ترجمة وتحرير “يمن مونيتور”
مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS) في واشنطن العاصمة، كتبه مايكل راتني، مستشار أول
بالنسبة للمملكة العربية السعودية، تبدو الحرب مع إيران بحجمها وكثافتها وتأثيراتها المحتملة أمراً مثيراً للقلق بقدر ما هي غير مسبوقة. تجد القيادة السعودية نفسها في محاولة متزامنة لحماية وتحديد أولويات تحولها الاقتصادي والمجتمعي، والتنقل في علاقتها مع رئيس أمريكي متهور ولا يمكن التنبؤ بتصرفاته، وإدارة الواقع الجغرافي للعيش على مسافة رحلة طائرة مسيرة من دولة من المرجح أن تظل خصمها الرئيسي في المستقبل المنظور. لذا، ليس من المستغرب أن تكون الرؤية السعودية لهذه الحرب معقدة.
لقد أثار السؤال حول كيفية رؤية السعودية لهذه الحرب قدراً كبيراً من التكهنات وسوء الفهم والتمنيات. وتتواصل الحكومة السعودية بشكل أساسي من خلال البيانات الرسمية، ولإحباط الصحفيين الدوليين، تظل التسريبات غير المصرح بها نادرة. لذا، ينبغي قراءة التقارير الإعلامية التي تستشهد بمصادر مجهولة ومبهمة حول النوايا السعودية أو تواصلها مع الرئيس دونالد ترامب بحذر. ومن أجل فهم التفكير السعودي الفعلي، فإن أفضل نقطة للبدء هي ما تقوله حكومتهم علانية.
أصدرت وزارة الخارجية السعودية بيانها الأكثر شمولاً بشأن الحرب في 9 مارس/ آذار. وكان البيان، الغاضب والمتزن في آن واحد، قد أدان الهجمات الإيرانية ضد المملكة وأعضاء دول مجلس التعاون الخليجي الآخرين، وأكد “حق السعودية الكامل في اتخاذ كافة الإجراءات اللازمة لحماية أمنها وسيادتها وسلامة مواطنيها والمقيمين فيها، وردع العدوان”. واشتكى البيان من استمرار الهجمات الإيرانية رغم تأكيدات الرئيس الإيراني بأنها ستتوقف ما لم تتعرض إيران لهجوم من الأراضي السعودية. وحذر البيان من أن مزيداً من الهجمات الإيرانية سيكون لها “تداعيات كبيرة على العلاقات الثنائية حالياً وفي المستقبل”.
ومع أن اللغة المتعلقة باتخاذ “كافة الإجراءات اللازمة” تقترب من ذلك، إلا أنه لا يوجد تهديد صريح بمهاجمة إيران. ومع ذلك، لم تستبعد السعودية انخراطاً أكبر في الحرب، وقد تتغير حساباتها إذا استمرت الحرب وتصاعدت الهجمات الإيرانية على المملكة. لقد تجاوزت إيران خطاً أحمر كبيراً بهجماتها على البنية التحتية المدنية ومنشآت الطاقة، وهو ما يعد انتهاكاً واضحاً للسيادة السعودية. ومن المفهوم أن السعوديين غاضبون؛ فجيشهم يمتلك القدرة على نقل المعركة إلى الإيرانيين، ولن تواجه قيادة البلاد صعوبة تذكر في حشد دعم شعبها. علاوة على ذلك، ومع استمرار الهجمات الصاروخية وإغلاق مضيق هرمز، نشأ تصور لدى بعض دول الخليج بأن إيران ارتهنت المنطقة بأكملها، وأنها تمتلك القدرة على فعل ذلك مرة أخرى في أي وقت. وهذا من شأنه أن يغير حسابات الحكومات الخليجية، مما يجعلها أكثر ميلاً لدعم استمرار الحرب، إن لم يكن إشراك جيوشها في الصراع مباشرة.
ومع ذلك، استثمرت السعودية سابقاً جهوداً دبلوماسية كبيرة للتوصل إلى “صيغة تعايش” (modus vivendi) مع إيران، لم تكن ودية بالضرورة لكنها لم تكن عدائية صراحة. وقد فعلت ذلك لسبب وجيه: إن دخول السعودية في صراع عسكري من شأنه أن يستدعي رداً إيرانياً أكبر بكثير، مما قد يتسبب في أضرار طويلة الأمد للاقتصاد السعودي وسمعة المملكة كوجهة آمنة للمستثمرين والسياح. وتستذكر السعودية أن صراعها مع الحوثيين في اليمن تحول إلى حرب استنزاف طاحنة تضمنت هجمات صاروخية على أراضيها؛ مما دفع القيادة السعودية في نهاية المطاف إلى السعي لخفض التصعيد عبر الدبلوماسية. وفي الواقع، كان نهجها تجاه المنطقة في السنوات الأخيرة يميل إلى خفض التصعيد بدلاً من تأجيج الصراعات، وإبعاد تداعيات النزاعات الإقليمية عن الداخل السعودي.
هل تدعم السعودية هذه الحرب ضمناً؟
بينما قد تكون السعودية مترددة في الانضمام إلى القتال ضد إيران، إلا أن هناك رواية واسعة الانتشار تزعم ابتهاجها سراً بالأضرار التي تلحقها الولايات المتحدة وإسرائيل بالنظام الإيراني. ويتم تغذية هذه الرواية من قبل كل من إيران، التي تستخدمها كذريعة سياسية، وإسرائيل، التي تركز على انعدام الثقة المشترك بين السعودية وإسرائيل تجاه إيران، والعداء التاريخي للجمهورية الإسلامية تجاه كل من الصهيونية والملكية السعودية. لكن الواقع أكثر تعقيداً.
من الإنصاف القول إن السعودية ومعظم دول الخليج الأخرى تشارك إسرائيل الرغبة في إضعاف نفوذ إيران الإقليمي، وإنهاء تخريبها في المنطقة، وتدمير قدرتها على رعاية الميليشيات الوكيلة. لن تأسف المملكة على زوال المرشد الأعلى الإيراني، أو تدمير الجيش الإيراني، أو الضرر الذي يلحق الآن ببرنامج الصواريخ الباليستية الإيراني وربما طموحاتها النووية أيضاً. ولكن في الوقت نفسه، لا يملك السعوديون ثقة كبيرة في أن هذه الحرب ستقضي نهائياً على التهديد الإيراني، أو أن الولايات المتحدة -التي تتحمل مسؤولية بدء الصراع الحالي- ستحمي السعوديين من الهجمات الإيرانية، خاصة إذا انخرطت السعودية بشكل مباشر في القتال.
في عالم مثالي، تود السعودية -مثل الولايات المتحدة وجزء كبير من الشرق الأوسط- رؤية نوع مختلف من النظام الإيراني؛ نظام مستقر ويمكن التنبؤ بتصرفاته، يفتقر إلى النزعة العدائية تجاه إسرائيل وجيرانه العرب، ويتخلى عن أيديولوجيته “الرسالية”، ولا يميل لرعاية وتسليح الوكلاء العنيفين. لكن السعوديين يرجحون أن تغييراً بهذا الحجم مستبعد، على الأقل في المدى القريب. وعندما تضع الحرب أوزارها، فإن السيناريو الأفضل بالنسبة لهم هو وجود إيران تديرها نسخة ضعيفة من نفس الجمهورية الإسلامية التي حكمت البلاد منذ عام 1979، مع تضاؤل قدرتها ورغبتها في “تصدير الثورة”. أما في السيناريو الأسوأ، فستغرق إيران في الفوضى، مما سيولد تدفقات من اللاجئين وشباباً متطرفين. وقد استثمر السعوديون، مثل غيرهم في الخليج، بكثافة في تحويل مجتمعهم واقتصادهم، وهو ما يعتمد على جذب المستثمرين والسياح والحفاظ على سمعة الأمن والاستقرار. وتزن المملكة الآن الضرر اللاحق بالنظام الإيراني مقابل التقلبات الإقليمية المحتملة والأضرار الاقتصادية الناجمة عن الحرب، وغياب “خطة نهائية” واضحة. بالنسبة للسعودية، المخاطر كبيرة، وليس من المستغرب أنها تفضل القدرة على التنبؤ على الفوضى.
هل ستنضم السعودية إلى القتال؟
تظهر حالياً انتقادات من بعض الأوساط مفادها أن السعودية تتعرض لهجوم سافر من عدوها اللدود، لذا يجب عليها شن ضربات جوية خاصة بها ضد أهداف إيرانية أو على الأقل السماح للجيش الأمريكي بشن ضربات من القواعد السعودية. ويبدو أن الإيرانيين يستفزون دول الخليج بالفعل، ربما في محاولة للضغط على الرئيس ترامب لإنهاء الحرب. وقد تجد السعودية نفسها غير قادرة على تبرير بقائها خارج القتال إذا ما وقع هجوم على مركز سكاني مدني كبير على سبيل المثال. كما يمكن أن تجد القيادة السعودية نفسها تحت ضغط من الرئيس ترامب للمشاركة في الحرب مباشرة أو للسماح بعمليات هجومية أمريكية تنطلق من أراضيها. وإذا شنت دول أخرى في مجلس التعاون الخليجي عمليات هجومية، فقد تشعر السعودية بأنها ملزمة بالقيام بالمثل. وبالطبع، إذا استأنف الحوثيون هجماتهم على الأراضي السعودية، فمن المرجح أن ترد المملكة بقوة.
ومع ذلك، فإن هذه الحرب هي عرض حي لمدى هشاشة اقتصادات الخليج أمام الهجمات بالصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة الإيرانية. فقد استهدفت القواعد العسكرية والمطارات المدنية، وبالطبع البنية التحتية للطاقة التي لا تزال تعتمد عليها جهود السعودية لتحويل اقتصادها ومجتمعها. كما أن محطات تحلية المياه مكشوفة للغاية. تدرك السعودية والإمارات ودول الخليج الأخرى تماماً أن دخول المعركة سيؤدي إلى رد انتقامي إيراني أقوى ضد تلك الأهداف تحديداً، باستخدام أسلحة رخيصة ودقيقة يصعب مواجهتها ومكلفة للغاية. ونظراً للسهولة النسبية التي يمكن بها لإيران توسيع هجماتها على الاقتصاد السعودي، فمن الواضح أن الإيرانيين يمتلكون “سيادة التصعيد”. وكما بدأت الولايات المتحدة الصراع دون استشارة السعودية أو شركائها الخليجيين الآخرين، يمكنها أيضاً إعلان النصر والعودة إلى ديارها، تاركة السعودية والآخرين للتعامل مع التداعيات مع إيران بعد مشاركتهم في عمل هجومي.
كل هذا لا يعني أن الغضب السعودي تجاه إيران لم يصل إلى مستويات غير مسبوقة، ولكن بالنظر إلى هشاشة اقتصاداتهم أمام هذا النوع من الصراع، فإن قدرتهم على تحمل المخاطر منخفضة للغاية.
هل سيتغير التصور السعودي تجاه الولايات المتحدة؟
من الأسئلة المهمة ما إذا كانت هذه الحرب ستغير التصورات السعودية تجاه الولايات المتحدة؛ حيث يشير بعض المحللين إلى أن السعودية لم تعد تثق في قدرة الولايات المتحدة على حمايتها من عدوها الرئيسي، مما يدفع المملكة للبحث عن شركاء أمنيين آخرين. لكن هذه الرؤية تتجاهل عمق العلاقة الأمنية الأمريكية السعودية التي تطورت على مدى عقود طويلة. فبناء الجيش السعودي يعتمد أساساً على أسلحة مصدرها الولايات المتحدة، كما تدرب مع نظيره الأمريكي لعقود ويشارك في تدريبات مشتركة ويستضيف قوات أمريكية. إن النموذج الأمني السعودي بأكمله يرتكز بعمق في شراكته مع الولايات المتحدة.
لكن المعضلة القائمة منذ زمن طويل بالنسبة للسعوديين هي أنه رغم حميمية الشراكة الأمنية، إلا أن الجيش الأمريكي غير ملزم قانونياً بالدفاع عن المملكة. وكانت السعودية تعمل على صفقة لتطبيع العلاقات مع إسرائيل، إلى حد كبير لأن ذلك كان سيمنحها معاهدة دفاع مشترك مع الولايات المتحدة، ومعها الالتزام الذي كانت تأمل في تفعيله في مثل الوضع الذي تجد نفسها فيه الآن. قد تسعى المملكة إلى تنويع علاقاتها الدفاعية إلى حد ما، رغم أنه من الصعب تصور أن شراكة مع الصين أو باكستان ستوفر حماية أكبر ضد إيران. كما أن إقامة علاقة دفاعية جدية مع الصين ستعتبرها واشنطن غير متوافقة مع العلاقة الدفاعية الأقوى التي تربط السعودية بالولايات المتحدة. لذا، بدلاً من التخلص من العلاقة الممتدة لعقود مع واشنطن، من المرجح أن تسعى السعودية إلى مزيد من الوضوح.
هل تعزز هذه الحرب التطبيع بين إسرائيل والسعودية؟
بالنظر إلى الرغبة السعودية في معاهدة دفاع مشترك مع الولايات المتحدة، يرى البعض أن هذه الحرب تدفعهم نحو تطبيع العلاقات مع إسرائيل، والتي تظل نظرياً “الثمن” لتلك المعاهدة. وقد قدم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو نفسه هذا التوقع بكل ثقة. وبينما لم تستبعد السعودية التطبيع بالتأكيد، إلا أنه ليس من الواضح تماماً أن الحرب مع إيران تسهله. فالرؤية الإسرائيلية تتجاهل الضرر السياسي الذي ألحقته الحرب في غزة، والآن هذا الصراع، بصورة إسرائيل في دول الخليج العربي، والسعودية على وجه الخصوص. وبينما كان يُنظر إلى إسرائيل ذات يوم كشريك أمني محتمل ضد التهديدات المشتركة، يُنظر إليها بشكل متزايد على أنها الطرف المحارب الرئيسي في المنطقة بعد إيران، حيث تؤجج عدم الاستقرار وتثير الاستياء بين الشعوب العربية. كما أن هذه الحرب لا تفعل شيئاً لمعالجة وضع الفلسطينيين أو تقريب إسرائيل من دعم إنشاء دولة فلسطينية، وهو ما لا يزال مطلباً سعودياً مركزياً للتطبيع.
كيف ستتعامل السعودية مع إيران بعد الحرب؟
مثلما شنت الولايات المتحدة هذه الحرب دون سؤال السعودية أو غيرها من الشركاء الخليجيين، فمن المرجح أن يعلن الرئيس ترامب انتهاءها دون إخبارهم أيضاً. وستُترك السعودية لإدارة علاقتها مع إيران المحطمة؛ حيث سيسود انعدام الثقة العميق بين البلدين، مع احتمال استمرار قدرة الإيرانيين على رعاية الفوضى في المنطقة. وهذا سبب آخر يجعل السعودية مترددة في شن عمليات عسكرية هجومية ضد إيران الآن: فبخلاف الولايات المتحدة، سيتعين على السعودية العيش في المنطقة ومع جيرانها، لفترة طويلة بعد أن يعلن الرئيس ترامب أن “المهمة تمت”.
________________________________________
مايكل راتني: دبلوماسي أمريكي خدم لأكثر من ثلاثة عقود، كان آخرها سفيراً للولايات المتحدة لدى المملكة العربية السعودية. يشغل حالياً منصب مستشار أول في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS) في واشنطن العاصمة.
The post كيف تنظر السعودية إلى الحرب مع إيران؟ appeared first on يمن مونيتور.