Arab
دخلت المواجهة بين إيران من جهة، وإسرائيل وأميركا من جهة ثانية، مرحلة جديدة من التصعيد، بعدما وجّه الرئيس الأميركي دونالد ترامب، أمس الأحد، تهديداً مباشراً بنسف محطات الكهرباء في إيران إذا لم تعمد طهران إلى إعادة فتح مضيق هرمز خلال مهلة 48 ساعة. في المقابل، بادرت إيران إلى إطلاق سلسلة من التهديدات المقابلة، مؤكدة أنها أعدّت "بنك أهداف حمراء"، مع القول إن ردها لاستهداف هذه الأهداف سيكون فورياً إذا نُفّذ التهديد الأميركي.
بالتوازي مع ذلك، ظلت طهران تؤكد، كما جاء في بيان مفصل للخارجية الإيرانية، أن مضيق هرمز "ليس مغلقاً" إلا على الولايات المتحدة وحلفائها الداعمين للحرب على إيران، عازية تجنب السفن وناقلات النفط العبور من المضيق إلى مخاوفها الأمنية بسبب الحرب. وفي أحدث موقف، أصدر الحرس الثوري الإيراني اليوم الاثنين، بياناً هاجم فيه الرئيس الأميركي، واصفاً إياه بـ"الكاذب والإرهابي"، ومتهماً إياه بادعاء أن الحرس الثوري يخطط لاستهداف محطات تحلية المياه في دول المنطقة.
وأوضح البيان أن الجيش الأميركي "المعتدي" هو الذي بدأ الحرب، مشيراً إلى استهدافه خمسة مرافق مائية في إيران، بينها محطة التحلية في جزيرة قشم، بينما "لم يقم الحرس الثوري بهذا العمل حتى الآن". ومع ذلك، شدّد الحرس على أن التهديد الأميركي بضرب محطات الكهرباء الإيرانية يمثل "عملاً غير إنساني"، لأنه سيعطل خدمات أساسية مثل المستشفيات، وعمليات الإغاثة، وشبكات المياه، ومحطات التحلية. وأكد أن طهران ستردّ على أي هجوم عبر استهداف، محطات الكهرباء الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلّة، ومحطات الكهرباء في دول المنطقة التي تمدّ القواعد الأميركية بالطاقة والبنى الاقتصادية والصناعية، وقطاع الطاقة الذي يملك الأميركيون فيه حصصاً.
وأضاف الحرس في لهجة مباشرة: "لا تشكّوا في أننا سنقوم بذلك. أنتم استهدفتم مستشفياتنا ولم نفعل، استهدفتم مراكز الإغاثة ولم نردّ، وقصفتم المدارس ولم نعامل بالمثل، ولكن إذا قصفتم كهرباءنا فسنقصف كهرباءكم". وختم الحرس الثوري بيانه بالتأكيد على "أننا عازمون على الرد على أي تهديد بالمستوى نفسه لخلق الردع"، مشيراً إلى أن الأميركيين "لا يعرفون قدراتنا وسيرون ذلك في الميدان".
وكان ترامب هدد بتدمير قطاع الطاقة الإيرانية كله، إذا لم تفتح إيران مضيق هرمز بشكل كامل خلال 48 ساعة. وكتب على منصته "تروث سوشال" في وقت مبكر من فجر الأحد: "إذا لم تفتح إيران مضيق هرمز بشكل كامل دون أي تهديدات (لحركة الملاحة) خلال 48 ساعة من هذه اللحظة تحديداً، فإن الولايات المتحدة ستهاجم وتدمر محطات الطاقة المختلفة، وستبدأ بأكبرها".
ذو الفقاري: أربعة إجراءات فورية
وصعّد المتحدث باسم مقرّ "خاتم الأنبياء" للعمليات الحربية، العقيد إبراهيم ذو الفقاري، لهجته، محذّراً من أن تنفيذ ترامب تهديداته سيقابله اتخاذ أربعة إجراءات إيرانية مباشرة، أبرزها الإغلاق الكامل لمضيق هرمز. وقال ذو الفقاري، وفق التلفزيون الإيراني، إن المضيق "لم يُغلق بالكامل حتى الآن"، وأنه مفتوح للملاحة "غير الضارة، وفق ضوابط تضمن أمن ومصالح إيران"، لكنه خاضع بالكامل للسيطرة الإيرانية. وأوضح أنه في حال استهداف منشآت الطاقة الإيرانية، ستباشر طهران فوراً تنفيذ الإجراءات التالية:
إغلاق مضيق هرمز بالكامل حتى إعادة بناء المحطات المتضررة
استهداف محطات الكهرباء والبنى الطاقوية وتكنولوجيا المعلومات في إسرائيل
ضرب الشركات المماثلة في المنطقة التي يملك فيها مستثمرون أميركيون حصصاً
استهداف محطات الكهرباء في الدول الإقليمية التي تستضيف قواعد أميركية بوصفها "أهدافاً مشروعة".
وأكد المتحدث الإيراني أن "كل شيء جاهز لمواجهة كبرى تهدف إلى تدمير المصالح الاقتصادية الأميركية في غرب آسيا"، مضيفاً أن إيران "لم تبدأ الحرب، لكنها سترد بقوة إذا تعرضت منشآتها الحيوية للهجوم". وفي خطوة تعكس رفع مستوى التهديد، وجّهت منظمة استخبارات الحرس الثوري رسالة إلى ترامب عبر منصة "إكس"، قالت فيها إن إيران "حققت حتى الآن إخلاء القواعد الأميركية، وترسيخ السلطة في المضيق، والسيطرة على الطاقة العالمية، وتدمير شركات التكنولوجيا الإسرائيلية، وإثارة كراهية عالمية ضدكم".
وأضافت الرسالة: "من هذه اللحظة، نفكر في ما هو أبعد من المنطقة"، مشيرة إلى وجود "بنك أهداف حمراء تكنولوجية وسياسية" جاهز للتحرك خلال أقل من 48 ساعة، مقابل أي تهديد يمسّ المنشآت الإيرانية. كما كتب رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف على منصة "إكس" أن استهداف محطات الكهرباء الإيرانية سيجعل "البنى التحتية الحيوية ومنشآت الطاقة والنفط في أنحاء المنطقة أهدافاً مشروعة"، مؤكداً أنها "ستُدمَّر بشكل لا يمكن العودة إليه"، مشيراً إلى أن أسعار النفط "سترتفع لفترة طويلة".
ووصف القيادي السابق في الحرس الثوري الإيراني حسين كنعاني مقدم، في حديث مع "العربي الجديد"، تهديدات ترامب بنسف محطات الكهرباء في إيران بأنها "لا تعدو كونها تهديداً فارغاً"، قائلاً إنها "نابعة عن العجز في الميدان". وأوضح أن إيران تمتلك بنية تحتية للطاقة مجهزة للتعامل مع حالات الطوارئ، بما يضمن استمرار تزويد المرافق الحيوية، وعلى رأسها المستشفيات والخدمات الأساسية، بالكهرباء في الظروف الصعبة.
وأشار كنعاني مقدم إلى تهديد سابق لأمين مجلس الأمن القومي الإيراني الراحل علي لاريجاني، الذي اغتيل في هجوم في وقت سابق من الشهر الجاري، حيث قال إن ضرب محطات الكهرباء الإيرانية "سيُدخل المنطقة في ظلام". وقال كنعاني مقدم إن دول المنطقة، ولا سيما في الخليج، تعتمد بدرجة كبيرة على محطات تحلية المياه ومحطات إنتاج الكهرباء، مؤكداً أن أي اضطراب كبير في هذه المنشآت قد ينعكس على مجمل الحياة في تلك الدول. وأضاف أن التجارب السابقة، بما فيها سنوات الحرب مع العراق والأزمات الأمنية التي شهدتها البلاد بعد الثورة، أسهمت في تعزيز خبرة المؤسسات الدفاعية الإيرانية وقدرتها على التعامل مع التحديات والأزمات.
كما أكد الخبير الإيراني أن بلاده تستعد لمختلف السيناريوهات المحتملة، بما في ذلك احتمال استمرار المواجهات لفترة طويلة. وأضاف أن طبيعة المواجهة تختلف بالنسبة لإيران، التي تقاتل في محيطها الجغرافي، مقارنة بالقوات الأميركية المنتشرة بعيداً عن أراضيها. ورأى كنعاني مقدم أن الضغوط والتهديدات المتعلقة بالبنية التحتية للطاقة جاءت بعد "الإخفاق الأميركي" للسيطرة على مضيق هرمز في المنطقة.
وفي السياق، علّق الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، أمس الأحد، على تهديدات ترامب، مؤكداً أن إيران "ستردّ على تهديدات الأعداء في الميدان". وقال إن الحديث الأميركي عن إزالة إيران من الخريطة "يعكس حالة من العجز واليأس أمام إرادة الشعب الإيراني صانع التاريخ". وأضاف بزشكيان عبر منصة "إكس"/ أن التهديدات والاغتيالات "لا تؤدي إلا إلى زيادة تماسك الشعب الإيراني"، مشيراً إلى أن مضيق هرمز سيظل مفتوحاً أمام الملاحة الدولية باستثناء السفن التابعة لما سماه “الجهات المعتدية". وأكد أن بلاده ستردّ بـ"حزم" على التصريحات "المرتبكة" والتهديدات "غير المحسوبة"، وأن الرد سيكون "عملياً على أرض الواقع".
