هكذا تعيد الحرب تشكيل خريطة الطاقة العالمية
Arab
1 hour ago
share
في أعنف اضطراب تشهده أسواق الطاقة منذ عقود، دخلت الحرب الدائرة في منطقة الشرق الأوسط مرحلة جديدة من التصعيد، حيث لم تعد تقتصر تداعياتها على أسعار النفط والغاز فحسب، بل امتدت إلى تعطيل سلاسل الإمداد بشكل لم تشهده المنطقة منذ حرب الخليج الأولى. فمع إغلاق إيران مضيق هرمز جزئياً، واعتداءاتها على البنية التحتية للطاقة في دول الجوار، وتدمير أجزاء من منشآت الغاز القطرية، تواجه الأسواق العالمية أزمة إمدادات قد تطول سنوات. وترصد بلومبيرغ، في تقرير اليوم الجمعة، أنه منذ بدء الضربات الأميركية والإسرائيلية على إيران، قفزت أسعار النفط والغاز بشكل حاد، وسط اضطرابات غير مسبوقة في إمدادات الخليج. إيران أغلقت جزئيا مضيق هرمز، الممر المائي الضيق الذي يمر عبره ربع تجارة النفط البحرية العالمية وخُمس إمدادات الغاز الطبيعي المسال، وذلك من خلال استهداف السفن في المنطقة بشكل متقطع، ما أدى إلى ردع الناقلات عن محاولة العبور. ولم تكتفِ طهران بذلك، بل استهدفت أيضًا منشآت الطاقة في مختلف أنحاء الخليج، وشنت موجة هجمات مكثفة بعد تعرض حقل بارس الجنوبي للغاز لقصف إسرائيلي. وتسببت هذه الضربات في أضرار جسيمة لأصول النفط والغاز في المنطقة، ما يعني أن عودة الصادرات إلى مستوياتها الطبيعية قد تستغرق وقتاً طويلاً حتى بعد إعادة فتح مضيق هرمز. فجزء كبير من منشآت قطر لإنتاج الغاز المسال يواجه سنوات من إعادة التأهيل بعد الهجمات الصاروخية التي طاولتها. ويمثل مضيق هرمز نقطة اختناق رئيسية لغالبية صادرات النفط من دول الخليج. ومع إغلاقه، اضطر منتجو النفط الخليجيون إلى خفض إنتاجهم مع امتلاء مخزونات التخزين على اليابسة وفي الناقلات البحرية. وفقاً لوكالة الطاقة الدولية، بلغ خفض الإنتاج ما لا يقل عن 10 ملايين برميل يومياً، أي ما يعادل أكثر من نصف الكمية التي كانت تعبر عادة عبر هرمز. ورغم أن السعودية والإمارات والعراق تمتلك طرقاً بديلة لتجاوز المضيق، فإن هذه المسارات لا تستطيع مواكبة أحجام التصدير الطبيعية. السعودية، أكبر منتج في المنطقة، تعتمد الآن بشكل أكبر على خط أنابيب يصل إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، لكن هذا الخيار يحمل مخاطره الخاصة، خاصة إذا استأنف الحوثيون المدعومون من إيران هجماتهم على السفن في البحر الأحمر، أو إذا ضربت إيران ينبع نفسها، كما فعلت سابقاً عندما استهدفت مصفاة في المنطقة. في المقابل، واصلت إيران تصدير نفطها عبر مضيق هرمز بمستويات قريبة مما كانت عليه قبل الحرب. عمليات التصدير الرئيسية الإيرانية في جزيرة خارج معرضة للخطر، رغم أن الولايات المتحدة تجنبت استهداف البنية التحتية النفطية في قصفها الأخير للجزيرة. إيران تمثل نحو 3% من الإنتاج العالمي للنفط، وحوالي 90% من صادراتها تتجه إلى الصين، معظمها إلى مصافٍ مستقلة مستعدة لشراء النفط الخاضع للعقوبات بخصم كبير. ويشير تقرير بلومبيرغ إلى أن قرابة 90% من النفط الخام والمكثفات التي تُنقل عبر مضيق هرمز العام الماضي كانت متجهة إلى آسيا. ومع تضرر الإمدادات الخليجية، لجأ المشترون الآسيويون إلى البراميل الأميركية. كما ازداد الإقبال على النفط الروسي، خاصة من المصافي الهندية، بعدما خففت إدارة ترامب مؤقتاً العقوبات على الشحنات الموجودة بالفعل في البحر. وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت أشار إلى أن العقوبات على البراميل الإيرانية المنقولة بحراً قد تُرفع أيضاً. وفي محاولة لكبح ارتفاع أسعار النفط، وافقت الدول الأعضاء في وكالة الطاقة الدولية على الإفراج عن أكثر من 400 مليون برميل من النفط الخام والمنتجات النفطية من احتياطياتها الطارئة إلى الأسواق. هذه الكميات لن تدخل السوق دفعة واحدة، ومن المرجح أنها ستغطي جزءاً فقط من الإمدادات الخليجية المفقودة يومياً. ويبقى استئناف الشحنات عبر مضيق هرمز هو المفتاح الأساسي لحل الأزمة. لكن الدعوة الأميركية لتشكيل جهد بحري متعدد الجنسيات لمرافقة السفن التجارية عبر الممر المائي قوبلت باستجابة فاترة. ولم تقتصر تداعيات الحرب على النفط الخام، بل امتدت إلى منتجاته المكررة، مما أدى إلى ارتفاع أسعار الديزل والبنزين ووقود الطائرات ووقود الشحن والنافثا (المستخدم في صناعة البلاستيك والوقود) وغيرها. بارتفاع أسعار المحروقات، يواجه الرئيس الأميركي دونالد ترامب وحزبه الجمهوري ضغوطاً داخلية متزايدة، خاصة مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي، حيث من المتوقع أن تكون القدرة الشرائية للمواطنين قضية محورية. في آسيا، التي تعتمد بشكل كبير على النفط الخليجي ومنتجاته، بدأ موردو وقود الشحن وغاز الطهي بتقليص المبيعات لإدارة مخزوناتهم المتضائلة. في الوقت نفسه، تتخذ الحكومات خطوات لمساعدة المستهلكين في تحمل التكاليف والحفاظ على الوقود، علماً أن الصين أصدرت تعليمات لكبرى شركات تكرير النفط لديها بوقف تصدير الديزل والبنزين، وفقاً لمصادر بلومبيرغ. والفائض العالمي من الغاز الذي كان متوقعاً هذا العام تبدد على الأرجح بسبب الحرب. فقد أعلنت قطر للطاقة أن نحو 17% من طاقة تصدير الغاز المسال في البلاد تعطلت بسبب الضربات الصاروخية الإيرانية، وأن الإصلاحات قد تستغرق حتى خمس سنوات، علماً أن قطر كانت ثاني أكبر منتج للغاز المسال في العالم العام الماضي بعد الولايات المتحدة. كما أن معظم صادرات الغاز المسال في الشرق الأوسط تتجه إلى آسيا. فالضربة التي تلقتها الإمدادات الخليجية زادت المنافسة على الغاز المسال المنتج في مناطق أخرى، ما دفع الأسعار إلى الارتفاع عالمياً. هذا يشكل أنباء سيئة لأوروبا، التي تخرج من أشهر الشتاء بمستويات منخفضة بشكل غير معتاد في مخزونات الغاز، وقد تضطر لدفع المزيد لإعادة ملء مخزوناتها قبل الشتاء المقبل. وثمة مخاوف من أن تواجه القارة صدمة طاقة طويلة الأمد. كذلك، الضربة الإسرائيلية على حقل بارس الجنوبي الإيراني قد تزيد المنافسة العالمية على الغاز المسال. تركيا تستورد أكثر من 10% من غازها من إيران، وقد تحتاج إلى المزيد من شحنات الغاز المسال الفورية لتعويض أي كميات مفقودة. والضغوط على إمدادات الغاز المسال تمتد تأثيراتها إلى مختلف القطاعات. ففي قطاع توليد الكهرباء، بدأت بعض الدول الآسيوية تتجه نحو الفحم لسد الفجوة. كما يتأثر قطاع الزراعة، حيث يُعتبر الغاز الطبيعي مدخلاً رئيسياً لإنتاج الأسمدة. ومن المتوقع أن يستفيد منتجو الغاز المسال الأميركيون من الاضطراب الحالي، وأي مخاوف مستمرة حول هشاشة الإمدادات الخليجية بعد انتهاء الحرب. لكن المكاسب ستكون محدودة على المدى القصير، حيث تعمل محطات التصدير الأميركية بطاقة شبه كاملة. والمنشآت الأميركية الجديدة المقرر أن تبدأ العمل هذا العام يمكنها فقط تعويض جزء من الغاز القطري المفقود، مما يعني أن بعض المستهلكين قد يضطرون إلى خفض استهلاكهم أو البحث عن بدائل، إن وجدت.

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows