Arab
على شاشة حاسوب في مكتب مكيّف، تظهر نقطة خضراء صغيرة. بالنسبة للمحلّل الجالس هناك، هي مجرّد "عقدة بيانات" في شبكة علاقات معقّدة، لكنها بالنسبة لعائلة ما في غزّة أو لمهاجر على الحدود، تعني حكماً مبرماً لا استئناف فيه.
تتجاوز هذه الإشارة الضوئية التي تفرزها خوارزميات شركة بالانتير (Palantir) كونها "بكسلاً" مُضيئاً لتصبح دليلاً دامغاً لدى نماذج الذكاء الاصطناعي، يصنّف هذا الكائن البشري "إرهابياً محتملاً" أو "تهديداً وشيكاً"، محوّلاً حياته إلى هدف مشروع لصاروخ أو لقرار ترحيل قسري.
في ذرى تلك التراتبية غير المرئية لما يَصِحُّ تسميته "الأوليمب التقني"، تتمايز الأدوار بحدّة. بينما تغرق منصاتٌ بحجم "غوغل" و"ميتا" في صخب "مزاد الانتباه" لرصد نوازعك الاستهلاكية، اختارت "بالانتير" الانزواء في منطقة ظلٍ مغايرة، مُترَفّعةً عن لعب دور المتلصّص التقليدي، لتُكرّس وجودها لغاية أشدّ خطورةً وعمقاً: نمذجة المصير البشري.
تُجسد "النمذجة" هنا عملية تقنية صارمة تُعرف داخل الشركة بـ "بناء الأنطولوجيا"، تقوم فيها خوارزمياتها بخلق "توأم رقمي" لكلّ فرد عبر صهر شظايا حياته المبعثرة في قالب واحد؛ من موقعه الجغرافي وسجلاته المالية، وصولاً إلى نبرة صوته وشبكة علاقاته الاجتماعية. وتُشكّل هذه البيانات صورة بانورامية تستشرف المستقبل عبر مجموعة من الاحتمالات الرياضية التي تحدّد درجة خطورته، وكيف يمكن التعامل معه استباقياً سواء بالاعتقال أو الاستهداف، قبل وقوع الجُرم فعلياً.
جسّد اختيار بيتر ثيل (المؤسّس الأيديولوجي للشركة) ورفاقه اسم "بالانتير" إحالةً أدبيةً واعيةً لملحمة "سيد الخواتم" لجون رونالد تولكين. ففي الرواية كانت أحجار البالانتير أدواتٍ لكشف الغيب تخفي فخاً قاتلاً؛ إذ تُخضع الناظر فيها لإرادة "سيد الظلام". وقد استدعى المؤسسون هذه الرمزية لبناء ما تسمّى تقنياً "الرؤية البانوبتيكية" (Panoptical View). ولمن لا يألف المصطلح، فهو مُستمد من تصميم السجون حيث يرى الحارس كلّ السجناء دون أن يروه، مما يخلق شعوراً دائماً بالمراقبة. لكن "بالانتير" تجاوزت السجن الفيزيائي؛ وسعت لبناء "سجن معلوماتي" يرى النيات قبل الأفعال، متقبّلةً التحذير الضمني في القصة الأصلية، بأنّ امتلاك المعرفة الكلية يقتضي بالضرورة تشييد سجنٍ، جدرانه البيانات.
لعنة التأسيس
لفهم هذا الكيان الذي تأسّس عام 2003، يتحتّم القفز فوق "سردية المرآب" الرومانسية المُعتادة في وادي السيليكون؛ تلك الأسطورة التي تقول إنّ شركات التكنولوجيا تولد بجهود فردية بريئة في كراج منزل. الحقيقة هي أنّ "بالانتير" ولدت في أقبية وكالة الاستخبارات المركزية (CIA) التي موّلتها عبر ذراعها الاستثمارية "In-Q-Tel". بيد أنّ ولادتها الفكرية جاءت كوريثٍ شرعي لما عُرف بـ "مافيا باي بال" (PayPal Mafia)؛ تلك العصبة المتنفّذة التي غادرت عملاق المدفوعات لتعيد هندسة وادي السيليكون. تفتّق ذهن هؤلاء عن فرضية محورية: إنّ الخوارزميات التي أثبتت كفاءتها في تتبع مسار الأموال وكشف الاحتيال المالي، تملك بالضرورة القدرة على إعادة هندستها لرصد "الشذوذ السلوكي" للبشر واستباق النيات.
ولدت بالانتير في أقبية وكالة الاستخبارات المركزية (CIA) التي موّلتها عبر ذراعها الاستثمارية "In-Q-Tel"
ولتحويل هذه الفرضية إلى واقع أمني، نفّذت الشركة عملية "نقل دم" تقني، تجسدت في استحواذ "باي بال"، بتوجيه من بيتر ثيل، على شركة "Fraud Sciences" الإسرائيلية عام 2008، لتضخ في عروق الشركة الناشئة خبرات نخبة من خريجي "الوحدة 8200" (وحدة النخبة في الاستخبارات الإلكترونية الإسرائيلية)، دامجةً بذلك العقيدة الأمنية الصارمة لتل أبيب مع الطموح التقني الجامح لكاليفورنيا، وتشكّل الأساس الذي بُني عليه لاحقاً نموذج عملها الميداني الفريد.
عقيدة الحرب
تتبنى الشركة نموذج "المهندس المنتدب ميدانياً"، حيث يغادر مهندسوها مكاتبهم ليعملوا في الخنادق مع الجنود والمحلّلين، ما يذيب الحدود بين "الشركة" و"الدولة". وتبسط نفوذها عبر منصة "غوثام" (Gotham) التي تطبّق تلك "الأنطولوجيا الرقمية" لخلق خريطة حيّة تربط بين رقم هاتفك، وحسابك البنكي، وموقع سيارتك، ولائحة أصدقائك، لتكشف علاقات خفية لا تراها العين البشرية. بينما تتولى منصّة "فاوندري" (Foundry) دور "الجهاز العصبي اللوجستي"، حيث تدير تدفق "الأشياء" لا الأشخاص هذه المرّة، من قطع غيار الدبابات إلى توزيع اللقاحات، مُتنبئةً بالأزمات قبل وقوعها.
توجت الشركة هذه المنظومة بمنصّة الذكاء الاصطناعي (AIP) التي دمجت النماذج اللغوية الكبيرة بالبيانات العسكرية. وحين نكصت "غوغل" على عقبيها وانسحبت من مشروع "مافن" (Project Maven) التابع للبنتاغون عام 2018 تحت وطأة "وخز الضمير" واحتجاجات الموظفين، تقدّمت "بالانتير" لملء هذا الفراغ الأخلاقي ببرود الفولاذ، ملتقطة القفاز الذي أسقطته غوغل، ومعلنة عن عصر جديد تُسلّم فيه مفاتيح الحرب لأنظمة تصويب ذاتية.
مختبر فلسطين
عقب عملية 7 أكتوبر (2023)، عقدت بالانتير اجتماع مجلس إدارتها في تل أبيب ووقّعت شراكة استراتيجية مع وزارة الدفاع الإسرائيلية لدعم المجهود الحربي، ووفّرت الشركة البنية التحتية لدمج البيانات التي تُغذي أنظمة الذكاء الاصطناعي الفتاكة التي استخدمها الجيش الإسرائيلي. وجدت منظومة "بالانتير" في الأراضي الفلسطينية المحتلة بيئة اختبار نموذجية، أو ما وصفه الصحافي أنتوني لوينشتاين بـ"مختبر فلسطين".
تحوّلت مأساة غزّة إلى بطاقة تعريف تجارية لمنتجات "مُجربة في المعركة"
كشفت التقارير عن أنظمة مثل "غوسبل" (The Gospel) و"لافندر" (Lavender)، التي تعمل بدعم من بنية بالانتير التحتية لدمج البيانات، حيث حدّد الأخير ما يصل إلى 37 ألف فلسطيني أهدافاً مُحتملة، مع تدخل بشري شكلي لا يتجاوز 20 ثانية للموافقة على الاغتيال. بينما صُمّم نظام "أين أبي؟" (Where's Daddy) لتتبّع المُستهدفين حتى دخولهم منازلهم لقصفهم بين عائلاتهم.
تحوّلت مأساة غزّة إلى بطاقة تعريف تجارية لمنتجات "مُجربة في المعركة"، وهو ما دفع صندوق الثروة النرويجي "Storebrand"، لسحب استثماراته البالغة 24 مليون دولار من الشركة، مُعتبراً أنّ التواطؤ في ترسيخ نظام الفصل العنصري خطّ أحمر لا يمكن للأرباح أن تغسله.
الارتداد إلى الداخل
لم تلبث التكنولوجيا التي شُحذت نصالها في الخارج أن ارتدت إلى الداخل الأميركي. فإلى جانب "الشرطة التنبؤية" التي استهدفت الأقليات في نيو أورلينز، كشفت تقارير حقوقية عن وجه جديد للمراقبة عبر ما وُصف بـ "الاستهداف الرقمي للطلاب". إذ وفّرت بالانتير لوكالة الهجرة نظام "ImmigrationOS"، الذي يمنح السلطات "رؤية في الوقت الفعلي" عبر دمج سجلات الهجرة الرسمية مع البيانات غير التقليدية، بما في ذلك نشاط الأفراد على وسائل التواصل الاجتماعي.
هذا الدمج التقني حوّل الآراء السياسية إلى معايير للتقييم الأمني؛ حيث حذّرت منظمة العفو الدولية من أنّ تقنيات الشركة تشكل تهديداً بالمراقبة للمتظاهرين المناصرين لفلسطين. وقد مكّنت هذه البنية التحتية السلطات من ملاحقة الطلاب الدوليين، مهدّدةً آلافاً منهم (بين 1800 إلى 4000 وفق التقديرات) بإلغاء التأشيرات، مستخدمة بصماتهم الرقمية كأدلة إدانة، مما حول التعبير عن الرأي إلى سبب للترحيل القسري.
حذّرت منظمة العفو الدولية من أنّ تقنيات الشركة تشكل تهديداً بالمراقبة للمتظاهرين المناصرين لفلسطين
وخلف واجهة "الدفاع عن الحضارة الغربية" التي يتغنى بها أليكس كارب (الرئيس التنفيذي)، يمور مستنقع من التناقضات. في سنة 2011 برزت فضيحة تخطيط الشركة لتدمير البنية التقنية لـ "ويكيليكس" وتشويه سمعة الصحافي غلين غرينوالد. أما في 2018 كشف الموظف السابق في شركة "كامبريدج أناليتيكا" كريستوفر وايلي أنّ موظفين من بالانتير ساعدوا الشركة سراً في بناء النماذج النفسية التي استخدمت بيانات فيسبوك للتلاعب بالناخبين، مما يربط الشركة بأخطر عملية تلاعب بالعقول في العصر الحديث.
الشبكات المظلمة
تكتمل الصورة القاتمة لشبكة العلاقات المُثيرة للجدل باستثمارات جيفري إبستين (المدان بجرائم جنسية) البالغة 40 مليون دولار في صناديق بيتر ثيل، وتمتدّ الشبكة لتشمل اللورد البريطاني بيتر ماندلسون، الذي تُثار حوله شبهات استغلال النفوذ لتأمين عقود حكومية ضخمة لبالانتير في بريطانيا من دون مناقصات تنافسية.
وحتى داخل الشركة نفسها، كشفت دعوى قضائية رفعتها ضدها شركة الاستثمار (KT4 Partners) في محكمة ديلاوير، أنّ الحوكمة كانت غائبة، حيث أدار المديرون الشركة عبر الإيميلات الشخصية لإخفاء الآثار، في سلوك يشي بأن "حماية الحضارة" قد لا تعني سوى حماية مصالح قلّة مُتنفّذة فوق القانون.
وفي نهاية المطاف، قد لا تكون مأساتنا في أنّ "بالانتير" تملك "كرة بلورية" ترى كلّ شيء. المصيبة أنّنا سلمنا طواعيةً حقنا في "الغموض" لشركة وعدت بالأمان، ونسينا التحذير القديم لصاحب "سيد الخواتم": العين التي لا تنام، لا تحرسك بالضرورة.. بل قد تكون هي السجان!

Related News
الشرع: أعمل على إبعاد سوريا عن نزاع الشرق الأوسط
aawsat
12 minutes ago
«رائحة كبار السن» حقيقة علمية... فما سرّها؟
aawsat
13 minutes ago
قفزة بـ16 % لواردات الصين من زيت الوقود وسط حصار «هرمز»
aawsat
15 minutes ago