Arab
في أحد المشاهد المؤثرة من مسلسل "أب ولكن"، يقف الأب (يؤدي دوره محمد فراج) أمام أحد نواب البرلمان، محاولاً شرح معاناته بعد الطلاق. بكلمات بسيطة تكشف عمق المأزق الذي يعيشه، يقول: "إحنا محتاجين قانون ينصف الابن وينصف الأب، مش قانون ينصف الأم فقط... قانون عادل، قانون ما يحرمش الأب من ابنه". هي شكوى شخصية مؤثرة، لكنها تعبر أيضاً عن شعور يتردّد كثيراً في النقاشات الاجتماعية حول قانون الأحوال الشخصية في مصر، خصوصاً في أوساط ترى أن بعض مواده تميل إلى ترجيح كفة الأم في قضايا الحضانة والرؤية.
لا يقف هذا الطرح عند حدود مسلسل واحد، ففي عملين آخرين من دراما رمضان في مصر هذا العام، هما "المتر سمير" و"كان ياما كان"، تتكرر الفكرة نفسها بصيغ مختلفة، لتتحول تجربة الأب بعد الطلاق إلى محور أساسي للسرد الدرامي.
في "المتر سمير"، الذي يؤدي بطولته كريم محمود عبد العزيز، تتجسد الأزمة في مشهد بسيط لكنه مؤلم. الأب، وهو محامٍ متخصص في قضايا الأحوال الشخصية، يحاول رؤية ابنته بعد أن امتنعت الأم عن تمكينه من ذلك. يذهب إلى مدرستها على أمل أن يلمحها ولو للحظات. لكن مديرة المدرسة ترفض السماح له بذلك.
وحين يرى الطفلة مصادفةً في طريق خروجه، يتدخل أمن المدرسة ليحول بينهما. مشهد قصير يختصر شعور الأب بالعجز؛ فهو رجل يعرف القانون جيداً، لكنه يقف عاجزاً أمام تفاصيله وإجراءاته المعقدة.
أما في "كان ياما كان"، الذي يؤدي بطولته ماجد الكدواني، فتتخذ المشكلة طابعاً أعقد. فالأب لا يستطيع رؤية ابنته إلّا وفق شروط ما يُعرف بـ "قانون الرؤية"، الذي يحدد لقاءات دورية في أماكن مخصّصة وتحت ضوابط محددة. وبين المواعيد الرسمية ومماطلات الزوجة السابقة، تتحول العلاقة بين الأب وابنته إلى سلسلة من الانتظارات والتأجيلات. كأنّ الأبوة نفسها أصبحت رهينة بإجراءات بيروقراطية.
رغم اختلاف القصص والشخصيات، يجمع المسلسلات الثلاثة خيطٌ درامي واحد، هو الأب الذي يجد نفسه بعد الطلاق في موقع هش، ويحاول جاهداً الحفاظ على علاقته بأبنائه وسط شبكة من الإجراءات القانونية والالتزامات المالية. ففي معظم الحلقات، يظهر الأب مواجهاً ضغوط نفقات المعيشة والالتزامات التي يفرضها القانون، من نفقة الأبناء إلى متطلبات السكن والتعليم. وغالباً ما تُصوَّر هذه الالتزامات بوصفها عبئاً ثقيلاً، بل وأحياناً نتيجة تلاعب يمارسه الطرف الآخر.
هذه الصورة الدرامية ليست معزولة عن النقاش الاجتماعي في مصر حول قانون الأحوال الشخصية. فالقانون يمنح الأم في أغلب الحالات حق حضانة الأطفال في سنواتهم الأولى، بينما يحصل الأب على حق الرؤية في أوقات محددة، مع بقائه ملزماً بالإنفاق على الأبناء وتوفير احتياجاتهم الأساسية. وقد وُضعت هذه القواعد في الأصل لحماية المرأة والأطفال، ضمن مجتمع فيه المرأة غالباً الطرف الأضعف اقتصادياً بعد الطلاق.
لكن في المقابل، يرى منتقدو هذه المواد أن تطبيقها العملي قد يؤدي أحياناً إلى شعور الأب بأنه فقد دوره داخل الأسرة. فحق الرؤية المحدود، ومواعيده المقيّدة، والإجراءات المرتبطة به، تجعل العلاقة مع الأبناء تبدو في نظر بعضهم أقرب إلى لقاءات رسمية منها إلى علاقة أسرية طبيعية.
ولذلك؛ هناك مطالبات بإعادة النظر في هذه المواد بما يحقق توازناً أكبر بين الطرفين. تعكس المسلسلات الثلاثة هذا السجال بوضوح، ففي "أب ولكن" يتحول البرلمان إلى فضاء محتمل لمناقشة القضية، بينما يضع "المتر سمير" المشكلة في سياقها اليومي البسيط، أما "كان ياما كان"، فيقدمها في صورة صراع قانوني طويل بين الزوجين.
من اللافت هنا حضور مؤسسات الدولة في هذه الأعمال، فالبرلمان يظهر بوصفه منصة للاستماع إلى شكاوى المواطنين، بينما تحضر جهات معنية بشؤون الأسرة والطفولة في بعض الخطوط الدرامية. وقد قرأ بعض المتابعين هذا الحضور باعتباره محاولة لتقديم صورة إيجابية لدور الدولة في معالجة مشكلات الأسرة.
يربط بعض المتابعين ذلك أيضاً بتصريحات للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، دعا فيها صناع الدراما إلى تقديم أعمال تعزز القيم المجتمعية وتحافظ على صورة الأسرة المصرية. فقد حذر السيسي من الإفراط في تقديم موضوعات مثل المخدرات أو التفكك الأسري أو العنف باعتبارها واقعاً عاماً، داعياً إلى أن تعكس الدراما صورة مسؤولة عن المجتمع وتتحدث إيجاباً عن مؤسسات الدولة. وهي تصريحات رآها بعضهم إشارةً إلى أهمية ضبط المحتوى الدرامي، خصوصاً في موسم رمضان.
هذه الدعوات تزامنت مع دور متزايد لما يعرف بلجنة الدراما في مراجعة السيناريوهات، ما اعتُبر خطوة تنظيمية لضبط السوق الدرامية، بينما رأى آخرون فيه شكلاً من أشكال التدخل في المحتوى الفني.
تحاول هذه الأعمال تقديم صورة إيجابية لدور الدولة الاجتماعي
بين هذين الموقفين، تظل الدراما الرمضانية مساحة حساسة تعكس التوترات القائمة داخل المجتمع. فحين يتحدث الأب في "أب ولكن" عن قانون ينصف الابن والأب معاً، لا يبدو المشهد مجرد لحظة تمثيلية، بل صدى لنقاش اجتماعي وسياسي أوسع حول شكل الأسرة وحدود العدالة داخلها.
غير أن تناول هذه الموضوعات في أكثر من عمل رمضاني يثير تساؤلات أبعد من حدود الحكايات نفسها. فهل نحن أمام اختيار درامي عفوي يعكس نقاشاً مجتمعياً قائماً، أم أن هذه الأعمال تمثل نوعاً من استطلاع الرأي العام إزاء فكرة تعديل قوانين الأحوال الشخصية؟
فحين تتكرر صورة الأب الذي يشكو من قانون الرؤية أو من ضغوط النفقة في أكثر من مسلسل، يبدو الأمر وكأنه محاولة لطرح القضية على المجال العام عبر الدراما، باعتبارها الوسيط الأكثر انتشاراً وتأثيراً في مصر خلال شهر رمضان. فهل تعكس هذه الأعمال قناعة لدى صناعها فقط، أم أنها تتحرك أيضاً في مناخ سياسي واجتماعي أوسع يختبر توجهات الشارع؟
في الوقت نفسه، يفتح هذا الحضور المكثف لموضوعات الأسرة والطلاق الباب أمام نقاش آخر يتعلق بعلاقة الدراما بالسلطة. فالتوجيهات الرسمية التي دعت إلى تقديم أعمال "إيجابية" تعزز القيم المجتمعية وتبتعد عن النماذج السلبية، تبدو محاولة لضبط صورة المجتمع على الشاشة.
هل تحتاج الدراما حقاً إلى الامتناع عن تقديم النماذج المنحرفة أو الصراعات الحادة حتى تحافظ على القيم؟ أم أن قوة الفن تكمن أساساً في قدرته على الاقتراب من المناطق الرمادية في المجتمع، وكشف تناقضاته من دون قيود مسبقة؟ لعل الإجابة عن هذه التساؤلات هي ما سيحدّد شكل الدراما المصرية ومستقبلها في السنوات المقبلة.

Related News
لوحة هزّت المجتمع الألماني تعود أخيراً إلى برلين
aawsat
11 minutes ago
يارا السكري: أحمد العوضي وراء اكتشافي وتقديمي للفن
aawsat
15 minutes ago