Arab
يشهد قطاع غزة محاولات ومساعي مكثفة تبذلها العشائر والعائلات الفلسطينية بالاشتراك مع الأجهزة الأمنية وفصائل المقاومة الفلسطينية لتفكيك حالة المليشيات في غزة التي شكلها الاحتلال الإسرائيلي، والتي تعمل فيما بات يعرف بـ"المنطقة الصفراء". وتوجد في القطاع خمس مليشيات، من أشهرها مليشيا ياسر أبو شباب الذي قُتل في 4 ديسمبر/كانون الأول الماضي وتسلّمها من بعده غسان الدهيني، ومليشيا في بيت لاهيا شمالاً يقودها أشرف المنسي، وثالثة بقيادة رامي حلس شرق غزة، بالإضافة إلى مليشيا شوقي أبو نصيرة شرقي دير البلح والمنطقة الوسطى، ومليشيا خامسة يقودها حسام الأسطل في المناطق الشرقية من خانيونس جنوبي القطاع.
المليشيات في غزة ذراع للاحتلال
وعلى مدار حرب الإبادة على القطاع (بين أكتوبر/تشرين الأول 2023 وأكتوبر 2025) شكّلت المليشيات في غزة ذراعاً ميدانية للاحتلال من خلال إعاقة وصول المساعدات وتنفيذ عمليات نهب لها، فضلاً عن أدوار أمنية متعلقة بتفتيش الأنفاق أو ملاحقة المقاومين، وتجاوز ذلك أخيراً لتنفيذ عمليات اغتيال. وسبق أن نفذت المليشيات في غزة عمليات خاصة تمثلت في اختطاف فلسطينيين مثلما حصل مع الطبيب مروان الهمص مدير عام المستشفيات الميدانية في وزارة الصحة وابنته الممرضة تسنيم التي تم الإفراج عنها لاحقاً بعدما قامت هذه المجموعات بتسليمهما للاحتلال.
ومنذ الوصول إلى اتفاق وقف إطلاق النار في العاشر من أكتوبر 2025، بدأت الأجهزة الأمنية في سلسلة من الخطوات والإجراءات تستهدف معالجة هذه الحالة وتفكيكها من خلال فتح "باب التوبة" عدة مرات. وعلى الرغم من عدم الإعلان عن أعداد الأشخاص الذين قاموا بتسليم أنفسهم، إلا أن إعلانات متكررة صدرت عن منصات أمنية مقربة من حركة حماس والمقاومة، كانت تشير إلى قيام أفراد من أعضاء هذه المليشيات في غزة بتسليم أنفسهم.
وفي الفترة الأخيرة عمدت العشائر الفلسطينية إلى لعب دور وسيط بين الراغبين في تسليم أنفسهم وبين الأجهزة الأمنية، من خلال توفير الغطاء للراغبين في حل ملفاتهم مقابل الحصول على عفو، لا سيما من الأشخاص غير المتورطين في ملفات قتل. وقبل أيام أعلنت "قوة رادع" المحسوبة على المقاومة الفلسطينية تمكنها "بالتعاون مع الأجهزة الأمنية والعشائر والعائلات من توجيه ضربة أمنية للعصابات العميلة، أثمرت عن تسليم عدد من عناصرها أنفسهم". وفي بيان نشرته القوة في 21 مارس/آذار الحالي، قالت إن "الخناق يضيق يوماً بعد يوم، والفرصة المتاحة حالياً لتسليم الأنفس لن تظل قائمة طويلاً أمام ضربات أبطالنا الميدانية والأمنية؛ فالملاحقة مستمرة، وليس أمامهم سوى العودة الطوعية لأحضان الشعب، أو مواجهة المصير المحتوم الذي ينتظر كل خائن وعميل".
حسن أبو عيادة: العشائر تلعب دوراً مهماً في مواجهة هذه الحالة، من خلال كشف هؤلاء العناصر والضغط عليهم، ما أدى إلى تسليم عدد منهم أنفسهم
وقال عضو التجمع الوطني للعشائر والقبائل الشيخ حسن أبو عيادة، لـ"العربي الجديد"، إن العشائر الفلسطينية تلعب دوراً مهماً في مواجهة هذه الحالة، من خلال كشف هؤلاء العناصر والضغط عليهم، ما أدى إلى تسليم عدد منهم أنفسهم، سواء للعائلات في ضمانة اجتماعية أو للجهات المختصة، حيث جرت تسوية أوضاعهم، خصوصاً في الحالات التي لا تتعلق بجرائم دم. وأضاف أن الأعداد التي سلّمت نفسها "جيدة ومبشرة"، مع التحفظ على ذكر تفاصيلها، مبيناً أن العمل مستمر ومتواصل من أجل إنهاء هذه الحالة بشكل كامل وتفكيكها باعتبارها لا تليق بالشعب الفلسطيني.
وشدد على أن العشائر والعائلات متوافقة على عدم التستر على أي شخص يخرج عن الصف الوطني أو يتورط في التعاون مع الاحتلال، مؤكداً أن "التاريخ أثبت أن مصير العملاء دائماً إلى زوال، كما حدث في تجارب سابقة". وبيّن أن المليشيات في غزة أدت دوراً خلال الحرب تمثل في تنفيذ عمليات سلب ونهب للمساعدات التي كانت تصل للفلسطينيين، إضافة إلى كون أعداد كبيرة من عناصرها هم بالأساس ممن عليهم قضايا وكانوا سجناء لدى الأجهزة الأمنية قبل الحرب.
ووفقاً لعضو التجمع الوطني للعشائر والقبائل، فإن الاحتلال وفّر لهؤلاء بيئة آمنة وممرات للتحرك، ما جعلهم يؤدون أدواراً تخدم أهدافه، من خلال سرقة المساعدات ومنع وصولها إلى مستحقيها، وملاحقة العائلات، بل والانخراط في أعمال تستهدف المقاومين. وأشار إلى أن هذه المجموعات أصبحت تقوم عملياً بدور بديل عن الاحتلال في فرض الحصار على السكان، وهو ما يتطلب حالياً العمل على تفكيك هذه الحالة وضمان تحقيق السلم المجتمعي.
نجاح في الحد من انتشار المليشيات
وخلال الشهر الأخير أعلنت الأجهزة الأمنية و"قوة رادع" تنفيذ عدة كمائن في القطاع طاولت المليشيات المتعاونة مع الاحتلال الإسرائيلي والتي أسفرت عن مقتل عدد وإصابة آخر واعتقال أعداد أخرى منهم.
إسلام شهوان: تسريبات تفيد بتراجع الغطاء الأمني المقدم للمليشيات، ما ظهر في شكاوى صدرت عن بعض قادتها بشأن ضعف الحماية
وقال المختص والباحث في الشأن الأمني إسلام شهوان إن الحكم النهائي على تفكيك حالة المليشيات لا يزال مبكراً، نظراً لاستمرارها وتفاعلها في المشهدين الأمني والاجتماعي، إلا أن التقييم الأولي يُظهر نجاحاً واضحاً في الحد من انتشارها. وأضاف شهوان لـ"العربي الجديد" أن هذا التراجع يعود إلى تكامل الجهدين الأمني والمجتمعي، إذ لعبت الأجهزة الأمنية، إلى جانب الوجهاء والأعيان والعائلات، دوراً محورياً في تحصين الجبهة الداخلية.
ولفت إلى أن الأداء الأمني والمجتمعي المشترك أسهم في إرباك هذه المجموعات وإفشال مخططاتها، على الرغم من محاولاتها الظهور بمظهر القوة من خلال تحركات استعراضية أو بيانات إعلامية، معتبراً أن هذه المحاولات لا تعكس واقعاً فعلياً بقدر ما تشير إلى حالة تخبّط وانحسار. وأشار إلى أن انشغال الإقليم بتطورات أوسع، في ظل التوترات الإقليمية، انعكس أيضاً على مستوى الدعم الذي كانت تتلقاه هذه المجموعات، لافتاً إلى تسريبات تفيد بتراجع الغطاء الأمني المقدم لها، وهو ما ظهر في شكاوى صدرت عن بعض قادتها بشأن ضعف الحماية. وبيّن شهوان أن هذه المجموعات لم تصل إلى مستوى التنظيم أو التأثير الذي شهدته تجارب سابقة في المنطقة، ما أدى إلى تآكل دورها تدريجياً، مضيفاً أن ما تقوم به يقتصر في معظمه على "أعمال محدودة، كعمليات الاغتيال أو الخطف"، من دون القدرة على فرض واقع أمني مستدام.
وسبق أن نفذت هذه المليشيات المتعاونة مع الاحتلال عمليات اغتيال لكوادر في المقاومة الفلسطينية والأجهزة الأمنية كما حصل مع الضابط في الأمن الداخلي أحمد زمزم قبل بضعة أشهر وسط القطاع.
من جهته، قال أستاذ العلوم السياسية في جامعة الأمة بغزة حسام الدجني، لـ"العربي الجديد"، إن تجارب الاحتلال في توظيف المليشيات المتعاونة معه ليست جديدة، بل تمتد عبر عقود، مشيراً إلى أن هذه التجارب تثبت أن الاحتلال لا يوفر حماية حقيقية لهذه الفئات على المدى البعيد. وأضاف الدجني أن "التاريخ لم يسجل أن الاحتلال احتضن هذه المجموعات بشكل فعلي، بل على العكس، غالباً ما يتعامل مع من سمح لهم بالبقاء داخل أراضيه بوصفهم مواطنين منبوذين، محرومين من أبسط الحقوق".
ولفت إلى أن كثيراً منهم انتهى بهم المطاف إما بمواجهة محاكمات من فصائل المقاومة، أو عبر إجراءات قانونية لدى الجهات الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة، مبيناً أن هذه المعطيات تعزز الحاجة إلى مقاربات داخلية لمعالجة الظاهرة. وأكد أن العشائر الفلسطينية تلعب دوراً محورياً في هذا الإطار، بدعم من الفصائل والمثقفين، من خلال العمل على إعادة هؤلاء الأفراد إلى بيئتهم الاجتماعية "بشكل آمن"، عبر صيغ تتضمن عفواً عاماً يسهم في تفكيك هذه الحالات الطارئة على المجتمع الفلسطيني. وبيّن أن الاحتلال يستفيد من هذه المجموعات عبر تكليفها بمهام ميدانية، مثل الرصد والمتابعة، وأحياناً تنفيذ عمليات تستهدف المقاومين، ما يجعل التعامل معها ضرورة أمنية ومجتمعية في آن واحد.

Related News
الحرب تمتد إلى المفاعلات والمصانع
aawsat
1 hour ago