Arab
لا تبدأ هذه المرحلة بإعلان. لا يرنّ جرس إنذار، ولا تنكسر الأشياء أمامك فجأة. كل ما يحدث أن الإحساس بالمركز يتراجع قليلاً، كأن الضوء تحوّل درجة واحدة فقط، لكنها كافية لتلاحظ الفرق. تمضي في يومك كما اعتدت. العمل يسير، العائلة بخير، العلاقات في مكانها. لا شيء ينهار. ومع ذلك، يتبدل شيء خفي. كأن الأرض التي كنت تقف عليها بثقة لم تعد صلبة كما كانت.
لا تسقط، لكنها تميل بخفةٍ تشعر بها في باطن قدمك. ليس الأمر انتقالاً بين مدينتين، ولا مغادرة لوطن. إنه نزوح داخلي يحدث بينما يبدو كل شيء في الخارج متماسكاً. تؤدي أدوارك بإتقان: المدير، الأب، الزوج، الصديق. تعرف متى تتكلم، ومتى تترك الجملة معلّقة. لكن في لحظة عابرة، أمام مرآة الحمام، في المصعد، خلف مقود السيارة، يمرّ خاطر سريع: الحياة تمضي بخطوة أسرع، وأنت ترافقها من مسافة لا تُرى. أتذكر مساءً قريبًا.
كنت أفتش في هاتفي عن صورة قديمة لابني وهو في السابعة. وجدتها بعد قليل. قميص أزرق، ابتسامة غير مكتملة، يد صغيرة تمسك إصبعي بثقة لا تحتاج إلى تفسير. توقفت عند الصورة أطول مما توقعت. لم أعرف أيّ النسختين أقرب إليّ: الرجل الذي في الصورة، أم الرجل الذي ينظر إليها الآن. أغلقت الهاتف بهدوء، كأنني أخفي سؤالًا لا أريد أن أسمعه كاملًا. ليس في الأمر سقوط. ولا عجز. فقط شعور بأنك لم تعد تسكن ما تعيشه كما كنت. في هذه المرحلة، لا يأتي القلق كحادثة واضحة. لا عنوان له، ولا سبب محدداً تشير إليه بإصبعك. إنه حساسية جديدة تجاه الزمن. تجاه الكلمات التي كنت تمسك بها بثقة: النجاح، الاستقرار، المكانة. تستيقظ ليلاً دون أن تعرف لماذا. لا كارثة في الأفق، ولا خطر محدد. فقط إحساس بأن المعاني التي رتبت حياتك طويلاً لم تعد تكفي وحدها. الأشياء الصغيرة تصير أثقل. جملة عابرة من ابنٍ لم يعد يحتاجك بالطريقة نفسها، خبر تقاعد صديق، صمتٌ يطول في بيتٍ كان يعجّ بالحركة. وأعترف بصوت لا يسمعه أحد بأن أكثر ما أربكني لم يكن تغيّرهم، بل تغيّري أنا.
كل انتقال يضع الإنسان بين صورتين. صورة عاشها طويلًا حتى ظنّها نهائية، وأخرى تتشكل ببطء، بلا إعلان
لم أعد أحتمل الاندفاع القديم. لم أعد أعرّف نفسي بسهولة كما كنت أفعل، كأن التعريف نفسه صار أوسع من أن يُختصر في دور. القلق هنا ليس مرضاً. هو علامة انتقال. صورة قديمة للنفس تذوب ببطء، وصورة أخرى لم تتشكل بعد. وبينهما مساحة بيضاء، لا تُملأ بالعجلة. الرجل في هذه المرحلة لا يفقد حياته، بل يفقد مركزها. المركز: ذلك الشعور بأنك نقطة الارتكاز، أن وجودك يُحدث فرقًا مباشرًا في الإيقاع. حين يكبر الأبناء، ويستقر العمل، وتتراجع الحاجة اليومية إلى حضورك الحاسم، يظهر فراغ صغير. ليس هوة، بل فسحة. تسأل نفسك بهدوء: من أكون إذا لم أكن في القلب؟ إذا لم أكن مطلوباً بالطريقة نفسها؟ إذا لم يعد الفعل الخارجي يكفي لتعريف ما أنا عليه؟ اعتدنا أن نعرف أنفسنا عبر ما نفعل. لكن حين تتبدل الأدوار، ولو تدريجياً، يضطرب التعريف. لا لأن القيمة تلاشت، بل لأن شكلها تغيّر، ولم نعتد بعد على ملامحها الجديدة. أحياناً يتكثف هذا الإحساس في مدينة. تعود إلى مدينة عرفتها في شبابك، فتبدو أصغر مما كانت في ذاكرتك. أو تعيش في مدينة سنوات طويلة، تحفظ طرقها جيدًا، لكنها لا تسكنك كما ينبغي. الغربة ليست في الجغرافية. هي في المسافة بين الداخل والخارج.
بين زمنٍ كان المعنى فيه مباشرًا، وزمنٍ صار فيه سؤالًا. المدن، مثل المرايا، تعكس ما تبدّل فينا أكثر مما تبدّل فيها. أصعب ما في الاغتراب المتأخر أنه يمس صورة القوة. الرجل الذي اعتاد أن يكون ثابتاً، حاسماً، قادراً، يكتشف هشاشة دقيقة لا تُرى بسهولة. ليست انهياراً، بل شرخ رفيع في زجاج صافٍ، يظهر فقط حين يقترب الضوء. قد تتراجع بعض الطاقة. قد تخفّ الحماسة. لكن في المقابل، يتكوّن وعي أعمق. تفهم حدودك بهدوء، وترى نفسك من مسافة لم تكن متاحة في زمن الانشغال الدائم. الاعتراف بهذه المرحلة يحتاج إلى شجاعة من نوع آخر. شجاعة ألا تملأ الفراغ بضجيج جديد. ألا تسارع إلى استعادة صورة قديمة لم تعد تشبهك. وألا تفسر التحول كفشل شخصي. كل انتقال يضع الإنسان بين صورتين. صورة عاشها طويلاً حتى ظنّها نهائية، وأخرى تتشكل ببطء، بلا إعلان. في هذه العتبة، لا ينهار المعنى، لكنه يعيد ترتيب نفسه. الهوية ليست جداراً يُبنى مرة واحدة. هي حركة مستمرة، حتى وإن بدت ساكنة.
كيف يعود الرجل من شعور الضيافة إلى السكن؟ ليس بالرجوع إلى ما كان، ولا بمحاولة تثبيت مركزٍ تحرّك. بل بقبول أن النضج ليس صلابة دائمة، بل قدرة على العبور دون أن يفقد نفسه. أن يصغي بدل أن يقاوم. أن يرى القلق كعلامة وعي، لا كوصمة. أن يسمح لبعض الشروخ أن تبقى، لأنها ما يوسّع المعنى. حين يصبح الرجل ضيفاً في حياته، لا يحتاج إلى استعادة السيطرة بقدر ما يحتاج إلى استعادة الصلة. صلة أهدأ بنفسه. صلة أقل صخباً بدوره. صلة صادقة بحدوده. الاغتراب المتأخر ليس نهاية. إنه إعادة توزيع للضوء. وقد لا يعود بعدها كما كان، لكنه قد يعود أعمق. أقل انشغالاً بإثبات نفسه، وأكثر قدرة على أن يسكنها، لا من المركز، بل من الداخل.
Related News
مهرجان كان 2026.. السينما تلتقي السياسة والتكنولوجيا
al-ain
9 minutes ago