جغرافيا الخراب... سرديات تروي ما فعله الإنسان بالبيئة
Arab
1 hour ago
share
تختلف حروب اليوم عن حروب الأمس؛ فبينما كانت الأولى تُدار بالسيف والرمح في ساحات مكشوفة ومواجهات مباشرة تنتهي بهزيمة طرف وانتصار آخر، أصبحت حروب اليوم تُدار بالتكنولوجيا العابرة للقارات والأسلحة الكيميائية والنووية التي لا تكتفي بمحو الأجسام، بل تضرب النظام الحيوي للكرة الأرضية. في تلك الديستوبيا، يبدو النقد البيئي أداة مهمة لفهم تداعيات الحروب الحديثة على مستقبل الكوكب؛ فهو لا يقتصر على رصد الكوارث الطبيعية، بل يكشف "العنف البطيء" الذي يمتص حيوية الأرض، ويعطل مجرى الحياة اليومية، ويحول عولمة الحرب في السودان وأوكرانيا وفلسطين وكل المناطق المشتعلة في أنحاء الكرة الأرضية إلى عولمة للألم. جزيرة على ظهر حوت لم يولد النقد البيئي (Ecocriticism) في أروقة الجامعات بوصفه منهجاً يضاف إلى جملة المناهج النقدية، بل استجابة لاستغاثة كوكبٍ على وشك الاحتضار. ففي تسعينيات القرن الماضي، ومع تصاعد الذعر العالمي من الاحتباس الحراري والتلوث النووي، بدأ النقاد يطرحون سؤالاً: ماذا لو لم تكن الأرض مجرد ساحة تجرى فيها المعارك، بل كائنا حيا يتعذب ويموت؟ هذا التحول الذي كرسته "جمعية دراسة الأدب والبيئة" (ASLE) في الولايات المتحدة، نقَل الأدب من حكايات عن المعاناة الإنسانية إلى سجل لعلاقة الإنسان بالطبيعة، وهي علاقة اتسمت غالباً بالعنف والغطرسة. كتب محمد المخزنجي قصصاً استلهمها من انفجار مفاعل تشيرنوبيل يذهب الباحث تشارلز ترافيس في كتابه "البيئة بوصفها سلاحاً" (2024) إلى أبعد من ذلك، مؤكداً أن الطبيعة تفقد حيادها في زمن النزاعات، لتتحول إلى أداة في ترسانة الحرب؛ وهو ما تجلى بوضوح في غزو القوات الروسية لمحيط "تشيرنوبيل"، حيث لم يكن التحرك العسكري مجرد مناورة تكتيكية، بل استحضاراً لشبح كارثة نووية شطرت وجه التاريخ إلى نصفين: ما قبل انشطار الذرة وما بعدها. عبر أربعة فصول، تتتبع رواية "ظلال محترقة" (2009) للكاتبة الباكستانية البريطانية كاميلا شمسي هذا "الالتحام القسري" بين الجسد والبيئة. ففي لحظة الانفجار بـ ناغازاكي، لا يحيل الوميض النووي "كونراد" إلى مجرد ظل محترق على الأرض فحسب، بل يعمل على كي جلد حبيبته برسوم الطيور التي كانت تزين ثوبها كوشم لا يزول.  هذا التهديد المستمر التقطه محمد المخزنجي في مجموعته القصصية "لحظات غرق جزيرة الحوت" (1998)، التي استلهمها من معايشته لانفجار مفاعل تشيرنوبيل عام 1986. مستعيراً رمزية "جزيرة الحوت" من حكايات ألف ليلة وليلة؛ فكما استيقظ السندباد على حقيقة أن جزيرته المستقرة ليست سوى ظهر حوت بدأ في الغرق، رأى المخزنجي في تصدع المفاعل وتسمم الطبيعة بالإشعاع "ارتجاجاً" لأسطورة الاتحاد السوفييتي بمثابة جزيرة للحلم. من هنا راح يرصد أثر الكارثة في تفاصيل موجعة، بدءاً من الزحام في محطة قطارات كييف حيث تلتصق أيدي الأطفال المرتجفة بأمهاتهم، وصولاً إلى مشهد الحمام الذي ينهشه الجوع لكنه يرفض الموت، كأنما يعلن احتجاج الطبيعة على منطق العبث. في نهاية المطاف، ينفذ المخزنجي إلى لبّ المأساة، معتبراً أن انهيار تلك الإمبراطورية العظمى لم يكن لأسباب سياسية فحسب، بل لسبب بسيط ومرعب اسمه الكذب، ما دفع أحد المنشقين للقول باختصار يختزل مأساة العصر: "لقد أردت أن أهرب بأولادي من مصير الكذب". البطء المدمر من الصعب قراءة الحروب اليوم بوصفها مجرد صراعات عسكرية، بل مثل "ارتجاجات بيئية" عابرة للأجيال، وهو ما يوثقه كتاب "إيكولوجيا الحروب" (2010) في مسحه الشامل لآثار النزاعات، من تسمم الزئبق خلال الحرب العالمية الأولى في سلوفينيا إلى الآثار البيئية للاحتلال في فلسطين، ومن قصف الشعاب المرجانية في جزيرة فييكس إلى فقدان التنوع البيولوجي الناتج من النزاعات العنيفة في أفريقيا، مستنداً إلى ورشة بحثية متقدمة لحلف الناتو عُقدت في جزيرة فييكس في بورتوريكو، لفهم العلاقة المعقدة بين النزاعات المسلحة والأنظمة البيئية. تفقد الطبيعة حيادها في النزاعات لتغدو أداة في ترسانة الحرب يصف روب نيكسون في كتابه "العنف البطيء" (2011)، تلك الأضرار البيئية والاجتماعية التي تتكشف تدريجياً، غالباً بعيداً عن أنظار الجمهور ووسائل الإعلام، على عكس العنف الفوري والمثير. ويمثل العنف البطيء عند نيكسون تحدياً مزدوجاً: فهو خفي بطبيعته، ما يجعل صناع القرار يغفلونه، وفي الوقت ذاته مرتبط بأعمال الدولة أو الشركات التي تستثمر في الموارد الطبيعية دون اعتبار للأثر البشري.  تتجسد فلسفة "العنف البطيء" لدى إدوارد توماس، الذي يرى الحرب تعطيلاً قسرياً لترابط الإنسان ببيئته؛ ففي قصيدته "As the Team’s Head-Brass"، تتحول شجرة البلوط الساقطة التي لم يرفعها أحد بسبب غياب الرجال في الجبهات إلى جثة موازية للجنود القتلى، ورمزاً لخراب بيئي يمتد أثره لسنوات. يقول توماس مستعرضاً هذا التمزق الوجودي: "مراقباً الخيول وهي تخب.. كان بوسعي اختلاس نظرة إلى كتل التراب، والأعشاب، وزهرة قفاز الثعلب، والطائر الساكن". على وتيرة مشابهة تبدو قصيدة "عازف الطبول هودج" لتوماس هاردي واحدة من أقسى المكاشفات لـ "الاغتراب البيئي". فهاردي لا يرثي الجندي "هودج" الذي قُتل في حرب البوير بجنوب أفريقيا بوصفه بطلاً عسكرياً، وإنما ككائن تم نفيه وجودياً وجغرافياً؛ إذ يُلقى جسده في حفرة بلا مراسم، ليتصالح مع تربة "الفيلد" الأفريقية التي لا تشبه مروج موطنه في "ويسكس"، حيث يُجبر على الذوبان في جغرافيا لم يألفها، تحت "نجوم مجهولة الأسماء" تطل ببرود على تَلّته الغريبة. الكون في راحة اليد يبدو أن أسطورة العالم الذي تحول إلى قرية صغيرة لأجل رفاهنا، استحال إلى ساحة تعذيب موحدة، يتردد فيها صدى الانفجارات في كل زاوية. فالموت الذي يطرق أبواب الخرطوم وسط صمتٍ وتجاهلٍ دولي مريب، هو ذاته الذي يتربص خلف مضيق تايوان متسلحاً برقائق السيليكون، وهو الموت نفسه مرتدياً حلة التكنولوجيا الرفيعة في سماء أصفهان والجليل. وفي الفراغ الموحش بين "بذلة" السياسي التي تتدثر برداء المؤسساتية، و"عمامة" القائد التي تقتات على الدين، يُختزل الضحايا على الجانبين إلى مجرد "إحصائيات" في رسم بياني، أو "أيقونات" في ملصق دعائي، ليغدو الإنسان هو "العنصر الغائب" في خطاب القوى، رغم أنه الوقود الوحيد لماكيناتها الإعلامية المتوحشة.

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows