Arab
تبدي تركيا اهتماماً لافتاً بلبنان والتطوّرات فيه، في تصريحات مستمرّة للرئيس رجب طيّب أردوغان ووزير الخارجية هاكان فيدان، كما بات الملفّ في جدول الأعمال السياسي والإعلامي لأنقرة بشكل جدّي. وفي خلفية هذا الاهتمام، يمكن الحديث عن أسباب مركزية عدّة تشمل نظرة تركيا إلى نفسها قوة إقليمية كُبرى لا يمكن تجاوزها في التعاطي مع أزمات المنطقة، خصوصاً في المحيط الجيوبوليتيكي المباشر، والعلاقات الثنائية الممتدّة مع لبنان، والرغبة في مساعدة البلد الصغير الجميل الفريد على تجاوز أزماته، مع حذرٍ من احتمال أن تفيض أزماته إلى الجوار، وتحديداً إلى سورية الجديدة التي تعني كثيراً لتركيا. وبالطبع، هناك التوجّس والريبة تجاه سياسات بنيامين نتنياهو الحربجية في المنطقة، إضافة إلى الموقف التركي من الحرب الإسرائيلية الأميركية ضدّ إيران، والتحذير من العامل، بل الجوهر الإسرائيلي فيها وتأثيراته السلبية في لبنان والمنطقة.
شاركت تركيا في قوات "|يونيفيل" منذ تأسيسها، وتبدي أنقرة انفتاحاً تجاه المشاركة في قوة استقرار دولية أخرى يُفترض تشكيلها بعد انتهاء تفويض "يونيفيل" نهاية 2026
إذن، تبدي تركيا اهتماماً واضحاً بلبنان، خصوصاً بعد الحرب الإسرائيلية الأميركية ضدّ إيران، والهجمات الإسرائيلية المنفلتة ضدّ لبنان، مع تصريح لافت للرئيس أردوغان يحذّر فيه من إبادة إسرائيلية هناك، كما حصل سابقاً في غزّة، وأعطى وزير الخارجية هاكان فيدان حيّزاً مهماً للحديث عن لبنان في فعالياته ولقاءاته المتواصلة مع نظرائه في المنطقة والعالم، وسياسة التهجير والتدمير المتعمّد، والتحذير من احتمال انهيار البلاد كلّها تحت وطأة الانفلات الإسرائيلي، والتداعيات السلبية لذلك على دول الجوار وسورية وعموم المنطقة.
يمكن وضع هذا الاهتمام في سياقات عدّة، منها نظرة تركيا إلى نفسها قوة إقليمية لا بدّ من أن تكون حاضرة في حلّ أزمات ومشاكل المنطقة، خاصّة في المحيط الجيوبوليتيكي العربي - الإسلامي المباشر، مع غياب أي حساسية عربية ودولية، أو لبنانية بالطبع، تجاه الحضور التركي، بل على العكس، ثمّة انفتاح وترحيب رسمي وشعبي، وتشجيع على انخراط تركيا بمصادر قوتها المتعدّدة في حلّ وتهدئة الأوضاع، وإيجاد حلول جذرية ومستدامة للأزمة اللبنانية. في السياق الثنائي، هناك العلاقات التاريخية والجيّدة مع لبنان، سواء في الجمهورية الأولى (1943 - 1990) زمن تركيا القديمة الأتاتوركية، وهي علاقات تطوّرت أكثر مع الجمهورية الثانية (1990 - 2005)، ومع تركيا الجديدة "الأردوغانية"، بالتزامن مع انتهاء الحرب الأهلية واتفاق الطائف، ومشروع رفيق الحريري، وامتلاكه علاقات واستثمارات خاصّة في تركيا، إذ تحدّث أردوغان مراراً عن لبنان – الحريري، والبلاد التي كانت في طريق التنمية والازدهار.
ثنائياً، تجب الإشارة كذلك إلى اتفاقية حرية الحركة للمواطنين والبضائع مع لبنان عام 2010 (وسورية والأردن)، أو سوق "المائة مليون نسمة"، بحسب التعبير الحرفي لأردوغان، وهي اتفاقية عرقلها تعاطي بشّار الأسد الدموي مع الثورة السورية، مع عمل جدّي الآن لعودة العمل بها بعد سقوطه، لدعم مساعي التعافي في سورية الجديدة ولبنان الجديد، وتحديثها شكلاً ومضموناً، بعدما باتت، في الحقيقة، سوق الـ"130 مليون".
في الاهتمام التركي بلبنان، هناك مسألة الحدود البحرية المهمّة جدّاً، إذ يمكن اعتبار لبنان جاراً لتركيا، ولو من ناحية قبرص الشمالية (التركية)، بينما كان لافتاً حرص أنقرة على الهدوء وعدم التصعيد، رغم التحفّظ على اتفاقية ترسيم الحدود البحرية بين لبنان وقبرص الجنوبية (الرومية)، مع وضع فكرة ترسيم الحدود البحرية مع كلّ من سورية ولبنان في جدول الأعمال، ولو في المديَين المتوسّط والبعيد.
لبنانياً أيضاً، يجب التذكير بمشاركة تركيا في قوات الأمم المتحدة في جنوب لبنان (يونيفيل) منذ تأسيسها، ثم توسيعها بعد حرب 2006، كما تبدي أنقرة انفتاحاً تجاه المشاركة في قوة استقرار دولية أخرى يُفترض تشكيلها بعد انتهاء تفويض "يونيفيل" نهاية العام الجاري (2026)، والانخراط في الجهود السياسية لتطبيق قرار 1701 محدثاً مرّة أخرى، أو أي اتفاق جديد قد يتم التوصّل إليه، ويشبه وقف إطلاق النار أخيراً في غزّة لوقف الاعتداءات الإسرائيلية، وتمكين الدولة اللبنانية (الجمهورية الثالثة) من فرض سيادتها وسلطتها، واحتكار وحصر امتلاك السلاح في أراضيها كاملة. كما كان الحال مع اتفاق السوق المشتركة، تحضر سورية دوماً في النظرة التركية تجاه العلاقات مع لبنان، والتواصل البرّي المباشر بين البلدَين عبر الأراضي السورية، ومن هنا تمثّل العلاقة مع سورية الجديدة عاملاً إضافياً لتقوية العلاقات الثنائية مع لبنان، والثلاثية الجماعية كذلك.
في الاهتمام التركي بلبنان، تحضر تداعيات الأحداث هناك على المنطقة برمّتها، وانهيار البلد (لا سمح الله) تحت وطأة العدوان الإسرائيلي المنفلت، يعني أن أزمته ستفيض على دول الجوار، تحديداً سورية الجديدة، وسيرورة النهوض والتنمية والأمن والاستقرار فيها.
يترجم الاهتمام التركي بالمنطقة إلى عمل دبلوماسي دؤوب لوقف إطلاق النار في إيران ولبنان
في خلفية الموقف التركي وحسابات أنقرة، يحضر كذلك العامل الإسرائيلي، والحذَر تجاه السياسات الحربجية لنتنياهو، وسعيه المنهجي إلى إبقاء التوتر وتأجيجه، وحالة عدم الاستقرار، وإشاعة الفوضى، لمنع سيرورة النهوض والتنمية والاستقرار في لبنان وسورية والمنطقة، وتكريس الهيمنة الإسرائيلية عليها. في الخلفية كذلك نلحظ المقاربة التركية الرافضة للحرب الإسرائيلية - الأميركية ضدّ إيران، وتداعياتها على لبنان وسورية وتركيا والمنطقة بشكل عام. ويتداخل ذلك مع الحذر والريبة والشكّ تجاه العامل والجوهر الإسرائيلي فيها، وسياسة الإبادة والقتل والتدمير والتهجير، وتعمّد نشر الفوضى في لبنان، ووضعه على حافة الانهيار، مع الإشارة إلى الموقف التركي الداعي لتنفيذ اتفاق وقف النار (27 نوفمبر/ تشرين الثاني 2024) هناك. ورغم المماطلة والتذاكي والتعاطي غير الإيجابي من حزب الله، فإن أنقرة تحمّل المسؤولية الكُبرى للجانب الإسرائيلي، الذي واصل العدوان والهجمات، ولم يعطِ الفرصة لتنفيذ لبنان الهادئ للاتفاق، بما في ذلك نزع سلاح حزب الله، وفرض الدولة سيطرتها وسيادتها على أراضيها كاملة.
تجب الإشارة إلى ترجمة هذا الاهتمام التركي إلى عمل دبلوماسي دؤوب لوقف إطلاق النار، أولاً في إيران ثم في لبنان، من خلال تنسيق مستمرّ مع الإدارة الأميركية والسفير لدى أنقرة، توم برّاك، وإلى استعداد للمساهمة في التوصّل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار والحرب نهائياً، وتحمّل المسؤولية في سياقاتها المختلفة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والعسكرية والأمنية، بما في ذلك ضمان تنفيذ الاتفاق وفق أي آلية يجري التوافق عليها، بموازاة مساعٍ لاستشراف معالم اليوم التالي للحرب في لبنان والمنطقة بشكل عام، ضمن إطار عربي إسلامي واسع يضمّ دول الخليج العربي وتركيا وباكستان، وفتح الباب أمام سورية الجديدة ولبنان الجديد للانضمام إلى هذا الإطار، مع التذكير مرّة أخرى بقبول البيئة السياسية الرسمية والشعبية اللبنانية، بمعظم توجّهاتها، لتركيا وقوتها الناعمة، المتمثّلة بمنتجاتها الصناعية والتكنولوجية والثقافية والفنّية، كما السياحة المزدهرة، وسياسة الأبواب المفتوحة تجاه لبنان والدول العربية.

Related News
الحرب تفاقم فاتورة استيراد النفط في اليمن
alaraby ALjadeed
15 minutes ago
الصراع على «هرمز» يهدد محطات الطاقة
aawsat
16 minutes ago
أوامر إسرائيلية بتدمير جسور «الليطاني»
aawsat
19 minutes ago
موسكو تتوقع «تدهوراً أسوأ» في الأسبوع الرابع من الحرب
aawsat
23 minutes ago