تعيش إيران اليوم واحدة من أكثر لحظاتها حساسية منذ قيام ما تُعرف بـ"الجمهورية الإسلامية" عام 1979. فالمشهد الداخلي لم يعد مجرد صراع سياسي بين سلطة ومعارضة، بل تحوّل إلى مواجهة مفتوحة بين النظام وشعبه، حيث انكشف زيف الشعارات الثورية التي رفعتها القيادة لعقود تحت عناوين العدالة ونصرة المستضعفين.
الأحداث الأخيرة داخل إيران تكشف بوضوح عمق الشرخ بين المجتمع والنظام. فتسريب بعض المواطنين معلومات عن تحركات قيادات ميليشيا "الباسيج"، وعلى رأسهم غلام رضا سليماني، لا يمكن اعتباره تصرفًا فرديًا أو حادثًا عابرًا، بل هو مؤشر خطير على فقدان السلطة لأهم ركائز بقائها. فحين يتحول المواطن من خاضع إلى مُبلّغ، ومن صامت إلى فاعل، فإن شرعية النظام تكون قد تآكلت فعليًا، حتى وإن ظل متماسكًا أمنيًا في الظاهر.
على مدى أربعة عقود، نجح النظام الإيراني في بناء منظومة مغلقة احتكرت القرار والثروة، وربطت بقاءها بالقبضة الأمنية وبأيديولوجيا دينية تخدم مشروع التوسع الإقليمي. ولم تعد "الباسيج" و"الحرس الثوري" أدوات لحماية الدولة، بقدر ما تحولت إلى أجهزة لحماية النظام من شعبه، في حين دُفع المواطن الإيراني إلى الهامش، مثقلاً بالأزمات الاقتصادية، ومحاصرًا بتداعيات سياسات خارجية مكلفة.
الأخطر من ذلك أن مؤشرات تآكل الولاء داخل المؤسسات الأمنية والإدارية بدأت بالظهور. فالأزمة الاقتصادية لم تستثنِ حتى أسر عناصر "الحرس الثوري"، الذين باتوا يدركون أن النظام الذي يزجّ بأبنائهم في صراعات خارجية، عاجز عن توفير حياة كريمة لهم في الداخل. وهنا تتشكل نقطة التحول الأخطر: عندما تبدأ أدوات القوة نفسها في فقدان القناعة بالمشروع الذي تدافع عنه.
إقليميًا، يواجه النظام الإيراني مأزقًا غير مسبوق. فبدلًا من أن تعزّز تدخلاته نفوذه الإقليمي، أضحت عبئًا يكشف تآكل قوته، وتحولت إلى عبء يكشف هشاشته. ولم تعد الشعوب التي سعى لاختراقها تمثل جوهر التحدي، بل أصبح التحدي الحقيقي بيد المواطن وينبع من الداخل.
في الختام، لا يمكن لأي نظام أن يستمر ويدوم بالقوة وحدها، ولا أن يصمد بعد أن يفقد حاضنته الشعبية. وما يجري اليوم في إيران يشير بوضوح إلى أن لحظة التحول قد بدأت، وأن النهاية لم تعد مجرد احتمال، بل مسار يتشكل من داخل طهران نفسها. فكل مشروع قام على القمع والتوسع والظلم، لا بد أن يعود عليه ذلك يومًا، وتلك هي القاعدة التي لا تخطئها شواهد التاريخ.
Related News