Arab
تسود مخاوف بشأن الوضع المائي في المغرب، إذ تواجه البلاد تراجعاً مستمراً في نسبة ملء السدود ناتج من توالي سنوات الجفاف وقلة التساقطات المطرية، بينما تخشى السلطات الوصول إلى الحد المطلق لندرة المياه البالغ 500 متر مكعب للفرد سنوياً، بحسب البنك الدولي.
وحذّر تقرير أممي حديث من دخول العديد من الدول، ومن بينها المغرب، مرحلة "الإفلاس المائي" بسبب استنزاف لا رجعة فيه للموارد المائية. ويعيش المغرب منذ أربع سنوات في ظل "حالة طوارئ مائية"، إذ أعلنت الحكومة في يوليو/تموز 2022، مع ضرورة اتخاذ التدابير اللازمة لمواجهة النقص الحادّ في الموارد المائية الذي قالت إنه يضع الأفراد في وضعية مقلقة تؤثر في قدرتهم على الحصول على الكميات اللازمة للاستعمال اليومي، وأيضاً على الأنشطة الاقتصادية، وجهود التنمية.
وصنف تقرير الأمم المتحدة المغرب ضمن البلدان ذات "المخاطر المائية العالية"، وأكد أن الأمر لا يقتصر على أزمة الجفاف، بل أيضاً "الجفاف بشري المنشأ" الناتج عن استنزاف "رأس المال المائي" المتمثل في المياه الجوفية، وبمعدلات تفوق القدرة الطبيعية على التجدد. منبهاً إلى أن الاعتماد المفرط على المياه الجوفية لسد العجز الناتج عن نقص الأمطار، أدى إلى تدهورها، لدرجة أن بعضها لم يعد قادراً على التعافي.
ويقول الخبير البيئي مصطفى بنرامل، لـ"العربي الجديد"، إن "التقرير الأممي يمثل إشارة إنذار قوية حول الوضع المائي في المغرب، حيث لم يعد الأمر يقتصر على دورات الجفاف الطبيعية، بل أصبح مرتبطاً بالجفاف الناتج عن الضغط المفرط على الموارد المائية، خاصة المياه الجوفية. تصنيف المغرب ضمن المناطق ذات المخاطر المائية العالية يستند إلى مجموعة من المؤشرات العلمية المرتبطة بمستوى استهلاك الموارد مقارنة بقدرتها الطبيعية على التجدد".
ويلفت بنرامل إلى أن أبرز المعطيات التي كشف عنها التقرير الأممي كان استهلاك القطاع الفلاحي نحو 80% من الموارد المائية الوطنية، وتراجع حصة الفرد من المياه من نحو 2500 متر مكعب سنوياً إلى أقل من 600 متر مكعب حالياً، بينما عتبة الندرة المائية الحادة المحددة من طرف منظمة الصحة العالمية تبلغ 1000 متر مكعب، إلى جانب استنزاف متزايد للمياه الجوفية في عدة أحواض مائية.
ويضيف: "المؤشرات تعكس انتقال المغرب من مرحلة الضغط المائي إلى مرحلة أكثر خطورة تتمثل في استنزاف المخزون الجوفي الذي تراكم عبر آلاف السنين. الأزمة المائية ليست ناتجة عن عامل واحد، بل هي حصيلة تفاعل عدة عوامل، من أبرزها التغيرات المناخية التي أدت إلى انخفاض التساقطات المطرية وعدم انتظامها، مع التوسع الكبير في الزراعات الموجهة للتصدير، وهي زراعات ذات استهلاك مرتفع للمياه، مثل البطيخ الأحمر والأفوكادو والطماطم، إضافة إلى الاستغلال المفرط للمياه الجوفية عبر الآبار العميقة، والذي يتم في كثير من الحالات عشوائياً، ومن دون ترخيص".
ويوضح بنرامل: "ترتبط الأزمة المائية في المغرب كذلك بضعف مردودية شبكات الري التقليدية التي تهدر جزءاً مهماً من المياه، والنمو الديمغرافي، والتوسع العمراني الذي يرفع الطلب على الموارد المائية، وضعف فعالية شرطة المياه، وقصور مجالات تدخلها، سواء من الناحية التقنية أو الموارد البشرية. ما يثير القلق هو أن الاستنزاف الحالي للمياه الجوفية قد يؤدي إلى فقدانها بشكل دائم في بعض المناطق، والإفلاس المائي لا يمثل مشكلة بيئية فقط، بل له انعكاسات مباشرة على الاقتصاد والأمن الغذائي والاستقرار الاجتماعي".
ويرى أن "تجاوز هذه الأزمة يتطلب تحولاً استراتيجياً في تدبير الموارد المائية يقوم على مجموعة من الإجراءات العملية، من بينها إصلاح النموذج الفلاحي المائي، وتشجيع الزراعات الأقل استهلاكاً للمياه، وتعميم تقنيات الري الموضعي والري الذكي، وإعادة تقييم بعض الزراعات الموجهة للتصدير ذات الاستهلاك المرتفع للمياه، إلى جانب حماية المياه الجوفية من خلال فرض رقابة صارمة على حفر الآبار، واعتماد حصص مائية في الأحواض التي تعرف استنزافاً، وتطوير برامج إعادة تغذية الفرشات المائية، مع تنويع مصادر المياه، والتوسع في مشاريع تحلية مياه البحر في المدن الساحلية، وتعزيز إعادة استعمال المياه العادمة المعالجة في الفلاحة والمساحات الخضراء".
ويعتبر الخبير البيئي المغربي أن "التحذيرات الواردة في تقرير الأمم المتحدة ينبغي أن تُفهم كفرصة لإعادة التفكير في النموذج المائي، فمواجهة خطر الإفلاس المائي تتطلب تعبئة وطنية شاملة، ومستقبل الأمن المائي في المغرب يعتمد على الانتقال من منطق استنزاف الموارد إلى منطق تدبيرها بشكل مستدام، فالماء ليس مجرد مورد طبيعي، بل عنصر استراتيجي للأمن البيئي والاقتصادي".

Related News
الشرع يؤكد أنه يعمل على إبعاد بلاده عن أي نزاع
aawsat
5 minutes ago