لبنان: مركز إيواء في بيروت يفجّر جدالاً سياسياً اجتماعياً
Arab
1 hour ago
share
في وقت يعاني فيه لبنان من نقص مراكز الإيواء المخصّصة للنازحين الذين هجّرهم العدوان الإسرائيلي، مع بلوغ المتوفّر منها طاقته الاستيعابية القصوى، ومع تخطّي عدد النازحين المليون، تقرّر أخيراً إنشاء مركز إضافي في محلّة الكرنتينا شرقيّ العاصمة بيروت، التي تُعَدّ من ضمن منطقة بيروت، الأمر الذي أثار جدالاً سياسياً اجتماعياً متصاعداً. وراحت تصدر مواقف مناهضة لإقامة المركز الذي بدأ العمل بتجهيزه أخيراً لاستقبال نازحين هجّرهم قصف الاحتلال الإسرائيلي وأوامر الإخلاء التي يصدرها جيشه، مع العلم أنّ هذه المواقف تحمل تواقيع سياسيين، من بينهم أعضاء في البرلمان اللبناني ووزراء سابقون ومسؤولون حزبيون، إلى جانب ناشطين ومؤثّرين على مواقع التواصل. ويأتي ذلك في وقت تعمد جهات إلى تقليب مكوّنات المجتمع اللبناني، أو "المجتمعات" في لبنان، بعضها على بعض، الأمر الذي يهدّد بانفجار داخلي. ويُعَدّ لبنان من بين أكثر البلدان تعقيداً على الصعيد الاجتماعي، على الرغم من صغر مساحته؛ 10,452 كيلومتراً مربّعاً. هو بلد التناقضات والمجتمعات القلقة التي تعيش في حالة دائمة من الترقّب والتوجّس. وتثير الحرب الإسرائيلية على لبنان قلق المواطنين بعضهم من بعض، عوضاً عن أن تدفع إلى خلاف ذلك؛ توحّد المكوّنات كلّها في مواجهة العدوان. ولعلّ آخر تجليات هذا القلق المجتمعي الواضح ما يُثار أخيراً في جدال سياسي اجتماعي حول مركز مستحدثٍ لإيواء العائلات النازحة من جنوب لبنان وضاحية بيروت الجنوبية خصوصاً، وذلك في نطاق مرفأ بيروت، بعدما ضاقت مراكز إيواء النازحين في العاصمة بهؤلاء الذين لجأوا إليها هرباً من القصف الإسرائيلي. ويعود أصل هذا الجدال إلى ما عبّر عنه نوّاب في البرلمان اللبناني، من دائرة بيروت الأولى في الشطر الشرقي من العاصمة، أي ما كان عُرِف بـ"بيروت الشرقية" منذ بدايات الحرب الأهلية؛ إذ عبّروا عن قلق إزاء إنشاء مركز المرفأ وخشية "استيطان" النازحين المنطقة. لا لبناء مركز إيواء في مرفأ بيروت؛ - يؤثر سلبا على حركة المرفأ ومدخل #بيروت - مخاوف السكان من توسع سكاني عشوائي لم يغب من الذاكرة - غير صالح بيئيا وصحيا ليكون منطقة سكنية#غسان_حاصباني #القوات_اللبنانية #الجمهورية_القوية pic.twitter.com/tJM3ZbJRLI — Ghassan Hasbani (@GhassanHasbani) March 21, 2026 وفي محاولة لاستيضاح الأمر، اتصل "العربي الجديد" بالنائب عن دائرة بيروت الأولى وممثّل حزب الكتائب اللبنانية في مجلس النوّاب نديم الجميّل، قال فيه إنّ اعتراضات نوّاب المنطقة جاءت بعد المباشرة بتجهيز مركز الإيواء الجديد الذي يتّسع، بحسب الجميّل، لما يتراوح ما بين 1,800 شخص و2,500، في حين لم يبلغ بعد المركز المخصّص للإيواء في "مدينة كميل شمعون الرياضية"، غربيّ العاصمة بيروت، طاقته الاستيعابية بعد. وأضاف الجميّل أنّ مركز المدينة الرياضية يستقبل ثمانين عائلة، فيما هو يتّسع لأكثر من سبعة آلاف شخص، ومجهّز بطريقة أفضل من مركز المرفأ. ولا يتوقّف اعتراض نوّاب دائرة بيروت الأولى عند العدد والاستيعاب، وأشار الجميّل لـ"العربي الجديد" إلى أنّ اعتراضهم مرتبط كذلك بعوامل إنسانية؛ فمركز الإيواء المستحدَث في نطاق المرفأ مفتوح وغير مهيّأ بجدران تقي النازحين ما ينتج عن العوامل الطبيعية من شتاء وبرد. ولم يخفِ المتحدث نفسه، في الإطار نفسه، أنّ نوّاب دائرة بيروت الأولى زاروا رئيس الوزراء اللبناني نوّاف سلام، وعرضوا هواجسهم وموقفهم من قضية مركز المرفأ، خصوصاً أنّ محافظ بيروت القاضي مروان عبود منح موافقته في هذا السياق: "لا مانع من استخدام المرفق". لن نقبل بتحويل منطقة الكرنتينا الى بؤرة أمنيّة، ومرفأ بيروت إلى مضيق هرمز ٢، عن قصد أو عن غير قصد.@MTVLebanonNews pic.twitter.com/fobLIGnKHX — Nadim Gemayel | نديم الجميّل (@nadimgemayel) March 21, 2026 وتفيد معلومات "العربي الجديد" بأنّ نوّاب دائرة بيروت الثانية لم يُبلّغوا بهذه الزيارة، الأمر الذي يعني أنّ الجدال المثار محصور بفئة دون أخرى. لكنّ هؤلاء يحاولون التواصل مع زملائهم في الندوة البرلمانية ومع المعنيين للاطّلاع على الأسباب الحقيقية لهذه المخاوف. لكنّ النائب عن دائرة بيروت الثانية فؤاد مخزومي نشر تدوينة على موقع إكس اليوم الأحد، توجّه فيها إلى رئيس مجلس الوزراء نوّاف سلام، طالبه فيها بتوضيح المتداوَل بشأن توجّه إلى "إنشاء مراكز إيواء كبيرة في الكرنتينا وساحة الشهداء (غربي بيروت)"، مشيراً، في الوقت نفسه، إلى "التقدير الكامل للبعد الإنساني الذي لا نقاش فيه"، ودعاه إلى "التراجع" عن هذا التوجّه، محذّراً من أنّ "أيّ خطوة من هذا النوع تحمل تداعيات تنظيمية وأمنية لا يمكن تجاهلها، ولا يجوز اتّخاذها من دون رؤية شاملة تأخذ بعين الاعتبار مصلحة المدينة وأهلها". وإذ أضاف أنّ "بيروت لم تعد تحتمل قرارات غير مدروسة"، طالب باعتماد "الوضوح" وبـ"التراجع عن هذا التوجّه". سؤال مباشر إلى دولة رئيس مجلس الوزراء القاضي نواف سلام: مع التقدير الكامل للبعد الإنساني الذي لا نقاش فيه، نطلب من دولتكم توضيح ما يتم تداوله حول التوجّه لإنشاء مراكز إيواء كبيرة في الكرنتينا وساحة الشهداء. وفي حال صحّة هذا الطرح، ندعوكم بكل احترام إلى التراجع عنه. إن أي خطوة… — Fouad Makhzoumi (@fmakhzoumi) March 22, 2026 ويُطرَح سؤالان: هل مركز الإيواء في المدينة الرياضية، غربيّ بيروت، ما زال خالياً بالفعل؟ وهل المركز المستحدث في الكرنتينا بنطاق مرفأ بيروت، شرقيّ العاصمة، غير مؤهّلٍ لاستقبال النازحين الذين يهجّرهم العدوان الإسرائيلي؟. للإجابة عليهما، تواصل "العربي الجديد" مع مسؤولين في منظمات دولية تشرف على إدارة عمل المركز المستحدث. يقول أحد المشرفين على عمل مركز الكرنتينا، من العاملين مع منظمة "أطباء بلا حدود"، إنّ المركز المستحدَث في المرفأ ليس "سوق السمك"، بحسب المتداوَل، إنّما هو مرفق تابع لإدارة الأسواق الاستهلاكية التي تشرف رئاسة الوزراء على عملها. ويلفت العامل مع منظمة "أطباء بلا حدود"، الذي فضّل عدم الإفصاح عن هويته، إلى أنّ الجهة التي تدير المرفق، الذي لم يبدأ العمل به رسمياً بعد، هي اللجنة الدولية للصليب الأحمر التي تتعاون في ذلك مع عدد من المنظمات الدولية الأخرى. وينفي بصورة قاطعة أن يكون للمركز المستحدث أيّ علاقة بحزب الله أو أيّ حزب آخر، مشدّداً على أنّ كلّ ما يُثار من قلق حوله هو في غير محلّه على الإطلاق، خصوصاً أنّ المركز سوف يؤوي نازحين من فئات اجتماعية مختلفة، ولن يكون مخصّصاً لفئة دون أخرى. ويكشف المصدر نفسه الذي يشارك في الإشراف على المركز المستحدث أنّ شعبة المعلومات التابعة لمديرية قوى الأمن الداخلي اللبنانية تدقّق في هويات المواطنين الذين سيُستقبَلون في مركز الكرنتينا، في إشارة إلى أنّه سوف يضمّ حصراً لبنانيين، مع استثناء الآخرين من أمثال اللاجئين السوريين وكذلك اللاجئين الفلسطينيين، من جنوبي لبنان وضاحية بيروت الجنوبية. ويضيف العامل في منظمة "أطباء بلا حدود" أنّ الجيش اللبناني سيخصّص نقطة في مركز الإيواء هذا، الهدف منها طمأنة أهالي المنطقة المحيطة به من الهواجس الأمنية التي تحاول جهات عدّة إثارتها. كذلك، يؤكّد أنّ المركز لن يستقبل أيّ شخص ما لم تدقّق الأجهزة المعنية بهويته، خشية أن يكون من بين أشخاص يثيرون هواجس أمنية. في السياق نفسه، يؤكد مصدر في بلدية بيروت لـ"العربي الجديد" أنّ مركز الإيواء في "مدينة كميل شمعون الرياضية" امتلأ بخلاف المتداوَل، داعياً نوّاب العاصمة إلى زيارة المدينة الرياضية للتأكّد من المسألة قبل إثارة المخاوف. ويضيف أنّ النازحين في المدينة الرياضية يعانون من تسرّب مياه الأمطار التي أغرقت خيامهم التي نُصبت في القسم المسقوف. ويوضح المصدر أنّ مركز الإيواء المستحدث في محلّة الكرنتينا بنطاق المرفأ سيضمّ 75 غرفة تتّسع لما بين 300 إلى 375 شخصاً في حدّ أقصى، تُضاف إليها 14 غرفة لإيواء الأشخاص ذوي الإعاقة، الأمر الذي يرفع العدد الكلي للنازحين الذين سوف يُستقبَلون في هذا المركز إلى 500 شخص. ويسأل المصدر في بلدية بيروت نفسه عن السبب في إثارة الجدال، في حين أنّ ثمّة مركز إيواء تديره منظمة غير حكومية، لم يسمّها، لا يبعد موقعه كثيراً عن موقع المركز المستحدث، مع العلم أنّه يستقبل ألفاً من النازحين الذين هجّرهم العدوان الإسرائيلي على لبنان أخيراً، وأنّه يعمل بالطريقة نفسها كما في حرب الأيام الـ66 في عام 2024. ويرى أنّ "إثارة الجدال بهذه الطريقة لا يعدو كونه مخاوف في غير محلها، وفي إطار المزايدة السياسية ليس إلا". تجدر الإشارة إلى أنّ رئاسة الوزراء في لبنان وخليّة الأزمة الوزارية، من ضمنها وزارة الشؤون الاجتماعية، تعملان على تحديد من يُستقبَل في مركز الكرنتينا المستحدث، لا سيّما أنّ الدوائر المعنية أخذت بعين الاعتبار حساسية لبنان الاجتماعية كما السياسية، ولذلك شدّد المعنيون على أن يكون هذا المركز محصوراً بالعائلات اللبنانية غير الحزبية ومن مختلف الفئات والطوائف. نتمنى جواباً صريحاً من دولة الرئيس نواف سلام او سعادة النائب فؤاد مخزومي او معالي الأستاذ غسان حاصباني 👇👇 مشروع الكرنتينا يلامس بلا شكّ وتراً حساساً في بيروت. حالة الشكّ هذه يتشاركها كثيرون ممّن يرون فجوة بين التسميات الرسمية مثل «إنساني» أو «إعادة تطوير»، وبين الحجم الفعلي… pic.twitter.com/QCdOQTopVy — ziad elkhalil 🇱🇧 (@ZiadElkhalil) March 21, 2026 وبهدف ضبط الأوضاع بطريقة مناسبة، لن يُسمَح لأحد من غير النازحين بالدخول إلى المركز، ولو كان ذلك لزيارة الأقارب مثلاً. وسوف يكون الدخول إليه محصوراً فقط بالقوى الأمنية المولجة بحمايته وضبط الأوضاع الأمنية فيه، وكذلك بالمنظمات الدولية التي سوف تكون مسؤولة عن متابعة شؤون النازحين الإنسانية وإيصال التقديمات من غذاء ودواء، بالإضافة إلى الكشف الطبي. وبالنسبة إلى الخروج منه، لن يكون في مقدور النازحين في مركز الكرنتينا الخروج منه للتجوّل في المنطقة المجاورة، إلّا في حالات استثنائية، من قبيل دخول المستشفى. وكان الجدال السياسي قد تصاعد حول هذا الموضوع في الساعات الأخيرة، خصوصاً أنّ الاعتراضات أتت من نوّاب دائرة بيروت الأولى المسيحيين، وقد برّر هؤلاء مخاوفهم بأن مركز الإيواء المؤقّت قد يتحوّل إلى مقرّ إقامة دائم وما يحمله ذلك من احتمالات "تغيّرات ديمغرافية"، بالإضافة إلى احتمال أن يتحوّل هذا المركز إلى بؤرة أمنية لحزب الله. وتثير محلّة الكرنتينا الجدال اليوم، ولا سيّما أنّها لطالما عُدّت من عشوائيات شرقي بيروت الإشكالية، وقد شهدت مجزرة كبرى في بدايات الحرب الأهلية في لبنان، تحديداً في يناير/ كانون الثاني من عام 1976، راح ضحيتها ما يُقدَّر بنحو ألف لاجئ فلسطيني ومواطن لبناني. وهي كانت تضمّ مخيّم لاجئين فلسطينيين، وقد التجأ إليها كذلك لبنانيون من الجنوب، وتحديداً من القرى الحدودية مع فلسطين المحتلة، ومن شرقي البلاد الذي يضمّ اليوم محافظتَي البقاع وبعلبك-الهرمل، ليُقدَّر عدد سكانها في ذلك الحين بنحو 30 ألفاً.

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows