Arab
زداد المؤشرات في الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، بعد حوالي شهر على بدئها، إلى أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب قد يُصدر الأمر قريباً لتنفيذ عملية برّية في إيران، وذلك مع استمرار حالة المراوحة في الحرب عسكرياً وسياسياً، والفجوة الواسعة بين مطالب الطرفين، وقرب نفاد بنك الأهداف العسكرية والصناعية التي وضعتها وزارة الحرب الأميركية (بنتاغون)، في وقت يُدرك فيه ترامب المخاطر المترتبة على إمكانية استهداف محطات الطاقة الإيرانية، ما ينذر بتوسع رقعة الصراع أكثر. تتزايد أيضاً احتمالات إطالة الحرب وجعلها "متواصلة" لأكثر من الأسابيع الستة التي وضعها الرئيس الأميركي بدايةً حدّاً أقصى، مع سيناريوهات تتحدث عن احتلال طويل الأمد، وحرب استنزاف قد تأخذ المنطقة إلى مرحلة عالية من الخطورة. ويعزو مراقبون احتمال ذهاب الولايات المتحدة إلى مغامرة برّية جديدة في الخارج لاستمرار افتقاد إدارة ترامب خطة خروج من الحرب تحقّق أهداف ترامب الأساسية من فتح المعركة مع إيران، وعلى رأسها الاستيلاء على نفط هذا البلد من وجهة نظر أميركية، وتغيير النظام في إيران بوصفه طموحاً إسرائيلياً. ورغم تعالي الأصوات الرافضة للحرب في الداخل الأميركي، خصوصاً من قبل الديمقراطيين، فإن بطء التحرك، وسط تحضر الكونغرس لاستراحة أسبوعين، قد يمنح ترامب الفرصة لتنفيذ ما يصفه الإعلام بـ"الضربة القاضية" لإيران، والتي تقوم على إنزال قوات على الأرض، ربما في الجزر الاستراتيجية، بالتوازي مع شنّ حملة القصف الأعنف، بهدف الدفع إلى انهيار النظام أو إعلان النصر.
يتعمد ترامب التقليل من الحديث عن النفط الإيراني، ورغبته في الاستيلاء عليه
دونالد ترامب عالقٌ مثل نيكسون
ولا يزال دونالد ترامب يتخبط في إيجاد استراتيجية خروج "مُشرّف" من الحرب، وفق تعبير كينيث روث، المدير التنفيذي السابق لمنظمة هيومن رايتس ووتش، بمقال رأي كتبه في صحيفة "ذا غارديان" البريطانية الثلاثاء الماضي، شبّه فيه ترامب بالرئيس الأسبق ريتشارد نيكسون، الذي علق في مستنقع فيتنام، فقط لأنه لم يجد خطة خروج تحفظ له ماء الوجه، ما جعله يوسّع الحرب إلى كمبوديا ولاوس، مع فقدان أرواح 20 ألف جندي أميركي.
ويعود فشل دونالد ترامب إلى فشله الأولي في إقناع الرأي العام بأهداف الحرب، وعدم قدرته على التعبير عنها بوضوح، وصياغتها بشكل مقنع. إذ بينما يتعمد التقليل من الحديث عن النفط، ورغبته في الاستيلاء عليه بعدما أصبحت الولايات المتحدة أخيراً تتحكم بنفط فنزويلا، لبناء سردية أكثر جذباً للحرب، فإن أياً من أهداف الحرب الأخرى التي يرددها أمام الجمهور لا تبدو مقبولة لفهم ماهية الخطر الداهم، خصوصاً أن الضربات الأميركية التي وجّهها الجيش الأميركي الصيف الماضي للمواقع النووية الإيرانية يفترض أنها أضعفت كثيراً الصناعة النووية في إيران. أما الأهداف الأخرى، فلا تزال توحي بحربٍ "خرافية"، مبنية أميركياً على الأيديولوجيا والأوهام، وتحمل مدلولات دينية، فضلاً عن الرفض الأميركي للدفع عسكرياً مرة أخرى من أجل تغيير نظام أي دولة.
ويقف الرئيس الأميركي دونالد ترامب اليوم أمام مفترق حاسم لاتخاذ القرار بشأن كيفية إنهاء الحرب، وهو ما قد يجعله يخاطر بإطالتها، لا سيما أن لغة التفاوض بين الطرفين مشحونة، ومصحوبة بتهديدات أميركية مرتفعة السقف، يقابلها توعد إيراني بتوسيع رقعة المعركة وتجنيد مئات الآلاف من القوات لمواجهة أي قوات غازية. وحتى مع بقاء مسار التفاوض قائماً رغم ما ترى فيه طهران شروطاً أميركية للاستسلام، فإن فرضية "الضربة القاضية" تظلّ حاضرة في الذهن الإسرائيلي والأميركي، على أمل تحقيق نصر حاسم في الدقائق الأخيرة، على شاكلة انفراط النظام، فضلاً عن إغراءات الحرب التي تجرّ نفسها، وشهية ترامب للاستيلاء على أعلى نسبة ممكنة من النفط العالمي، وتأمين فوز أصبح مهدّداً للجمهوريين في الكونغرس بانتخابات الخريف المقبل.
وتُجمع معظم القراءات على أن ترامب يفتقد حتى الآن إلى خطة خروج واضحة من حرب إيران، معتبرة أن خيار العمليات البرّية سيكون كارثياً. وتحت عنوان "العدّ العسكري للعملية البرّية"، كتبت مجلة "ذا أتلانتك"، أول من أمس الخميس، أن ما يجري حالياً بعد إعلان ترامب التفاوض "ليس تفاوضاً، بل عدّ عكسي"، لافتة إلى أن توقيت الإعلان أيضاً عن إرسال آلاف العناصر الإضافية من القوات الأميركية للمنطقة ليس مصادفة، خصوصاً أن الفجوة بين الطرفين في عملية التفاوض تجعل انهيار هذا المسار مرجّحاً، لا سيما أن إطار العمل الذي تعرضه واشنطن هو استسلام إيران. ورأت المجلة أن الحرب لم تجعل النظام الإيراني أكثر اعتدالاً، بل أكثر تشدّداً، فيما حلفاء واشنطن الخليجيون يضغطون لإنهاء الحرب ليس بمجرد "وقف للنار"، بل بحلّ يعالج دفعة واحدة كلّ المخاطر الناجمة عن إيران، وهو ما تريده إسرائيل أيضاً.
أما ترامب، وفق المجلة، فـ"يريد أن يتجنب حرباً فوضوية، طويلة، تؤدي إلى ارتفاع دائم لأسعار النفط، وانكماش اقتصادي محتمل، وهو وضع يرجح أن ينجم عن أي عملية برّية، لكن الرئيس يعتقد أن إقحام القوات البرّية سيؤدي عوضاً عن ذلك إلى الضربة القاضية، التي إما أن تجبر طهران على القبول بشروطه، أو تجعل الولايات المتحدة قادرة على إعلان نصر ذي مصداقية". ويجري هنا الحديث عن ثلاث سيناريوهات للقوات البريّة، إما إنزال في أصفهان للاستيلاء على اليورانيوم المخصب، أو احتلال جزيرة خارج، أو السيطرة على الساحل الإيراني، لرفع الحصار عن مضيق هرمز.
يطرح الديمقراطيون مشروع قانون جديد لتقييد الرئيس
ولم يتخذ ترامب بعد قراره بشأن أيّ من هذه السيناريوهات، لكن التحضيرات لها جارية على قدم وساق، وتبقى أكثر جاذبية له ولفريقه الأمني والوزاري، ولبعض الجمهوريين، ولإسرائيل، من وقف الحرب اليوم.
يقابل هذا التخبط، تخبط آخر لدى الديمقراطيين، المتحمسين لتمرير مشروع قانون جديد في مجلس النواب يمنع دونالد ترامب من الدخول بمغامرة برّية، لكنهم يتباطأون في الدعوة لجلسة تصويت، فيما الكونغرس يتحضّر لاستراحة خلال عيد الفصح. ودبّ الرعب لدى الجمهوريين أيضاً لافتقاد ترامب خطة الخروج. وقالت النائبة الجمهورية نانسي مايس، أمس الجمعة، إن "القوات الأميركية يجب أن تعود فوراً إلى الديار"، مضيفة في حديث تلفزيوني أن الضربات أضعفت القدرات العسكرية الإيرانية، وأنه ينبغي على ترامب "إعلان النصر بدلاً من السماح بأن تصبح الحرب أبدية". واعتبر السيناتور الديمقراطي ريتشارد بلومنتال أن الأميركيين "يجب أن يكونوا الآن خائفين وفي حالة صدمة" من إمكانية إرسال قوات برّية إلى إيران.
وتنضم النائبة مايس إلى عدد من النواب الجمهوريين الذين أصبحوا متحمسين للتصويت على مشروع قانون يمنع إرسال قوات برّية لإيران، بعدما امتنعت في السابق عن التصويت لصالح قرار يحدّ من صلاحيات ترامب لإعلان الحرب. وبحسب ما يرشح عن الكونغرس، فإن نواباً ديمقراطيين أيضاً عارضوا تقييد صلاحيات الرئيس في السابق، أصبحوا موافقين على ذلك اليوم. وطرح المشروع الجديد النائب الديمقراطي غريغوري ميكس، ولكن من المستعبد أن يتمّ طرحه في مجلس النواب قبل العطلة في أواخر الأسبوع المقبل.

Related News
الحرب تمتد إلى المفاعلات والمصانع
aawsat
1 hour ago