"صمت" سعاد ماسي بينما يدوِّي العالم
Arab
2 hours ago
share
لم يكن في وسع المغنّية وكاتبة الأغاني الجزائرية سعاد ماسي اختيار موعدٍ أفضل توقيتاً من أوّل هذا الشهر لطرح ألبومها الأخير "صمت"، فالموضوعة الجامعة لإصدارها هي العيش في واقعٍ مُضطرب، وقلبُ العالم يشهد حرباً إقليمية مفصلية وتاريخية لا تقتصر تبعاتها على المسرح الجغرافي لها، وإنما باتت تهدّد أمن العالم واقتصاده برمّته. ولئن ظلّ هاجس كثير من الفنانين، المستقلين منهم خصوصاً، توظيف أدواتهم التعبيرية في الاشتباك مع الواقع رغبةً في تغيير أيّ شيءٍ فيه، لا تزال تُخيّم حقيقة استحالة الرغبة في التغيير من طريق الفن، بينما تقوم الصواريخ الموجّهة والمُسيّرات المُدارة بالذكاء الاصطناعي تمحو تضاريسَ وتُنشئ أخرى، كما لو أنّ البلدان محض رسومٍ على ورق. يغلب مزاج الاستحالة منذ فاتحة الألبوم المعنونة "صمت"، وليست الأغنية الأولى المحاولة الموسيقية السَّبْق لأجل انتداب الصوت ممثّلاً عن الصمت. إلا أنّ ما يُميّزها هو أنّ سعاد ماسي لم تسعَ لخفض صوتها، وجملة الأصوات التي تصاحبه، من خلال مقاربةٍ مفاهيميةٍ قائمةٍ على إخماده باستخدام الحلول المينيمالية، وإنما سلّمت بالمحال وآثرت الهروب إلى الأمام، بأن احتضنت الصخب. لذا، يُسمع التراك نقيضاً لأي خطابٍ ساكن، وكأنّ الصمت قد تحوّل إلى فعلٍ موسيقيٍّ راقصٍ إزاء الهول المُحدق بالعالم، بدلاً من الاكتفاء بالنظر إليه بمنظارٍ كمّيٍّ يخضع لثنائية الشدّة والخفوت. وقد ميّزت تلك المقاربة الموسيقية الوجودية، أو السيكولوجية للصمت، مُخرجات البوب والروك، وما تحوّر عنها في ما بعد من أغانٍ سياسيةٍ ونشاطويةٍ مستقلة (Indie)، ومنها تنحدر أغلب إنتاجات ماسي، إذ عادةً ما تُصنّف تحت المظلّة الاصطلاحية الفضفاضة والرائجة في الصحافة العربية الراهنة "الموسيقى البديلة". وتُستحضر، على سبيل المقارنة، أغنية "صوت الصمت" (The Sound of Silence)، إصدار سنة 1964 لثنائي الروك الأميركي آرت غورفونكل وبول سيمون، وكان الأخير قد كتب نصوص الأشعار استجابةً لواقعة اغتيال الرئيس الأميركي الأسبق جون كينيدي سنة 1963. وقد سجّلها الاثنان مُدرجةً في ألبوم يحمل ذات العنوان، لتتربّع سنة 1966 على قائمة بيلبورد للـ100 أغنية الأكثر تأثيراً، ولتكون من بين أناشيد الحراك الطلابي خلال عقد الستينيات الماضي في الولايات المتحدة. وثمّة بعض الأصداء الآتية من "صوت الصمت" تتردّد في "صمت" ماسي، بما يعكس تشابه المسارات الفكرية والفنّية التي يتّبعها الموسيقيون من دون أن يعوا ذلك بالضرورة، حين يحاولون رصد أي صوتٍ للصمت، فينتهي بهم المطاف إلى استلهامه رمزياً وتحويله إلى أداةِ استنهاضٍ سياسيّ. فنياً، يبدو التعويل على التسخين جليّاً في كلتا الأغنيتين، مع أخذ كلٍّ من الفارق الأسلوبي والحقبوي بعين الاعتبار. ففي الأولى، يوظّف الثنائي الأميركي التصعيد الإيقاعي الخطّي، عبر إضافة طبول الدرامز وزيادة تدريجية للسرعة، مُبقيين على دِعة الجمل اللحنية المتكرّرة في تناقضٍ تصميميٍّ متعمّد يصوّر العجز حدّ العطالة عن اكتناه التحوّلات الكبرى. وعلى مسارٍ مشابه، تستلهم سعاد ماسي الدوران الإيقاعي حول الثابت من وحي التراث الأفريقي والمغاربي، لتُجسّد حالة احتباسٍ هيجانيٍّ ناتجٍ من عدم القدرة على استيعاب ما يجري. وتبدأ أغنيتها بموتيفٍ لحنيٍّ متكرّر (رِف)، من دون إيقاعٍ بارز، وبلون الأفروبيت بآلاته الوترية الأفريقية ذات المستوى الصوتي المنخفض، مثل "تيدينيت" المعروفة في غرب القارّة. وعلى منوال التكرار، تظهر ماسي في الفيديو تُحرّك جسدها في المكان، مرتديةً عباءةً وغطاء رأسٍ يُذكّر بأزياء الأذكار الصوفية. وتستهلّ الغناء بجملة: "ما لها العين تبكي وماله الليل طال، ماله صدري ضاق بسرٍّ لا يُطاق"، مصوغةً على لحنٍ أفريقيّ الطابع يُذكّر أدائياً بالبلوز الحزين لتسلسل نغماته وفق أبعاد خماسية (Pentatonic)، ريثما يدخل الإيقاع المُطعّم بنكهة التكنو عقب انتهاء البيت الأوّل، ناقلاً الأغنية إلى أجواءٍ أكثر حيوية. وتُفرَغ مساحات واسعة للموسيقى، تخدم ثيمة الصمت، تملؤها موتيفات ارتدادية تُؤدّى على منسوبٍ صوتيٍّ مرتفع وبواسطة الغيتار الكهربائي، وذلك قبل أن ترد اللازمة بصوت ماسي، ترافقها الجوقة، تُغنّي: "إيه والله عيينا، والليل علينا طال"، في توارد رموزٍ يصلها بأغنية بول سيمون عند عقدة ربط السكوت عن الظلم بالليل، حين غنّى مخاطباً ظلمته شاكياً الأرق. ومثلما ضاق صدر ماسي بسرّ، تسلّلت إليه رؤيةٌ مُفزعة "زُرِعت بدماغه في صوت الصمت". أمّا التراك الثالث المسمّى بعنوان الألبوم Zagate، فنبرته أحدّ وخطابه أوضح في وجه الواقع اليائس، فلم يعد معه الصمت كافياً، ولا التأمّل الصوفي والاستبطان بحثاً عن سرٍّ يضيق به الصدر، لذا حريٌّ بالفنان أن يُعبّر رافعاً الصوت، ساعياً لأن يكون صوته مسموعاً. فالاسم يعني، باللغة الجزائرية المحكيّ الأمور في تدهور، وهي جَزْرَنة للمقولة الفرنسية (ça se gâte)، ومن هنا فإن الأغنية بمثابة نذيرٍ يحضّ على الفعل، قبل أن تبلغ حال العالم من السوء حدّاً يشي باندثاره، وهو ما يدفع ماسي إلى اختيار رِف جارحٍ صاخب يُباغت الأذن، واضعاً المستمع في حال تأهّبٍ قصوى، يُؤدّى على الغيتار الكهربائي بأسلوب موسيقى الروك، وباستخدام دوسة التشويش (Distortion)، ما يزيد من شحنته التحريضية. بيد أنّ الرِف المدوي في بداية الأغنية يُخبّئ للأذن مفاجأةً ثقافية. فبينما يتكرّر بانتظامٍ وإثارة على وقع قرع طبلٍ ذي نكهة تراثية مغاربية، وعلى طريقة فرق الهارد روك، إذا بآلة العود تدخل المشهد فجأة لتُجيب بثلاث نغمات تتردّد عند مفترق يُصطلح عليه درجة الفصل، تقودها إلى وجهتين: إحداهما جنس البيات، والأخرى الصبا. ولئن مالت جهة الأولى بدفعٍ أدائيٍّ من استطالات العود الزخرفية، يبقى صدى الثانية مسموعاً في الأذن الداخلية، وكما في غناء سعاد ماسي المتقلّب، مثل ظلٍّ مقاميٍّ قابضٍ يُضيف على أهبة الروك جرعةً تشويقية من الطرب. وفي غمرة الصخب، تندفع الحنجرة مهاجمةً أولئك "الكبار" المستكبرين على "الصغار" المستضعفين، الذين يُشعلون نار الحروب والنزاعات وينهبون خيرات البلاد والعباد.

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows