Arab
يتّجه الميدان العسكري إلى مزيدٍ من التصعيد بين إسرائيل وحزب الله، في وقتٍ لا خروق تُسجَّل على مستوى الحل الدبلوماسي، رغم الحراك المكثَّف، ولا سيما الذي يقوده الطرف الفرنسي من أجل منع انزلاق الوضع إلى حرب أكثر توسَّعاً، والاتصالات اللبنانية على خطّ المجتمع الدولي الداعية إلى التدخل لوقف العدوان أو لجمه.
ومع دخول المواجهات أسبوعها الرابع، كثّف الاحتلال الإسرائيلي من ضرباته للعمق اللبناني، معززاً سياسة عزل جنوب نهر الليطاني، سواء عبر تهجير السكان وتوسعة إنذارات الإخلاء وتدمير القرى، أو استهداف البنى التحتية، خاصةً الجسور، بما يقطع أوصال المناطق الجنوبية، والإمدادات الإنسانية، بزعم منع خطوط الإمداد عن حزب الله. أعنفها كان أمس الأحد، باستهداف جسر القاسمية عند الأوتوستراد الساحلي، أحد أهم الجسور الرئيسية جنوباً، وذلك في تطوّر ميداني كبير، يُبقي المعركة مفتوحة وبلا أي أفق.
ووسّعت إسرائيل في الأيام الماضية من ضرباتها على بنى تحتية جنوبية، بما يفاقم معاناة السكّان، حيث استهدفت محطة تحويل الكهرباء الرئيسية في السلطانية – قضاء بنت جبيل، ما أدى إلى انقطاع التيار الكهربائي عن أكثر من 60 بلدة، وذلك في وقتٍ يواصل فيه جيش الاحتلال توغلاته البرية، وحشد فرقه العسكرية على الحدود، في ظلّ صعوبات يواجهها في تثبيت مواقعه في الداخل، على وقع الاشتباكات المسلحة المباشرة التي يخوضها مع حزب الله، خاصة على محوري الخيام والناقورة.
من جهته، يواصل حزب الله عملياته العسكرية ضدّ قواعد عسكرية ومدن ومستوطنات إسرائيلية، مسجلاً أمس 63 عملية، وهو حصاده اليومي الأعلى منذ 2 مارس/آذار الجاري، تاريخ بدء العدوان الموسّع، مستخدماً الأسلحة النوعية الصاروخية والمسيّرات الانقضاضية والقذائف المدفعية، مؤكداً استمراره في عملياته، والتصدّي للتوغل البري الإسرائيلي، بمعزل عن المسار الدبلوماسي الذي تسلكه الحكومة اللبنانية، حتى وقف إسرائيل اعتداءاتها، وانسحابها من الأراضي المحتلة، وإطلاق سراح الأسرى اللبنانيين في سجونها.
تأتي هذه التطورات الميدانية، بينما يشهد الداخل اللبناني انقسامات على أكثر من مستوى، الأبرز أولاً الخلاف الدائر حول ملف التفاوض مع إسرائيل، في ظلّ تمسّك رئيس البرلمان نبيه بري بآلية لجنة مراقبة وقف العمليات العدائية (ميكانيزم)، ورفضه تبعاً لذلك تسمية ممثل عن الطائفة الشيعية في وفد لبنان المفاوض، من دون تسجيل أي خرق حتى الساعة.
وبحسب معلومات "العربي الجديد"، فإنّ رئيسي الجمهورية جوزاف عون والحكومة نواف سلام يتمسكان بالمفاوضات المباشرة، ويسعيان لتشكيل وفد متناغم، جامع، يحمل أجندة ثوابت واضحة تحظى بتوافق داخلي، خاصة على مستوى التشديد على ضرورة وقف الاعتداءات الإسرائيلية وانسحاب إسرائيل من النقاط المحتلة جنوباً، وإطلاق سراح الأسرى، انطلاقاً من مبادرة عون، في إطار المسار التفاوضي.
على المستوى الثاني، تتصاعد حدّة الخطاب التحريضي في الداخل، ولا سيما في ملف النازحين، والتحذير من تغلغل عناصر حزب الله بينهم، تحضيراً لسيناريوهات أمنية داخل بيروت، كان آخرها متّصلاً بهجوم سياسي واسع من معارضي الحزب على إقامة مركز إيواء في الكارنتينا، على مقربة من المرفأ، باعتباره غطاء لإطباق الحزب على المنطقة، ما دفع إلى تدخل عددٍ من النواب عند سلام لوقف المشروع، الأمر الذي استدعى التأكيد الرسمي بأن الموقع يجري تجهيزه في إجراء احتياطي، لا للاستخدام الفوري، مع تأكيد أيضاً أن المنطقة تخضع لإشراف الجيش والقوى الأمنية المختصة.
وفي قراءة للتطورات، يقول الكاتب والباحث الاستراتيجي العسكري علي حمية، لـ"العربي الجديد"، إن "الإسرائيلي يعيش في حالة حرجة على الحدود، بعد استخدامه الفرقة 36 الأعظم لديه، وحشده الفرق العسكرية، حيث تعرّضت تجمعاته ودباباته للاستهداف والتدمير، ولم يتمكن من الدخول إلى بلدة الناقورة، التي شهدت في الساعات الماضية اشتباكات مباشرة، الأمر الذي يدفعه إلى اتباع سياسة تدمير البنى التحتية بما هو عامل تخريبي، يضغط من خلاله على الحكومة اللبنانية والشعب اللبناني".
ويعتبر حمية أن استهداف الاحتلال للجسور، آخرها جسر القاسمية، يأتي في سياق العمل التخريبي، بحيث أصبح ثابتاً أن العدو لا يعلم طرق الإمداد لدى حزب الله، ولا أحد أساساً يعلم بها، خاصة أن هذا الجسر بالذات من الجسور الرئيسية المدنية بامتياز، والذي عليه مركزان للجيش اللبناني وقوات الأمم المتحدة المؤقتة (يونيفيل)، ولا يمكن بالتالي أن يكون طريق إمداد، عدا عن أنه لو كان بإمكان إسرائيل احتلال جنوب الليطاني، لما كانت قصفت الجسور، بل كانت ستتركها لعبور دبابات جيشها.
ويشير حمية إلى أن استهدافات إسرائيل لم تعد محصورة بالأهداف العسكرية، بل تطاول البنى التحتية والمدنيين والنازحين، في إطار الضغط على الداخل اللبناني، وإحداث فتن داخلية أيضاً من بوابة النازحين.
على صعيدٍ ثانٍ، يعتبر حمية أن لا شيء تغيّر ما بين حرب الـ66 يوماً (أكتوبر 2024 إلى نوفمبر 2024) واليوم، خاصة على صعيد التوغل البري، في ظل عمليات تصدّ حزب الله، حيث إن إسرائيل لم تتمكن من الدخول إلى لبنان وتدمير القرى الحدودية بشكل كبير، إلا بعد دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في 27 نوفمبر 2024، لكن ما تغيّر في المعادلة هو أن الإسرائيلي لم يكن يحسب أي حساب لجبهة لبنان، وفوجئ من خلال هذه المعركة بأن حزب الله بات أقوى مما كان عليه.
وفي وقتٍ يرى حمية أن لبنان يجب أن يكون مرتبطاً بالمفاوضات التي تحصل بين إيران وأميركا وإسرائيل، ويحصل على مكاسب، أقله الانسحاب الإسرائيلي وعودة النازحين وإعادة الإعمار وإطلاق سراح الأسرى ووقف الاعتداءات، يعتبر في المقابل أن لبنان لا يستخدم أوراق القوة لديه في ظل الانقسامات الداخلية والتناقض الحاصل بشأن التفاوض، فهناك من يفاوض على مكاسب مستقبلية، وآخر يفاوض على قوته السياسية، وهناك من يفاوض على قوته العسكرية، وهذا المسار لا يمكن أن يأتي بالنفع على لبنان.

Related News
«دورة ميامي»: تسيتسيباس وبيريتيني يودعان البطولة
aawsat
10 minutes ago
رئيس الاتحاد الفرنسي: أعرف مدرب المنتخب المقبل
aawsat
14 minutes ago