Arab
يمثل المرض حدثاً مركزياً في العرض المسرحي "أداجيو.. اللحن الأخير" الذي يقدّم على خشبة مسرح الغد في القاهرة حتى نهاية إبريل/ نيسان، ويصبح محركاً درامياً، يدفع الشخصيات إلى مواجهة ذواتها، واستعادة ذكرياتها، والتشبث بما تبقى من لحظات مشتركة. عملٌ من إعداد وإخراج السعيد منسي، الذي اختار أن يتعامل مع النص الأصلي للكاتب المصري إبراهيم عبد المجيد بوصفه مرجعاً يُعاد تشكيله وفق شروط العرض المسرحي.
الإسكندرية تحضر في معظم أعمال عبد المجيد بحثاً في آثار التحولات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية في المكان، بدءاً من "لا أحد ينام في الإسكندرية" و"طيور العنبر"، وصولاً إلى "أداجيو" (الدار المصرية اللبنانية 2014)، التي اقتبست منها المسرحية، إذ يواصل الكاتب تفكيك صورة المدينة، كاشفاً عن طبقاتها المتراكمة، وما يعتريها من تآكل أو تشوّه.
في الرواية، تتوزع الأحداث بين مدن عدة، من القاهرة والإسكندرية وطنجة، إلى باريس وفيينا ولا روشيل الفرنسية. غير أن الإسكندرية تظل المركز الشعوري الذي تعود إليه الخيوط كلها، إذ ترصد الرواية التحولات العمرانية، مثل تراجع البنايات التراثية لصالح كتل إسمنتية مكتظة، وتدهور مناطق مثل العجمي تحت ضغط الإهمال والمياه الجوفية، وتطرح أيضاً نظرة نقدية للأوضاع المعيشية والنظام، من خلال مصائر شخصياتها. هذا البعد النقدي، إلى جانب الحس الإنساني العميق، يمنح الرواية طابعاً مزدوجاً، فهي شهادة على زمن، وتأمل في معنى الفقد والتحول.
يصبح المرض محركاً درامياً، يدفع الشخصيات إلى مواجهة ذواتها
منذ اللحظة الأولى، يتضح أن المسرحية لا تسعى إلى استعادة كل هذه الخطوط السردية، إذ يتم التركيز على خيط بعينه، والمتمثل في العلاقة بين سامر وزوجته ريم، وما يحيط بها من مشاعر الألم والخوف والترقب. هنا، ينزاح العرض عن البعد النقدي الاجتماعي الذي شكّل أحد محاور الرواية، ليغوص أكثر في البعد الإنساني والوجداني.
تجري أحداث العرض في فضاء شبه مغلق؛ فيلا في الإسكندرية تبدأ منها الحكاية وتنتهي إليها. هذا الاختيار المكاني يخلق إحساساً بالحصار، يتناسب مع الحالة النفسية للشخصيات، خاصة سامر، الذي يبدو أسير ذكرياته وخوفه من فقد زوجته. الحوار، في كثير من الأحيان، يتأرجح بين الغضب والحزن، بينما تتخلله مونولوغات داخلية تكشف عن هشاشة الشخصية وتوترها. بهذا المعنى، يتحول المكان إلى مرآة للحالة النفسية، أكثر منه إطاراً للأحداث.
اللافت في المسرحية هو اعتمادها الواضح على الموسيقى والغناء بوصفهما عنصرين بنيويين في العرض، فتأتي الأغاني امتداداً للحالة الدرامية، أو وسيلة للتعبير عما تعجز عنه الكلمات. هذا التوظيف يمنح العرض إيقاعاً خاصاً، يقترب من فكرة "الأداجيو" بوصفها معزوفة بطيئة، تتصاعد تدريجياً، وتمنح المتلقي فرصة للتأمل. الموسيقى التي وضعها رفيق جمال، إلى جانب الأشعار التي كتبها حامد السحرتي، تساهم في بناء هذا المناخ، حيث تتداخل الأصوات مع المشاهد، لتشكّل نسيجاً سمعياً وبصرياً متكاملاً.
يطرح هذا العرض سؤالاً أوسع يتعلق بحدود العلاقة بين الأدب والمسرح، خاصة في سياق ما يُعرف بمسرحة الرواية. فالنص الروائي، بطبيعته، يقوم على التعدد والتشعب وحرية الانتقال بين الأزمنة والأمكنة، بينما يفرض المسرح اقتصاداً في السرد وتركيزاً على لحظة درامية محددة. في عرض أداجيو، يبدو هذا التحول واضحاً، إذ يجري اختزال المساحات الواسعة للرواية لصالح تكثيف التجربة في موقف إنساني واحد. هذا لا يعني بالضرورة فقدان العمق، بقدر ما يعكس إعادة توزيع له، حيث تنتقل بعض الدلالات من السرد إلى الأداء، ومن الوصف إلى الإيقاع البصري والموسيقي.
اختيار السعيد منسي التركيز على البعد العاطفي في رواية "أداجيو" جاء على حساب بعض التعقيد الذي ميّز الرواية الأصلية، فالمسرحية، في انشغالها بقصة الحب والمرض، تغض الطرف إلى حد كبير عن التحولات الاجتماعية والعمرانية التي كانت حاضرة بقوة في النص الروائي، وهذا الاختزال قد يكون مفهوماً من منظور مسرحي، يفرض تكثيف الأحداث.
وتلعب العناصر التقنية دوراً حاسماً في تشكيل التجربة البصرية، حيث يقدّم تصميم الديكور فضاءً قابلاً للتحول، يعكس في الوقت نفسه ثبات المكان وتبدل الحالة النفسية، بينما تلعب الإضاءة دوراً محورياً في تحديد الإيقاع، والانتقال بين اللحظات، وتكثيف الإحساس بالزمن. كذلك يساهم "الفيديو مابينغ" في إضافة بعد بصري، يفتح المجال أمام استحضار الذاكرة أو الإيحاء بأماكن أخرى، دون مغادرة الفضاء الأساسي.

Related News
ترمب: إيران تسعى للتفاوض وأميركا أعادت رسم موازين القوة
aawsat
11 minutes ago
سعر الدولار اليوم في مصر السبت 28 مارس 2026.. الجنيه مستقر
al-ain
12 minutes ago