حرب إيران قد تنهي هيمنة عصر "البترودولار" لصالح "البترويوان"
Arab
1 hour ago
share
لم تقتصر الحرب الراهنة في المنطقة منذ بدايتها على ميدان المعارك العسكرية، فالثابت أنها كانت اقتصادية أيضاً بامتياز، وتشير تقارير اقتصادية إلى أن تداعياتها على الاقتصاد الأميركي ربما تكون تاريخية سواء من جهة التضخم والعودة لسياسة التشدد النقدي وتراجع معدل النمو وغيره من المؤشرات. التداعيات الاقتصادية للحرب التي توشك على نهاية أسبوعها الرابع، ربما لن تترك الاقتصاد الأميركي، عندما تضع أوزارها، على الصورة التي كان عليها قبل انطلاق الصاروخ الأول من إسرائيل على طهران، وما تبعه من هجمات إيرانية على دول المنطقة ومصادر الطاقة فيها. يقارن الخبراء العسكريون بين الحرب الراهنة على إيران وما حدث من عدوان ثلاثي على مصر في عام 1956، لم تنتصر مصر وقتها، لكن حرب السويس مثلت الأفول الفعلي للإمبراطورية البريطانية. وفي الاقتصاد يتحدث محللون عن أن الحرب على إيران ستمثل نهاية الفترة الذهبية للدولار، تلك الفترة التي استمرت منذ أربعينيات القرن الماضي، وشهدت تربع العملة الأميركية بوصفها عملة قياس وتسعير في بيع النفط العالمي وشرائه فيما عرف لاحقاً بـ"البترودولار". مؤشرات كثيرة تقود المحللين في هذا الاتجاه، لعل أهمها ما أفرزته السياسات الغربية نفسها، فأنظمة العقوبات الممتدة التي هندستها وقادتها المؤسسة الأميركية من كوبا إلى فنزويلا وروسيا وإيران، دفعت الدول المنتجة للنفط إلى التخلي عن الدولار وبيع نفطها بعملات أخرى مثل اليوان والروبية الهندية واليورو، وحسب التقديرات فإن خمس تجارة النفط العالمي تتم في الوقت الراهن باليوان الصيني.  إضافة إلى أن تجارة الطاقة من دول الخليج باتت تتوجه في معظمها إلى آسيا وليس إلى أميركا التي أصحبت أكبر منتج عالمي للنفط مؤخراً. يدق التقرير الذي نشره دويتشه بنك، وهو أكبر مصرف أوروبي، اليوم الأربعاء نواقيس الخطر بالفعل، إذ يشير إلى أن ظهور مزيد من نقاط الضعف في نظام البترودولار قد يخلّف "تداعيات كبيرة" على استخدام الدولار في التجارة العالمية والادخار، وكذلك على دوره بما هو عملة احتياط عالمية. وفي المقابل تسرع الصين جهودها لتعزيز مكانة اليوان عالمياً، في تحدٍ لهيمنة الدولار في التجارة والتمويل الدوليين. كما يشير تقرير نشرته "رويترز"، أمس الاربعاء، إلى أن التحول من عالم البترودولار إلى احتياطيات مثل "البترويوان" أو "البتروبية" أو حتى "البترويورو" يمثل قضية أعمق وأطول أمداً. وإذا أدت صدمة الطاقة العالمية الناتجة عن الحرب الراهنة إلى تسريع التحول بعيداً عن الوقود الأحفوري، فقد يكون الأثر طويل الأمد على قوة البترودولار أكثر عمقاً. قبل أيام، وبعد استهداف إسرائيل لحقل غاز بارس الجنوبي الإيراني، أعلنت إيران أنها ستفتح مضيق هرمز أمام عبور ناقلات النفط والغاز، إذا كانت الشحنات التي تحملها قد أبرمت باليوان الصيني، في إشارة إلى نية طهران معاقبة الاقتصاد الأميركي بشكل مباشر. وحسب محللين من بينهم البروفيسور لالا خليلي أستاذة دراسات الخليج في جامعة إكستر البريطانية، فقد استند النفوذ الأميركي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية إلى ركيزتين: النفط، والدولار. فعالَم الإنتاج والتمويل يعتمد على النفط الذي ضمنت الولايات المتحدة تدفقه منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، والذي كانت تسيطر عليه فعلياً شركات أميركية بنسبة تقارب 60% من احتياطيات النفط العالمية، حتى موجة التأميم التي قامت بها حكومات وطنية في الستينيات والسبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي. وبعد التأميم، تراجعت نسبة الامتلاك الأميركي بشكل كبير، لكن الدولار والقنوات المالية التي أنشأتها الولايات المتحدة لامتصاص فوائض النفط، يشكلان دعامة أساسية للغاية للنفوذ الأميركي في المنطقة. الأثر الخليجي ويخلص تقرير دويتشه بنك إلى أنه "لا ينبغي التقليل من الأهمية الاستراتيجية الكبيرة للشرق الأوسط في دعم دور الدولار عملةَ احتياط عالمية. نظام البترودولار وقد يختبر الصراع الحالي أسس نظام البترودولار". فدول المنطقة، ارتضت تسعير النفط بالدولار والدخول في شراكات أمنيه مع الولايات المتحدة منذ عقود. وتشير "رويترز" إلى أن نظام البترودولار يقوم على ثلاثة أعمدة: حاجة أميركا للنفط، وتسعير النفط بالدولار، والعلاقة الأمنية بين الخليج وواشنطن. وهذه الأعمدة الثلاثة باتت الآن تحت ضغط. وحسب مراقبين قد تقدم دول الخليج العربية، التي تعرضت للضرر الأكبر من جراء الحرب الراهنة إلى مراجعة تحالفاتها العسكرية، وبدلاً من الاعتماد على المظلة الأميركية وحدها، تقوم بتوسيع دائرة الشركاء لتشمل الصين والهند ودولاً آسيوية هي أكبر المشترين للنفط والغاز منها. لكن هذه المراجعة حسب مراقبين، لن تقتصر على الجانب العسكري، بل من المحتمل أن تمتد للعلاقات المالية والتجارية التي تقوم عليها اقتصادات الخليج المقومة بالدولار، وكذلك مئات المليارات من احتياطيات الدولار التي تدعمها. وفي سياق آخر، يصعب التقليل من نفوذ رأس المال الخليجي في الاقتصاد الأميركي وتأثيره في قوة الدولار، منحاً أو منعاً. فالعلاقات الخليجية مع الولايات المتحدة داعم رئيسي للدولار بما هو عملة احتياط عالمية، إذ تربط السعودية والإمارات وقطر وعُمان والبحرين عملاتها بالدولار، ما يتطلب احتياطيات كبيرة تُقدَّر بنحو 800 مليار دولار. لكن هذا الرقم يتضاءل مقارنة بصناديق الثروة السيادية لدول مجلس التعاون الخليجي، التي يُقدَّر أنها تدير أكثر من ستة تريليونات دولار مستثمرة حول العالم في السندات والأسهم ورأس المال الخاص واستثمارات أخرى يتركز جزء كبير منها في الولايات المتحدة. وتصنف وزارة الخزانة الأميركية صناديق السعودية والإمارات السيادية ضمن أكبر 20 مالكاً وطنياً لسندات الخزانة، بحوالي 250 مليار دولار مجتمعين. ويرى جيم أونيل، الاقتصادي السابق في مصرف غولدمان ساكس ووزير الخزانة البريطاني الأسبق، أن الحرب على إيران قد تدفع دول مجلس التعاون الخليجي إلى التقارب مع الصين والهند ودول أخرى مستهلكة رئيسية للنفط. وكتب في وقت سابق هذا الشهر: "إذا كان لهذه الحرب أن تكشف شيئاً، فهو أن التحالف مع الولايات المتحدة لم يعد يضمن الأمن... وأن الفرص الاقتصادية التي توفرها آسيا الصاعدة تزداد جاذبية يوماً بعد يوم". ويعود تسعير النفط بالدولار إلى اتفاق عام 1974 بين الولايات المتحدة والسعودية، حيث وافقت الرياض على تسعير صادراتها النفطية بالدولار واستثمار فوائضها في سندات الخزانة الأميركية، مقابل ضمانات أمنية من واشنطن. وحذت باقي دول مجلس التعاون الخليجي حذوها. وأسهم الطلب الخارجي الهيكلي على الدين الأميركي في خفض تكاليف تمويل الحكومة الأميركية. لكن ثمة متغيرات كثيرة قد تقود لها الحرب الراهنة بغض النظر عن نتائجها العسكرية، لتفرض إعادة النظر في نظام البترودولار حسب تقرير دويتشه بنك. وعلى المدى الطويل، إذا انخفض اعتماد العالم على النفط، أو إذا لجأت دول الخليج إلى السحب بشكل أكبر من مدخراتها الدولارية، أو اقتربت أكثر من آسيا في علاقاتها التجارية والاستثمارية، أو بدأت تدريجياً في تسعير جزء أقل من نفطها بالدولار، فقد تكون لذلك تداعيات كبيرة على استخدام الدولار عالمياً في التجارة والادخار، وربما على مكانته بوصفه عملة احتياط عالمية، هذه هي خلاصة التقرير التي يتفق معها كثيرون لكنها، إن حدثت، فلن تتحقق على المدى القصير.

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows