Arab
تشهد الأروقة الإسرائيلية حرب ظلال وتصدّعات، بين مسؤولين أمنيين وسياسيين، عادت ملامح بعضها إلى الواجهة، تزامناً مع التقارير في الأيام الأخيرة، عن حالة إحباط لدى رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو، جرّاء عدم تحقق التقديرات المتفائلة التي نُسبت لجهاز الاستخبارات الإسرائيلي "الموساد" قبل العدوان الإسرائيلي - الأميركي على إيران، بشأن إمكانية إسقاط النظام الإيراني. يأتي ذلك رغم استثمار إسرائيل المليارات من أجل ذلك على مدار أعوام طويلة، ما يكشف لمحة عن توتر مستمر منذ سنوات في قمة الهرم السياسي - الأمني حول خطط الموساد المتعلقة بإيران.
وفيما يدّعي رئيس الموساد ديفيد برنيع أنه لم يتعهد يوماً بإسقاط النظام الإيراني، لا في بداية الحرب ولا خلالها، بل تحدث عن عملية قد تتحقق بعد وقف إطلاق النار، نقلت صحيفة يديعوت أحرونوت اليوم الأربعاء، عن مسؤولين آخرين، أنهم سمعوه هو ونائبه يتحدّثان بشكل مختلف. ووسط هذا السجال تتكشّف معلومات جديدة حول جاهزية خطة الموساد، ولجنة سرية عيّنها نتنياهو.
بعد السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023، طلب نتنياهو تنفيذ خطط الموساد تجاه إيران، وهي خطط استُثمرت فيها مليارات على مرّ السنين. لكن تبيّن حينها أن الخطة التي قدّمها الموساد غير جاهزة، ومراراً وتكراراً طُلبت استكمالات وتصحيحات وعمليات ملاءَمة، لكن نتنياهو رفضها بسبب عدم نضجها والمخاطر الكامنة فيها، حسب الصحيفة.
كان هناك من آمن بخطط الموساد تجاه إيران، وهناك من كان أقل اقتناعاً بها، لكن هناك أمر واحد متفق عليه حسب ما جاء في تقرير "يديعوت أحرونوت"، هو أن هذه خطة استُثمرت فيها مليارات على مرّ السنين، قبل وقت طويل من اندلاع حرب الإبادة على قطاع غزة وبدأت في عهد رؤساء سابقين للموساد، إذ بدأها تمير باردو، بينما لم يتحمّس لها يوسي كوهين، فيما أعادها برنيع إلى الطاولة وطالب بموارد إضافية لها، وحصل عليها. ومع ذلك، حتى في هذه المرحلة تبيّن أن الخطة غير ناضجة، ومرة بعد مرة طُلبت استكمالات وتعديلات، وفق ما جاء في تقرير الصحيفة.
تكليف الجيش
في مارس / آذار 2024 اتُّخذ قرار، حين كلّف نتنياهو جيش الاحتلال الإسرائيلي بإدارة العدوان كله ضد إيران، تحت قيادة رئيس الأركان آنذاك هرتسي هليفي وقائد سلاح الجو تومر بار. وقد عرضت شعبة العمليات حينها على نتنياهو خطة الضربة الافتتاحية، التي أصبحت لاحقاً أساس العدوان السابق في يونيو/ حزيران الماضي، والتي تُدار اليوم بنجاح أكبر، وفق التقديرات الإسرائيلية، ضمن العدوان الحالي. في المقابل، كان نتنياهو قد عيّن لجنة برئاسة رئيس مجلس الأمن القومي السابق بالإنابة يعقوب ناغل، لفحص الخطة العملياتية التي وضعها الموساد، وقد أوصت اللجنة بإغلاقها، وهذا ما حصل فعلاً بعدما وجد ناغل قائمة طويلة من الفجوات، وفق "يديعوت أحرونوت".
مسؤولون: كان من المفترض أن تُلحق عملية البيجر ضرراً أكبر بكثير بحزب الله
في الجبهة اللبنانية، اعتُبرت عملية البيجر في لبنان نجاحاً في نظر إسرائيل، لكن مسؤولين إسرائيليين، أشاروا لاحقاً إلى أن العملية كان من المفترض أن تُلحق ضرراً أكبر بكثير بحزب الله، لولا أن التنظيم بدأ يكشفها بعدما شكّ في أجهزة البيجر التي اشتراها. وعبّر وزير الأمن السابق يوآف غالانت بعد إقالته عن استيائه من طريقة تنفيذ الخطة وتوقيته، مدّعياً أنه ضاعت فرصة لقتل آلاف من مقاتلي حزب الله.
وبحسب تقرير الصحيفة العبرية، قدّم الموساد مساعدة مهمة في اغتيال الأمين العام لحزب الله حسن نصرالله، وفي حين لم تكن العملية بقيادته، لكن مساهمته كانت حاسمة في النتيجة.
"معظم أجزاء خطة الموساد لم تنفّذ"
في مسألة إسقاط النظام في إيران، الصورة "معقدة"، وكما ذُكر سابقاً، يؤكد رئيس الموساد ديفيد برنيع أنه لم يتعهد يوماً بإسقاط النظام الإيراني، لا في بداية الحرب ولا خلال سيرها، وأن تقديره كان يتحدث عن عملية قد تتحقق فقط بعد انتهاء الهجمات. وكشف تقرير الصحيفة، أن معظم خطته الأصلية لم تُنفذ بعد، إذ صودق على أجزاء منها للتنفيذ، وأجزاء أخرى تنتظر الموافقة، وبالنسبة لنجاحها فمن المبكّر جداً الحكم. في المقابل، يقول مسؤولون آخرون، إنهم سمعوه هو ونائبه يعبّران بشكل مختلف. وبحسبهم، هو لم يعد صراحة بإسقاط النظام، لكنه بالتأكيد خلق انطباعاً بأن الهدف قابل للتحقيق خلال الهجمات.
لفت التقرير العبري، إلى أن العلاقات بين رئيس الأركان الحالي إيال زامير وبرنيع أفضل بكثير مقارنة بالعلاقات التي سادت بين رئيس الأركان السابق هليفي ورئيس وبرنيع، والتي تميّزت باحتكاكات في كل موضوع عملياتي تقريباً. وخلق التوتر بين هليفي ونتنياهو، انطباعاً بوجود توافق بين برنيع ونتنياهو، لكن فعلياً، من الناحية المهنية، وبالنظر إلى خيبة الأمل من أداء جهاز الموساد في السابع من أكتوبر وخلال حرب الإبادة، كانت الصورة أكثر تعقيداً.
وبالنظر إلى المستقبل، يشير التقرير إلى أن الاختبار الحقيقي "ما زال أمامنا"، فإذا انهار النظام الإيراني خلال سنة مثلاً، فإن الجمهور الإسرائيلي كله سيعرف كيف يحيّي رئيس الموساد. وإذا لم يحدث ذلك، فسيتعيّن عليه تقديم تفسيرات، وخاصة الإجابة عن السؤال: هل كانت لدى الموساد بالفعل خطة عملياتية منظمة؟ وبالنسبة للمستوى السياسي، فإنه وعلى رأسه نتنياهو، المسؤول عن تحديد المهام، وتوزيع الموارد، ومراقبة الجاهزية. وبالنسبة للخطط المتعلّقة بإيران، فهذا لم يحدث دائماً. كثيرون خرجوا من اجتماعات على مرّ السنين دون أن يفهموا، هل رئيس الحكومة يريد (القيام بشيء حيال إيران)، أم لا؟ ينوي، أم لا؟ وكما في ليلة السابع من أكتوبر، يخلص التقرير إلى أنه "حين عُرضت على رئيس الحكومة تحذيرات بشأن حرب من لبنان، وليس من غزة، لم تعمل المنظومة كما يجب، ولم يشرف عليها كما ينبغي. كما أن الجيش "لم يتصرف وفقاً لذلك، ولم يعزّز حتى بكتيبة واحدة الحدود الشمالية. لكن دور رئيس الحكومة، وكذلك وزير الأمن، هو طرح الأسئلة، والمطالبة بالإجابات، وضمان الجاهزية. فإذا كان هناك إنذار، لماذا لم تُتخذ الاستعدادات. وبالطريقة نفسها، أيضاً تجاه الموساد، وقبل الحرب، كان على نتنياهو أن يتأكد من أن خطة (بشأن إيران) استُثمرت فيها موارد هائلة، جاهزة بالفعل وعملياتية"، وفق ما جاء في تقرير "يديعوت أحرونوت".
