Arab
لا يمكن النظر إلى الاشتباك الحاصل في سورية حول النشيد الوطني على أنه اختلاف حول قضية بروتوكولية؛ فالأزمة التي صنعتها وزارة الثقافة حين أعلنت عن القصائد الفائزة بمسابقتها، هي في جوهرها انعكاس لإشكالية تعريف الجماعة السورية لنفسها، وعدم وضوح طبيعة السلطة، وأزمة الثقة بينها وبين المجتمع، وعجزها الواضح عن إنتاج رمز مشترك في زمن الانقسام.
في زمن ما قبل الثورة، ورث السوريون عن أسلافهم آباء الاستقلال نشيد "حماة الديار" الذي كتبه خليل مردم بك ولحنه الأخوان فليفل، لكنه لم يكن موضع اتفاق عند اعتماده في نهاية ثلاثينيات القرن الماضي؛ إذ رُفض في البداية ثم درج بين الناس، فاستقرت المؤسسة الرسمية عليه.
التحول الحاسم نحو رفض هذا النشيد لم يحدث من داخل النص، بل خارجه؛ إذ تسببت حرب النظام السابق على الثورة السورية، واستخدام الجيش أداة رئيسة، في حل عنفي أودى بمئات الآلاف بتغيّر معنى "حماة الديار" في الوعي الجمعي، حيث صارت العبارة تُحيل إلى حفنة من القتلة؛ الأمر الذي أدى إلى فقدان النشيد لشرعيته، فالرمز لم يعد قابلاً للتصديق، حتى لو استمر.
لم ينتظر السوريون اتفاقاً رسمياً حول نشيد مختلف كما حصل حين استبدل علم النظام براية الاستقلال، بل اتجهوا بعفوية نحو نشيد "في سبيل المجد" للشاعر عمر أبو ريشة، الذي حفظوه سابقاً بحكم كونه جزءاً من مجموعة أناشيد وطنية معتمدة في المدارس الوطنية، لكنه عاد الآن ليُغنى في سياق مختلف، يبرز رغبة الجمهور الثائر بالتحرر من القيود والاستبداد. لكن هذا الاعتراف بقي متردداً، وكأن السلطة الجديدة لم تحسم موقفها بعد من العلاقة بين الاختيار الشعبي والقرار الرسمي. ثم جاءت الخطوة الأكثر إشكالية: إطلاق مسابقة لإنتاج نشيد وطني جديد.
من حيث الشكل، جرى التركيز على إيجابيات الفكرة لجهة إشراك شعراء وموسيقيين في صناعة رمز وطني. غير أنه منذ البداية جرى انتقاد المعايير التي وُضعت شروطاً للمشاركة. وحين نُشرت النصوص المختارة قبل أيام، ضمن إعلان مسابقة لتلحين سبع قصائد سيُصار إلى انتقاء واحدة منها، اتضح أن المشكلة ليست فقط في آلية الاختيار، وإنما في المزاج والمعايير التي اتبعتها اللجنة المكلفة، فالقصائد السبع التي جرى اعتمادها تعيد إنتاج نموذج بلاغي قديم فات زمانه، ولم يعد أحد يهتم بلغته التراثية المتخمة بمفردات معجمية، لا تنتمي إلى تجربة السوري اليومية من قبيل "العلا"، "الإباء"، "الفداء"، "المجد التليد".
كما أن المشكلة تتجاوز حيز اللغة، لتصل إلى البنية؛ فالنصوص تتحدث باسم "نحن" دالة على جماعة متماسكة وواثقة بانتصارها، في حين أن الواقع السوري الراهن ما زال مشحوناً بالتناقضات، وانكسارات البشر! وفي كل هذه القصائد المختارة تغيب الأصوات المتعددة، ليصبح كل شيء محسوماً مسبقاً، وكأن النشيد يُكتب لسورية متخيلة، لا لسورية الواقعية.
دلالياً، توقف القراء عند النزعة الصاخبة شعاراتياً في النصوص، فالتعابير وهي تحكي عن السلام فإنها تستحضر العدو، وبما يكفل أن يكرر الشاعر مفردات البطولة والفداء، وكأن ثمة اتفاقاً بين الشعراء على تغييب يوميات الإنسان العادي، وعدم الالتفات إلى جماليات الحياة السورية وتنوعها، وكذلك تجاهل آلام التجربة التي دُفع ثمنها غالياً في مسار الوصول للحرية، وهنا، تعود المشكلة نفسها التي واجهت "حماة الديار"، أي الانفصال الفاضح بين النص والواقع.
الانتقادات لم تقف عند رداءة النصوص، ووصلت إلى رفض التجربة بسبب مشاركة وزير الثقافة محمد ياسين صالح فيها عبر نص مشترك مع الشاعر أنس الدغيم مدير مديريات الثقافة، وفي المسار ذاته جرى التشكيك بأهلية لجنة الاختيار حيث ضمّت مجموعة من الأكاديميين ليس بينهم ناقد شعري معروف، أو شاعر أو ملحن!
كأن النشيد يُكتب لسورية متخيلة، لا لسورية الواقعية
في مراجعة الإشكاليات التي تحدث حين يقرر شعب ما أن يختار نشيده الوطني، تمر تجارب عالمية تلقي الضوء على آليات التغيير والاستبدال، فالأناشيد الوطنية لم تكن يوماً نصوصاً مقدسة أو نهائية، كما أن اختيارها لم يحصل نتيجة التوافق الدائم. ففي فرنسا، ظل نشيد "المارسيلييز" موضوع جدل بسبب لغته العنيفة، ومع ذلك استمر بسبب ارتباطه بتاريخ فرنسا. وفي الولايات المتحدة، خضع نشيد "العلم المرصع بالنجوم" لنقاشات حول بعض مقاطعه، دون أن يؤدي ذلك إلى استبداله.
وفي حالات أخرى، اختارت الدول التعديل بدل القطيعة؛ كما حدث في كندا حين جرى تعديل كلمات نشيد "يا كندا" لتحقيق المساواة بين الرجال والنساء. وفي جنوب أفريقيا، تم اعتماد نشيد مركّب يجمع بين عدة لغات ليعكس واقعاً متعدداً بعد نهاية الفصل العنصري.
لكن المثال الأكثر غرابة هو نشيد دولة كوسوفو، التي واجهت بعد استقلالها انقساماً قومياً حاداً حول الهوية واللغة والرموز؛ إذ إن أي اختيار لكلمات نشيد كان سيُفسَّر بوصفه انحيازاً لطرف دون آخر. لذلك اعتمِد لحن موسيقي دون كلمات.
