إنزال العلم السوري بعين العرب... حادثة فردية في مسار هش
Arab
2 days ago
share
أعادت حادثة إنزال شاب كردي العلم السوري خلال احتفالية في مدينة عين العرب (كوباني)، شمال شرقي سورية، أول من أمس السبت، وما تبعها من حملات تحريض عبر وسائل التواصل الاجتماعي، واحتكاكات ذات طابع قومي في بعض المناطق، لا سيما في حلب، التوتر في المنطقة إلى الواجهة. يأتي ذلك بعد فترة من الأجواء الإيجابية التي سادت في سورية عقب الاتفاق الأخير بين الحكومة السورية و"قوات سوريا الديمقراطية" (قسد) نهاية يناير/ كانون الثاني الماضي، وفي ظل مخاوف من أن تتحول الحوادث الفردية إلى عامل تعطيل لمسار التفاهمات بين الطرفين. وجاءت الواقعة في وقت كانت فيه مناطق شمال شرق سورية تشهد أجواء احتفالية بعيد النوروز، بداية السنة الجديدة في التقويمين الفارسي والكردي، وسط رسائل تهدئة صدرت عن قيادات في "قسد" والمجلس الوطني الكردي، إضافة إلى تصريحات من مسؤولين حكوميين سوريين شددت على ضرورة الحفاظ على السلم الأهلي. غير أن انتشار مقطع فيديو يظهر الشاب وهو يُنزل العلم السوري فجّر موجة واسعة من الجدل، سرعان ما تحولت إلى ردات فعل غاضبة في عدة مناطق، رافقها خطاب تحريضي على وسائل التواصل الاجتماعي. تصعيد بعد حادثة إنزال العلم السوري في موازاة ذلك، شهدت مدينتا القامشلي والحسكة تصعيداً لافتاً، حيث أقدم عناصر مما يسمى "الشبيبة الثورية" على مهاجمة مقار تابعة لقوى الأمن الداخلي، وتكسير سياراتها، وإحراق أعلام، إضافة إلى اقتحام مواقع أمنية. كما أفادت مصادر محلية بقيام مجموعات من "الشبيبة" بإنزال العلم السوري من فوق مطار القامشلي الدولي، في خطوة اعتُبرت تصعيداً خطيراً يمس رمزية الدولة. ودفعت هذه التطورات قوى الأمن الداخلي (الأسايش) إلى فرض حظر تجول جزئي في المدينتين، في إجراء احترازي لمنع تفاقم الأوضاع.  من جانبه، دعا المتحدث باسم الفريق الرئاسي السوري المشرف على تنفيذ اتفاق الـ29 من يناير، مع "قسد" أحمد الهلالي جميع المواطنين في المناطق السورية إلى التهدئة والتحلي بالمسؤولية. وشدد في تصريح لمديرية إعلام الحسكة على أن الحادثة لن تؤثر على مسار تنفيذ الاتفاق بين الحكومة السورية و"قوات سوريا الديمقراطية"، والذي يتضمن دمج المؤسسات في مناطق شمال شرق البلاد مع الحكومة. وأكد الهلالي أن فريقه يتابع من كثب "بقلق بالغ" ما جرى من أحداث وتجاوزات على خلفية الاعتداء على العلم السوري مشيراً إلى أن ردات الفعل الشعبية شملت مناطق عدة، مثل عفرين، شمالي البلاد، ومحيطها. كما دان "أي اعتداء على الرموز الوطنية"، مؤكداً رفض أي أعمال انتقامية ضد المدنيين أو تجاوزات في حقهم. وكرر أن الدولة، من خلال مؤسساتها الأمنية والقضائية، هي الجهة الوحيدة المخولة إنفاذ القانون ومحاسبة المخالفين.  في سياق متصل، قال قائد الأمن الداخلي في حلب العقيد محمد عبد الغني، في بيان نشرته محافظة حلب، إن "المساس برموز الدولة، وعلى رأسها العلم السوري يعد خطاً أحمر". وأشار إلى أن الجهات الأمنية لن تتهاون مع أي حالات تعدٍّ على المدنيين، محذراً من أي محاولات للمساس بوحدة الوطن.  من جانب آخر، دعا معاون وزير الدفاع السوري لشؤون المنطقة الشرقية سمير علي أوسو، في بيان، إلى التهدئة وعدم الانجرار وراء "الفتنة" التي تسعى بعض الأطراف لبثها بين مكونات الشعب السوري. وأكد أن بعض الجهات تحاول استغلال الحوادث الفردية مثل حادثة إنزال العلم السوري للتسبب في انقسام داخلي بين السوريين، مشدداً على رفض أي إساءة للعلم أو للمكونات المجتمعية في البلاد. وقال إن القانون سيأخذ مجراه في معاقبة كل من يهدد الاستقرار والأمن. وأمس الأحد، ذكرت وكالة الانباء السورية (سانا)، أن الرئيس السوري أحمد الشرع "استقبل في قصر الشعب بدمشق وفداً من أبناء المكوّن الكردي بمناسبة عيد الفطر... وعيد النوروز، بحضور محافظي حلب والرقة والحسكة والمبعوث الرئاسي لمتابعة تنفيذ اتفاق الـ29 من كانون الثاني مع قسد". وأضافت أن الشرع أكد أن نوروز عيد وطني يعكس خصوصية المكوّن الكردي، وأن الشعب السوري واحد، وشدد على أن ضمان حقوق أبناء المكوّن الكردي حق أصيل، وأن التنوع الثقافي في سورية يمثل مصدر قوة". ونقلت "سانا" عن الحضور إشادتهم "بالمرسوم الرئاسي رقم 13 لعام 2026 (الاعتراف بالحقوق الثقافية واللغوية والمدنية للمواطنين السوريين الأكراد) لضمان حقوق الكرد في سورية، مؤكدين أهمية ترسيخ الوحدة الوطنية وتعزيز التشاركية، وحصر السلاح بيد الدولة". تصرف فردي في هذا الصدد، قال شلال كدو، رئيس حزب الوسط الكردي في سورية، أحد أحزاب المجلس الوطني الكردي، لـ"العربي الجديد"، إن إنزال العلم "تصرف فردي من شاب طائش"، مشيراً إلى أن الجهات المعنية اعتقلته فوراً، إلا أن الحادثة "أدت إلى ردات أفعال وكذلك أفعال معاكسة". وأضاف كدو أن ردات الفعل الشعبية كانت "مبالغاً بها إلى حد كبير"، لافتاً إلى أن مناطق عدة شهدت تحريضاً على الأكراد بعد انتشار الفيديو، ما أدى إلى ردات أفعال غير متوازنة في حلب ودمشق وعفرين. وشدد على أن مسؤولية الدولة الأساسية تتمثل في "تطبيق القانون على الجميع وضبط الأفعال وردات الأفعال، ومنع تكرار مثل هذه الحوادث التي قد تخرج عن السيطرة في المستقبل". شلال كدو: استكمال دمج المؤسسات الأمنية والعسكرية من شأنه أن يعزز الاستقرار رغم ذلك، استبعد كدو أن تؤدي الحادثة إلى تعطيل مسار الاتفاق بين الحكومة السورية و"قسد"، مؤكداً أن عملية الدمج بموجب اتفاق 29 يناير "تسير بشكل جيد في معظم المناطق، رغم وجود بعض التباطؤ في أماكن محددة". وأشار إلى أن استكمال دمج المؤسسات الأمنية والعسكرية من شأنه أن يعزز الاستقرار في المناطق التي كانت خاضعة للإدارة الذاتية (التابعة لقسد). من جهته، رأى المنسق العام للحركة الكردستانية المستقلة في سورية زيد صفوك، أن ما جرى "متوقع في ظل الواقع السوري المعقّد"، موضحاً لـ"العربي الجديد" أن البلاد عاشت أكثر من 14 عاماً من الحروب والنزاعات والصراعات ذات الطابع الطائفي، ما خلّف حالة عميقة من الاحتقان وفقدان الثقة بين المكونات. وفي رأيه، فإن هذه التراكمات تجعل من الصعب معالجة آثار الأزمة خلال فترة قصيرة، مشيراً إلى أن السوريين بحاجة إلى "مصالحة وطنية حقيقية تنطلق من القاعدة الشعبية، وتُتوّج بانتخابات حرة تحدد من يمثل الشعب". وأضاف صفوك أن غياب التمثيل الحقيقي للمكونات المختلفة يهدد أي اتفاق بين الحكومة و"قسد"، بما في ذلك مسار الدمج العسكري أو الإداري. واعتبر أن نجاح الاتفاقات الحالية يتوقف على معالجة جذور الأزمة، وليس الاكتفاء بالحلول الشكلية، محذراً من أن استمرار الاحتقان الشعبي قد يجعل هذه الاتفاقات "هشة وقابلة للانهيار عند أول اختبار ميداني". موجة تحريض وفي قراءة للحادثة، قال المحلل السياسي الكردي عبد الحليم سليمان، المقيم في القامشلي، إن الخطأ الأكبر هو إخراج حادثة إنزال العلم من سياقها، وربطها بصورة عامة بالأكراد، مشيراً في حديث لـ"العربي الجديد" إلى أن ما جرى جاء في ظل "موجة كراهية وتحريض متزايدة ضد الأكراد"، رغم وجود اتفاق سياسي بين الحكومة السورية و"قسد". عبد الحليم سليمان: الليلة التي سبقت عيد نوروز شهدت اعتداءات على محتفلين في كوباني والطريق بين حلب وعفرين وأوضح سليمان أن الليلة التي سبقت عيد نوروز شهدت اعتداءات على محتفلين في مدينة كوباني (عين العرب)، إلى جانب حوادث مشابهة على الطريق بين حلب وعفرين، ما يدل على أن التوتر لم يكن مرتبطاً بحادثة العلم وحدها، بل بتراكمات سابقة. وقال إن الشاب الذي أنزل العلم، "بغض النظر عن دوافعه، سواء كانت أيديولوجية أو مرتبطة بالغضب بسبب وجود أسرى لدى الحكومة، فإن ما قام به كان مرفوضاً رسمياً وشعبياً"، إلا أن انتشار الفيديو وسرعة استغلاله سياسياً وإعلامياً هو ما ساهم في تفجير الأزمة. وفي رأيه، فإن المشكلة الأعمق تتعلق بالإرث السياسي والنفسي المرتبط بالعلم السوري لدى جزء من الشارع الكردي، موضحاً أن الأكراد رفعوا هذا العلم في بداية الثورة (2011)، لكن مناطقهم تعرضت لاحقاً لاعتداءات من فصائل كانت ترفع العلم نفسه، ما جعل القبول به مسألة حساسة تحتاج إلى مصالحة حقيقية، لا إلى فرض بالقوة أو ردات فعل غاضبة، حسب تعبيره. وفي ما يتعلق بمصير الاتفاق بين الحكومة السورية و"قسد"، رأى سليمان أن تنفيذ الاتفاق يواجه أساساً "عبئاً كبيراً"، حتى من دون حوادث مثل هذه، مشيراً إلى أن التوترات الأخيرة قد تؤدي إلى إبطاء التنفيذ لأنها تشوش على الأجواء العامة. ولفت إلى وجود أصوات قريبة من السلطة "غير راضية عن تنفيذ الاتفاق، خصوصاً في مسألة تعيين قيادات من قوات سوريا الديمقراطية" (في مراكز عسكرية)، مشيراً إلى أن هذه الأصوات تشن حملات تحريض وسخرية، وتدعو إلى رفض أي خطوات توافقية بين الطرفين. مع ذلك، أكد سليمان أن الطرفين، الحكومة السورية و"قسد"، ما زالا أكثر حرصاً على تنفيذ الاتفاق من إفشاله، مشيراً إلى أن الأجواء العامة خلال الفترة الماضية كانت تميل إلى العمل المشترك لتنفيذ بنود اتفاق 29 كانون الثاني، رغم محاولات بعض الأطراف تعطيله.

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows