Arab
عاد الحديث عن مفاوضات مع إيران في الصحف الإسرائيلية والأميركية مع نفي إيراني، وهناك محاولة لتقديم رئيس البرلمان الإيراني، محمّد باقر قاليباف، قائداً للمباحثات عن الطرف الإيراني، بعد تصفية أكثر من 40 شخصاً من كبار القيادات الإيرانية، وفي مقدمتهم المرشد الأعلى علي خامنئي واختيار ابنه مجتبى، المعروف بتشدّده وبأنّه مدعوم من الحرس الثوري، مرشداً جديداً. لا معلومات تؤكّد أو تنفي العودة إلى مسار جدّي للمفاوضات، وكان الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان قد أعلن شروط طهران التعجيزية بالنسبة إلى واشنطن وتل أبيب، والمتضمِّنة الاعتراف بالعدوان على إيران، وتعويض الخسائر في البنية التحتية والأرواح، والتعهّد الصريح بعدم التكرار. وعشية الأحد الماضي، أعطى ترامب طهران مهلة 48 ساعة لفتح مضيق هرمز قبل أن يأمر بتدمير المنشآت النفطية الإيرانية، ثم تحدّث عن هدنة لخمسة أيام لإعطاء فرصة للمباحثات المزعومة، وأخيراً أجّل ضرب تلك المنشآت حتى تاريخ السادس من الشهر المقبل (إبريل/ نيسان). وهناك تكهّنات بأنّ هدف ترامب من هذه المهل هو تهدئة أسواق النفط بعد أن وصل سعر برميل برنت إلى 107 دولارات، ثم هبط إلى ما دون المائة دولار بعد مهل ترامب.
كانت المفاوضات حول مصير البرنامج النووي الإيراني، قبل بدء الهجوم، تمريراً للوقت من الطرفَين الأميركي والإيراني، أكثر منه رغبةً في التوصّل إلى حلّ سياسي؛ وكذلك كان هناك تفاوض قبل هجوم ال12 يوماً على منشآت نووية في يونيو/ حزيران الماضي. بالتأكيد، هناك إصرار إسرائيلي على استمرار الهجمات الحالية يتجاوز تدمير القدرات الصاروخية إلى إسقاط نظام الملالي؛ في حين أنّ واشنطن تركّز على تدمير البحرية والقدرات الصاروخية لطهران ووقف البرنامج النووي ومنع دعم وكلاء إيران في المنطقة. إلا أنّ الجانب الأميركي أخيراً، حسب تصريحات ترامب المتخبّطة، بدأ يركّز على فتح مضيق هرمز والسيطرة عليه بالقوة.
بات واضحاً أنّ إيران كانت مستعدّة لمثل هذا الهجوم، ورغم الخسائر الهائلة التي لحقت بقادتها وقدراتها العسكرية والاقتصادية، إلا أنّها تراهن على عامل الوقت، وعلى قدرتها على تعظيم أضرار الحرب عبر إغلاق الممرّات البحرية الرئيسة بالنسبة إلى الاقتصاد العالمي، وعبر توسيع دائرة الضرر باستهدافها استقرار دول الخليج العربي، وكذلك تركيا وباقي دول الجوار، وخلق أزمة ركود اقتصادي في العالم. من الصعب تحديد طبيعة الحكم الحالي في إيران، في ظلّ غياب الأخبار الداخلية بسبب انقطاع وسائل التواصل، إلا أنّ هناك تماسكاً ما في أداء النظام، فلا انشقاقات عسكرية أو دبلوماسية على الرغم من الهزّات الكبيرة، وهذا يحيل إلى فرضية سيطرة الحرس الثوري على مؤسّسات الدولة، خاصّة أنّ الموقف الإيراني المعلَن يميل إلى التصعيد ويرفض الاستسلام.
رغم الانقسام الأميركي داخل الكونغرس تجاه الحرب، إلا أنّه لم يعرقلها، وقد فشل تمرير مشروع تقييد قدرة الرئيس على شنّ الحرب من دون موافقة الكونغرس
رغم الانقسام الأميركي داخل الكونغرس تجاه الحرب، إلا أنّه لم يعرقلها، وقد فشل تمرير مشروع تقييد قدرة الرئيس على شنّ الحرب من دون موافقة الكونغرس. نقاش الحرب مؤجّل حتى تنتهي، ما يمنح ترامب رخصة المضي فيها. هو يتطلّع إلى تحقيق نصر يدعم حظوظ حزبه في الانتخابات النصفية، ويجعله ملكاً مطلقاً حتى نهاية ولايته؛ فيما سيمضي سنتَي حكمه الباقيتَين "بطّةً عرجاء" إن تقدّم الديمقراطيون. لكن هذه الحرب ما كانت لتمرّ في دوائر القرار الأميركي، خصوصاً البنتاغون، فقط من أجل عيون ترامب؛ فهناك مصالح أميركية تتعلّق بالأزمات البنيوية في الاقتصاد الأميركي، وكيفية مواجهة صعود الصين الاقتصادي ونفوذها المتصاعد في الشرق الأوسط، والسعي إلى السيطرة والتحكّم بمصادر الطاقة العالمية وممرّاتها، ومنها مضيق هرمز الذي يمرّ منه خُمس الاستهلاك العالمي من النفط وربع استهلاك العالم من الغاز الطبيعي المسال. وقد سبق الحرب على إيران، في يناير/ كانون الثاني الماضي، عمليةٌ دقيقةٌ في فنزويلا اعتقلت الرئيس مادورو، ونصبّت حكماً موالياً لواشنطن من داخل النظام بهدف التحكّم بالنفط الفنزويلي الذي يُصدَّر معظمه إلى الصين، عدا حاجة الولايات المتحدة المستمرّة للحروب التي تصبّ في مصلحة شركات الصناعات العسكرية الأميركية. وضمن المخرجات الراهنة للحرب، تستفيد روسيا من ارتفاع سعر النفط والغاز، وكذلك الصين مستمرّةٌ في الحصول على النفط الإيراني بسعر منخفض، كما أنّها تملك احتياطات للطاقة تمكّنها من تجنّب آثار استمرار الحرب أشهراً. إلا أنّها على المدى البعيد متضرّرة من توسّع الحرب والفوضى التي ستضرب مشروعها في الحزام والطريق، وقد أدانت الاعتداء على إيران، لكنّها تعمل للتهدئة.
بات واضحاً أنّ إيران كانت مستعدّة للهجوم الأميركي الإسرائيلي رغم ما يلحق بها من خسائر
لم ينجح تطبيق نموذج فنزويلا في إيران باغتيال قادتها، والبحث عن قادة جدد موالين لواشنطن، مع قدرة طهران على إحداث أضرار كبيرة في الاقتصاد العالمي، واستمرار قدرتها الصاروخية، خاصّةً ضدّ دولة الاحتلال الإسرائيلي، والتطوّرات الجديدة باستخدامها صواريخ منشطرة يصعب التصدّي لها. وهذا يطرح تساؤلاً أميركياً حول الخطوة المقبلة، مع افتراق بات واضحاً في الأهداف بين واشنطن وتل أبيب. الأخيرة، كما طهران، تحكمها جماعة يمينية متشدّدة، وبعد الضربة الأمنية التي تلقتها في "7 أكتوبر" (2023)، باتت مستعدّةً لتحمّل بعض الخسائر من أجل القضاء على ما تعتقد أنّه قد يهدّد أمنها، فدمّرت القدرات العسكرية السورية كلّها، وسيطرت هناك على أراضٍ واسعة، وتشنّ حرباً تدميرية ضدّ حزب الله في لبنان، وهناك مفاوضات حول اتفاقات أمنية بين تل أبيب وحكومة أحمد الشرع الساعي إلى الحصول على شرعية دولية، وقد يتورط ، إذا استمرّت الضغوط الأميركية، في حرب برية محتملة ضدّ حزب الله.
بدأ ترامب ونتنياهو الحرب، إلا أنّ التحكّم بمسارها ليس سهلاً في ظلّ احتمال توسّعها، واحتمال انخراط دول الخليج، وربّما تركيا وسورية، فيها تحت ضغوط أميركية وبسبب تصاعد الاعتداءات الإيرانية؛ إضافة إلى خطر ارتفاع سعر برميل النفط إلى 140 دولاراً، ما ينذر بأزمة ركود اقتصادي عالمية. يُضاف إلى هذا الإصرار الإسرائيلي على تفتيت الجغرافيا الإيرانية على أسس عرقية ودينية.
تحدّت دولة الملالي الهيمنة الأميركية في المنطقة، وأصرّت على تطوير الصناعة النووية والصاروخية، إلا أنّ محاولات رسم النفوذ عبر نشر وكلائها الطائفيين بوصفه خطّ دفاع خارج أراضيها كان فيه مقتلها أيضاً؛ إذ مارست دوراً طائفياً أينما أتيح لها، ودعمت نظام الأسد ضدّ شعبه، وبسقوطه خسرت طهران كلّ ما بنته في سورية، وربّما في المنطقة. بالتأكيد، ليس من ضمن أسباب واشنطن وتل أبيب لشن الحرب على إيران تخفيف حدّة التطرّف الديني بوجهه الشيعي في المنطقة، كما يعتقد بعضهم أنّها ستعمل أيضاً على محاربة التشدّد السنّي الذي يستهدف الكيان الصهيوني، فالطبيعة العنصرية للدولة اليهودية، وسعيها إلى الهيمنة على المنطقة دعماً للمصالح الأميركية، خاصّةً في ظلّ صعود اليمين المتشدّد لحكمها، وفي ظلّ دكتاتوريات عربية لا تخدم شعوبها، هي ما تفرض صعود التطرّف الإسلامي في المنطقة بوجهيه السنّي والشيعي، ودورهما التفتيتي للمجتمعات العربية، ما يخدم الهيمنة الأميركية على منطقة استراتيجية من حيث غناها بمصادر الطاقة وممرّاتها البحرية.

Related News
الحرب تمتد إلى المفاعلات والمصانع
aawsat
1 hour ago