Arab
عام 2009، حاول رجل وشريكاه طرد أفراد من مجتمع تشوشاغاستا الأصلي، شمالي الأرجنتين. ادّعوا ملكية الأرض، واستقووا بأسلحة نارية، فقتلوا زعيم المجتمع، خافيير تشوكوبار. وُثّقت الجريمة بالفيديو. بعد تسع سنوات من الاحتجاجات، فُتحت القضية (2018). في هذه الفترة، ظلّ القتلة طلقاء.
في فيلمها الخامس، "أرضنا" (2025)، المعروض أولاً في الدورة الـ82 (27 أغسطس/آب ـ 6 سبتمبر/أيلول 2025) لمهرجان فينيسيا، تتخلّى الأرجنتينية لوكريثيا مارتِل عن الخيال، وتنغمس في عالم الوثائقي (الأول لها)، من دون التخلي عن هاجسها الدائم: كيف تستمرّ التصدّعات التاريخية في الأرجنتين (والقارة اللاتينية) في الظهور راهناً. يلخّص الفيلم مسيرة فنية، لطالما تميّزت بالتماسك المفاهيمي والثراء الشكلي، اللذين تناولت بهما السينمائية الواقع الأرجنتيني واللاتيني.
يبدأ "أرضنا" بمحاكمة عام 2018، بتهمة قتل تشوكوبار في منطقة مجتمع دياغويتا بلوس تشوشاغاستا (مقاطعة توكومان)، على أيدي مالك الأرض داريو أمين، وضابطي شرطة سابقين كانا يرافقانه. قاعة المحكمة، المُصوَّرة بتوتّر ينقل شعوراً بالانحباس، لا تُمثل نهاية بل بداية. شهادات المُتّهمين تفتح الباب أمام دراسة أعمق: النزاع على الأرض. تنتقل الكاميرا من قاعة المحكمة إلى المنطقة المعنية، المُصوَّرة بلقطات جوّية، تُظهر مركزيتها كشاهد صامت على التاريخ.
لكن مارتِل لا تقتصر على تلك الجريمة، التي وثقتها الكاميرا الرقمية للقاتل، وانتشرت صُورها لاحقاً على يوتيوب (تسجيل مدّته أقلّ من دقيقتين، يستخدمه الفيلم أحد عناصره الأساسية)، بل تتجاوزها لتتأمّل في الخطاب التاريخي للطبقات المهيمنة، الذي أدّى إلى تلك الجريمة. لوهلة، يظنّ المرء أن فيلماً كـ"أرضنا"، بالتزامه السياسي القوي، لا يمت بصلة بالأفلام السابقة لمارتِل، الروائية كلّها. الطبيعة الوثائقية للمشروع (تركيز على حدث محدّد، شفافية متعمّدة لسرد تطوّره) ربما تكون مُضلّلة. هناك حداثة واضحة فيه، لا سيما في النهج الشكلي لموضوعه. لكن نظرة فاحصة على عالمها الإبداعي تكشف أن الشواغل المحورية لـ"أرضنا" (إبراز وجود الشعوب الأصلية، العنف المادي والرمزي الذي مارسته الطبقات المهيمنة ضدها) حضرت منذ أول روائي لها، "المستنقع" (2001)، الذي يُعدّ من أوائل المحطات البارزة لما بدأ يُعرف آنذاك باسم السينما الأرجنتينية الجديدة.
في "الفتاة المقدّسة" (2004) و"المرأة مقطوعة الرأس" (2008)، مثّل الهنود طبقة مُقدّمي الخدمات، فتيات الكرنفال اللواتي يجمعن الكؤوس المتكسّرة من أرضيات أصحاب العمل، بل حتى أصحاب العمل أنفسهم، المنهارين بسبب النبيذ المُضاف إليه مكعبات الثلج (كما في الأداء الرائع لغراسييلا بورخيس في "المستنقع")، لم يتوقّفوا عن التذمّر، بل وصل بهم الأمر إلى الشكّ في سرقة مناشفهم.
كما يُظهر "أرضنا"، جرّدت الأسرُ البيضاء العائلات الأصلية من أراضيها التاريخية، وأزهقت أرواح أفرادها، كما في "زاما" (2017)، بينما سمح حاكم مملكة إسبانيا (مهما تضاءلت سلطته) بتوزيع أراضٍ لا يملكها على مُغتصبين، جاؤوا للاستيلاء عليها.
في فيلمها القصير "نويفا أرغيروبوليس" (2010)، المُنجز إحياءً للذكرى المئوية الثانية لتأسيس الأرجنتين، استكشفت مارتِل مسألة الهوية الوطنية، بإعادة تفسير الاقتراح الطوباوي لدومينغو ف. سارمينتو، الرئيس السابع للأرجنتين (1868 ـ 1874)، عام 1850، لمدينة عاصمة على نهر بارانا، مع التركيز على المجتمعات الأصلية التي تتنقّل في الأنهار على متن طوافات، في تحدٍّ للمفاهيم التقليدية للهويتين الوطنية والمركزية، والماضي الاستعماري. ثماني دقائق من البلاغة الاستثنائية، تنبئ بالعنف المؤسّسي المُصوَّر في "أرضنا". عنف اختبرته الشعوب الأصلية منذ الحقبة الاستعمارية، وهذا وضعٌ لم يتغيّر مع التحرّر السياسي، كما يتضح من الجريمة التي، بعد مرور 200 عام، تُمثّل جوهر وثائقي مارتِل.
في "أرضنا"، تكشف مارتِل، عبر قضية مُحدّدة، جذور النهب المستمر الذي عانته الشعوب الأصلية على أيدي أفراد الطبقات الحاكمة البيضاء. يستثمر محاكمة قتلة تشوكوبار عنصراً أساسياً في أسلوبه المسرحي: أمام المحكمة، يفترض الجناة (كما في أفلام الغرب الأميركي) أن وثائقهم كافية لتبرير امتلاكهم الأرض، متجاهلين المطالبات التاريخية لمجتمع تشوشاغاستا الأصلي. أمام مؤسّسة قضائية تنظر إليهم كغرباء، لا يتعيّن على عائلة الضحية إثبات أن أسلافهم سكنوا تلك الأراضي، وعملوا فيها قبل الاستقلال فحسب، بل يُجبرون أيضاً على إثبات وجودهم نفسه، في مواجهة شهادات مؤرّخين يدّعون أن هذا المجتمع انقرض عام 1807. بعبارة أخرى، فُرضت لغة استعمارية على أراضي أميركا اللاتينية، ولا تزال تُمارس حتى القرن الـ21.
"ليس لشعب تشوشاغاستا سمات مميّزة". هكذا يُعلن مؤرخ أبيض بتعجرف، بينما تكشف كاميرا مارتِل وجوه أفراد المجتمع، لتُفنّد كلامه. إنهم أحفاد أولئك الذين نجوا من المجازر المشار إليها في "زاما". هنّ شقيقات الخادمات الخفيات في "المستنقع" و"الفتاة المقدّسة"، وقريبات الطفلة التي دُهست، من دون تبعات قانونية، في "المرأة مقطوعة الرأس". ضدّ هذه المظالم نفسها، تنتفض مارتل الآن، بقوة أكبر، وبشكل أوضح، متجنّبة الوصول إلى استنتاجات قاطعة، أو إجابات نهائية. تُفضّل إظهار صمود مجتمعٍ يقاوم هياكل سلطة تسعى إلى تهميشه.
هكذا، يتناول الوثائقي ذاكرة جماعية مُلطّخة بالاستغلال، ومسارَ مخرجة تُعيد تسليط الضوء على الانقسامات الاجتماعية في بلدها، ليغدو فيلمها مثالاً نموذجياً يختصر ليس فقط السينما الأرجنتينية، بل البلد كله، بهويته الفنية القوية، وجماله العريق، وأيضاً بأعمق صراعاته وأكثرها إيلاماً.
