Arab
ارتفعت أسعار الملابس في الأسواق الغزية بشكل غير مسبوق، في وقت يعاني فيه السكان من أوضاع اقتصادية كارثية خلفتها حرب الإبادة، ما حرم آلاف الأسر من أبسط احتياجاتها وعلى رأسها كسوة العيد.
ولعل هذا الارتفاع الحاد في الأسعار لا يعكس فقط أزمة مؤقتة مرتبطة بالمواسم، بل يكشف عن خلل عميق في السوق المحلي، نتيجة القيود على دخول البضائع وارتفاع تكاليفها بجانب دفع ضرائب باهظة على الشاحنات الواردة، ما أدى إلى فجوة كبيرة بين العرض والطلب، وجعل الملابس من السلع التي يصعب على غالبية الأسر توفيرها في ظل دخل شبه معدوم.
وبين شح البضائع الواردة لأسواق غزة وضعف القدرة الشرائية للسكان، بات الحصول على ملابس جديدة عبئا يفوق طاقة معظم الغزيين، خاصة مع اعتماد نحو 95% من الأسر على المساعدات وبلوغ معدلات البطالة نحو 80% في وقت تجاوزت نسب الفقر 90%.
أعباء مضاعفة
يقف الفلسطيني وسيم نعيم (29 عاما) مثالا حيا على هذه المعاناة، إذ يؤكد أنه لم يتمكن من شراء ملابس لأطفاله الثلاثة بسبب الظروف المادية الصعبة وارتفاع الأسعار إلى حد كبير. ويقول نعيم لـ"العربي الجديد" إن تكلفة كسوة الطفل الواحد، بما يشمل من ملابس وحذاء، تصل اليوم إلى نحو 300 شيكل (الدولار يساوي 3.1 شيكلات)، في حين لم تكن تتجاوز 100 شيكل قبل الحرب، ما يعني تضاعف الأعباء على الأسرة الواحدة.
ويضيف: "هذه الأسعار تفوق قدرتنا تماما، عملي توقف منذ بداية الحرب ولم أعد قادرا على تلبية احتياجات أطفالي الأساسية، فضلا عن الكماليات التي أصبحت من الماضي". ويلفت إلى أن الضغط النفسي يتضاعف مع اقتراب المناسبات، حين يطالب الأطفال بملابس جديدة أسوة بغيرهم.
ويشير نعيم إلى أن ارتفاع أسعار الملابس لم يعد مجرد مشكلة موسمية، بل تحول إلى أزمة يومية تثقل كاهل الأسر، خاصة في ظل غياب أي تحسن اقتصادي حقيقي، ما يجعل فكرة شراء ملابس جديدة "حلما بعيد المنال" بالنسبة للأغلبية.
في المقابل، تتحدث الفلسطينية دينا جميل عن تجربة مختلفة، حيث تمكنت من كسوة طفليها عبر إحدى المؤسسات الإغاثية العاملة في غزة. وتقول جميل لـ"العربي الجديد" إن هذه المساعدة خففت عنها عبئا كبيرا خاصة في ظل عجزها التام عن شراء الملابس من السوق.
ورغم شعورها بالامتنان، لم تُخفِ استياءها من جودة الملابس التي حصلت عليها، موضحة أنها رديئة ولا تليق بالأطفال، مضيفة: "كان من المفترض بالمؤسسات تقديم ملابس بجودة أفضل وأكثر ترتيبا، خاصة في ظل الظروف الصعبة التي نعيشها في غزة".
وتؤكد جميل أنه لولا هذه المؤسسة التي وزعت الكسوة على سكان المخيم الذي تعيش فيه شمال غزة، لما تمكنت من توفير أي ملابس لطفليها، ما يعكس حجم الاعتماد الكبير على المساعدات، حتى وإن كانت دون المستوى المطلوب.
أما الفلسطينية آية بكر، فتجسد معاناة مضاعفة، إذ فقدت زوجها خلال الحرب وأصبحت المعيل الوحيد لأربعة أطفال. وتقول بكر لـ"العربي الجديد" إنها تمكنت من الحصول على كسوة لطفلين فقط من خلال مؤسسة تُعنى بالأيتام، فيما بقي طفلان دون ملابس جديدة، الأمر الذي زاد من معاناتها النفسية.
وتوضح أن طفليها اللذين لم يحصلا على كسوة يطالبان بملابس مثل أشقائهما، وهو ما يضعها في موقف صعب لا تستطيع التعامل معه، قائلة: "لا أقوى على شراء الملابس فهي مرتفعة الثمن ونحن بلا دخل بعد رحيل زوجي".
وتضيف بكر: "أعتمد بشكل شبه كامل على التكايا والمساعدات الإنسانية لتأمين احتياجاتي اليومية، وأي غياب لهذه المساعدات يعني عجزي التام عن توفير الطعام واللباس لأطفالي، في ظل انعدام أي مصدر دخل".
أسباب الارتفاع
من جهته، ذكر رئيس نقابة تجار الألبسة والأحذية في غزة، محمد المحتسب، أن السبب الرئيسي لارتفاع أسعار الملابس يعود إلى شح البضائع في الأسواق، نتيجة سماح الجانب الإسرائيلي بإدخال كميات محدودة جدا عبر المعابر.
ويقول المحتسب لـ"العربي الجديد" إن قطاع غزة يحتاج يوميا إلى عشرات الشاحنات من الملابس والأحذية، بينما لا يدخل فعليا سوى نحو خمس شاحنات أسبوعيا، ما يخلق فجوة كبيرة بين العرض والطلب.
ويضيف: "تكاليف إدخال البضائع مرتفعة للغاية، حيث تصل رسوم التنسيق لدخول شاحنة واحدة إلى أكثر من 100 ألف دولار، دون احتساب تكاليف النقل، فضلا عن أن البضائع تصل في كثير من الأحيان على شكل "بالة" وبكميات ناقصة نتيجة التفتيش أو التلف، ما يزيد من خسائر التجار ويرفع الأسعار على المستهلك.
ووفق رئيس نقابة تجار الألبسة والأحذية في غزة فإن هناك تكاليف تشغيلية باهظة، أبرزها الكهرباء، حيث يصل سعر الكيلو الواحد من كهرباء المولدات إلى 10 دولارات، إضافة إلى وجود بعض المستغلين الذين يوردون بضائع رديئة بأسعار مرتفعة، مستغلين حاجة السوق وضعف رقابة الظروف الحالية.
ويؤكد المحتسب أن السوق يشهد طلبا مرتفعا مع اقتراب المواسم، خاصة الأعياد، لكن العجز في البضائع وارتفاع الأسعار يمنع تلبية هذا الطلب. ولفت إلى أن أزمة السيولة النقدية جزء من مشاكل البيع، مطالبا البنوك وسلطة النقد بتسهيل استخدام المحافظ الإلكترونية ووسائل الدفع الرقمية للتخفيف من معاناة المواطنين والتجار، مشيرا إلى أن عددا محدودا من التجار فقط يمتلكون القدرة على إدخال البضائع عبر التنسيقيات، دون وضوح آلية ذلك لبقية القطاع.
