراب المُسيّرات الأجواء ليلاً ونهاراً فوق أوكرانيا وإيران ولبنان ودول الخليج العربي، تتربّص بالحجر والبشر، وتُصيب أهدافها بصواريخ موجّهة، تزداد فتكاً وإرهاباً بقدر ما تزداد إصاباتها دقّة.
خلافاً للطيف شديد التركيب الناتج عن الفروقات الصغرى في دوزان آلات البيانو الخمسين، فإن البصمة الصوتية للطائرة من دون طيّار مُسطّحةٌ رتيبةٌ وأحاديةُ النغمة. ومع ذلك، ثمّة عاملان قد جعلا من الدويّ الذي انتشر في "ماهالا" أثناء العرض الافتتاحي يستحضر الرعب المقترن بأصوات المُسيّرات.
العامل الأوّل أينيٌّ، مُرتبطٌ بالتوزيع المُحيطي (Surround)، إذ يُحجب مصدر الصوت عن المتلقّي، لذوبانه في دفوقٍ فاقت مدياتها وقوّة انبعاثها قدرة الأذن على رصد أيّ إحداثيّةٍ تربطها بإحدى الآلات الماثلة في القاعة، أكانت أمام مرأى الجمهور أم موضوعةً من ورائه.
يُشابه أثرُ التوزيع المُحيطي للصوت عجزَ من هم على الأرض، خلال الهجوم، عن تحديد موقع المُسيَّرة المُحلِّقة عالياً في السماء، على الرغم من سماع أزيزها في الأجواء. أمّا العامل الثاني فكمّيٌّ، إذ تؤدّي الكثافة اللونية الصادرة عن عشرات الآلات المصفوفة على محيط الدائرة المُحيطة بالجمهور إلى أن يستأثر الصوت بفضاء المكان، فيسدّ كلَّ ثغرةِ صمتٍ فيه، ويستدعي، خلال الاستماع المتأهّب، ديستوبيا قاتمة من وحي الحروب القادمة، حيث السماء تعجّ بآلاف المُسيّرات من مختلف الأشكال والأحجام والمهمات الأمنية والحربية.
وبين الحين والآخر، يُباغت عازف الإيقاع الآذان بقرعه طبلاً كبيرَ الحجم بقوّةٍ شديدة، فتنقز الأبدان كما لو تهيّأ لها أنّ انفجاراً قد وقع جرّاء سقوط صاروخ.
معظم المراجعات النقدية التي سلّطت الضوء على مقطوعة هاس "11000 وتر" منذ عرضها الأوّل في خريف عام 2023، لم تستقرئ صلاتٍ تأويليّةً تربطها بثيمة الحرب، وإنّما توقّفت عند حدود توصيفها بوصفها موسيقى سيكو-صوتيّة ذات كمونٍ حسّي شديد الإثارة والوطأة على المستمع، واعتمادها مقاربةً تجريبيّةً تقوم على الدفق النغمي الكثيف وتهيئة البيئة السمعيّة لتفاعلٍ حيٍّ بين الصوت والمكان والإنسان.
إلّا أنّه، في المقابل، فقد بدا من الصعب اختبار العمل خارج سياق الحقبة التاريخيّة المفصليّة التي أُبدع فيها، وبالتالي تجنّب إسقاط مناخه المتلبّد على عالمٍ مضطربٍ شهد، خلال ثلاثة أعوام، حروباً إقليميّةً كبرى ونزاعاتٍ دمويّةً متفرّقة، في أوكرانيا وفلسطين وفي الخليج العربي، خصوصاً أنّ الموسيقى الكلاسيكيّة الغربيّة كثيراً ما أبدت حساسيّةً إبداعيّةً وفكريّةً إزاء الحروب، عبر تجسيدها بأصوات الآلات الموسيقيّة، سواءً بصورةٍ مباشرةٍ أو رمزيّة. ففي القرن التاسع عشر، كتب لودفيغ فان بيتهوفن مقطوعته المسمّاة "نصر ويلنغتون"، تخليداً للمعركة الحاسمة التي هُزم فيها جيش نابليون، إذ وُظِّفت الآلات الإيقاعيّة في إعادة إنتاج أصوات المدافع والبنادق.
وفي حقبة الحرب الباردة، أدخل عددٌ من الحداثيّين الطليعيّين أصداء التوتّر الجيوسياسي إلى موسيقاهم. ففي مقطوعته "أناشيد" (Hymnen)، عام 1966، حوّل كارلهاينتس شتوكهاوزن تسجيلات الأناشيد الوطنيّة إلى مادّةٍ صوتيّةٍ بدت، في بعض مقاطعها، صفّارات إنذار، في سياق بثّ رسائل سياسيّة مناهضة لمؤسّسات القوّة.
أمّا المؤلّف الأميركي جورج كرمب، فقد دمغ مقطوعته المعنونة "الملائكة السوداء" (Black Angels)، سنة 1970، بمقطعٍ افتتاحيٍّ رهيب، إذ جعل آلات الكمان تزعق فتُحاكي خفقان المروحيّات الأميركيّة وهي تدكّ الأدغال المأهولة خلال حرب فييتنام.

Related News
شهر من الحرب على إيران... ترامب يغرق في أزمته
alaraby ALjadeed
12 minutes ago