زكريا تامر... ذلك النصل الحادّ
Arab
1 day ago
share
زكريا تامر (1931)، قَاصٌّ فَيلسوفٌ وفَنَّانٌ سَاخِر. يكتبُ قِصَصاً، على قِصْرِ كلماتها. أطْوَلُ مَرثاةٍ ومَلهاةٍ تُنكِّلان بعلماء الجرائم من الطُغاة والمستبدِّين. يكتبُ بجنونٍ احتفالي بتشليحِهم رُتَبَهم والمَناِصبَ التي اغتصبوها، ويَسحبُ منهم الشعورَ البرجي والشعورَ الشيطاني ويُعيدهم إلى آدميتهم؛ عراةً حفاةً، ومن ثمَّ يُحرِّضُنا على استرداد حقِّنا منهم، وبلغةٍ من كلماتٍ ذاتِ رزمةٍ من الدلالات والعلامات؛ وحشِية وشعرِية، واقعية وأسْطُورِية. في قصَصِه يَسحُبنا من الثلاجات والمتاحف والمسالخ، لنعيش ونشاركَ شخصياته التاريخية والدينية والأسطورية التي استحضر أرواحها في لحظةٍ راهنة، بما في ذلك الحيواناتُ الضاريةُ كالنمورِ والمسالمةُ كالطيور. فنرى صوراً من القسوة والعنف تتحرَّك أمامنا، ما يحقِّق عنده الصرامة الجمالية، وكأنَّ زكريا تامر في حَالةِ وِجْدٍ عميقةٍ من شدَّة الأَلمِ الذي تُعانيه هذه الشخصيات، فتسري في أرواحنا تلك الضحكةُ السوداءُ القاتمةُ التي نَكْتُمُها وكأنَّنا في عرضٍ مسرحي، لكنَّنا لا نملك إلّا أن نَضحكَ مرَّةً، ومرَّاتٍ نَتألَّم، ومرَّةً نُصفِّق ونَكزُّ على أسناننا. فنَتفرَّج لنَخْرُج من العرضِ المسرحي وكُلُّنا حَماسٌ لنُصفِّي حساباتنا مَعَ مَنْ خانونا وباعونا لِمَنْ باعونا. في حكاياته يتَهَكَّم، يلعبُ، يتلاعبُ بالصراع فَيُؤجِّجُه ويستدعيه، فيكتمُ أنفاسَنا؛ ما هذهِ الروحُ العدَميةُ التي تملكُ كلَّ هذه القوَّة التدميرية؟ زكريا تامر في قصصه التي بدأها بمجموعة: صهيلُ الجوادِ الأبيض 1960، ربيع الرماد 1963، دمشق الحرائق 1973، ثمَّ إلى: النمور في اليوم العاشر 1978، نداءُ نوح 1994، تكسير رُكب 2002، أرضُ الويل 2015، وحتى "نَدَمُ الحصان" 2018. يُفكِّه ويتفكَّه بالمُستبد، فيبين عن ألَمِه - ألَمِنا، ثم يحوله إلى ضحكةٍ سوداء غاضبة، إنَّما قنبلة وتنفجر. في حكاياته يتَهَكَّم، يلعبُ، يتلاعبُ بالصراع فَيُؤجِّجُه ويستدعيه، فيكتمُ أنفاسَنا؛ ما هذهِ الروحُ العدَميةُ التي تملكُ كلَّ هذه القوَّة التدميرية؟ وتبقى في الوجود؛ والوجود الجمالي والأخلاقي. في حوار معه: "يُخيَّلُ إليَّ أنَّ القصَّة القصيرة شديدةُ الشبه بسكِّين، يستخدمُها الكاتبُ الرديءُ في تقشير البطاطا، بينما الكَاتِبُ الجيِّدُ قد يستخدمُها لقتلِ نمر". قاسٍ هو زكريا تامر لكنَّها القسوةُ التي تنتقمُ لذاتِها؛ فمعظم شخصياته الشريرة شياطين مُرعبة؛ نعيشُ معها في مخفر الشرطة، في الأسواق، في الحدائق، وفي كلِّ الأمكنة والأزمنة وهي في صورة جسدٍ إنساني؛ تعتدي على أعراضنا، تُعذّبُنا، تنْصُبُ علينا، تشلِّحنا ثيابنا وأموالنا؛ تقهرنا، لكنَّ زكريا تامر المُفكِّر والمُثقَّف العضوي لا يملكُ إلّا أن يأخذها إلى حقل الرمي، يُشَرْشِحُها، يفضح سلوكها العدواني، ويكشفُ سرقاتِها وخياناتِها من بيعِ الأوطان إلى بيعِ الحروب والاستثمار فيها بحجَّة رمي إسرائيل في البحر. فمَنْ يسبحْ ينجُ، والذي لا يُجيدُ السباحة يغرقُ، أو يُنقذُه المُنقذ، بينما إسرائيل في كلِّ حروبها من حرب عام 1948 وحتى الحرب على غزَّة 2023 ترمينا بالقنابل الخارقة الحارقة المارقة، وتُحوِّل أجسادنا إلى رماد. لكن زكريا تامر ما يفتأ يُناشِنُ وينقضُّ عليهم ويفتكُ بِهم، فنرى شخصياته تتحوَّل إلى شجرة: "وفي يوم من الأيام، كانت السماءُ زرقاء لا تَعبُرُها أيُّ غيمة، فقَصَدْنا أحدَ البساتين، فإذا برجال الشرطة يدهمونَ البستانَ بعد دقائق طامحين إلى الإمساك بنا، ولكنَّهم لم يُوَفَّقُوا لأنّي تحوَّلتُ غراباً أسودَ الَّلون، دَائمَ النَعيب، وتَحوَّلتْ زوجتي شَجرةً خضراء، غزيرةُ الأغصان. وضَحِكْنا كثيراً من إِخْفاقِهم". هذا الانقلابُ أو التحوُّلُ الساخرُ المُرعبُ كفيلمٍ سوريالي - ليس خوفاً من الشرطة. بطلا القصة أرادا أنْ يلعبا معهم لعبةَ "التخباية" لما يرمزُ إليه الشرطي كآلة قمعٍ وقتلٍ في سورية زمنَ الاحتلال الأسدي، ذلك حتى لا يُصفِّي الشرطي الحياة فيهما، وليتركَ الصراعَ قائماً ساخناً عنيفاً في علاقاتٍ متشابكة ومتفاعلة بين الواقعي والخيالي. لا يكتب قِصَصَه على أساس الإلهام أو النظريات الفنية والفلسفية، بل يكتبها من مُعاناتِه، من ألمِه؛ باعتبار أنَّ الكتابة عنده هي عمليةٌ شعورية يُخيِّلُ المآسي، ويمزجُ عناصِرَها المُتنافرة، وَمِنْ ثمَّ يُحطِّمها. يُحرِّف، ويُشوِّه، يُقبِّح، يَمْسَخ ليُفرجينا هشاشةَ العدو؛ مُسْتَعيرَ القوَّة من "الشياطين" الذين قَعَدُّوهُ مُديراً، رئيساً، ومن ثمَّ حَموهُ من غَضَبِ الناسِ.  زكريا تامر يُعرِّي الرئيس فيكشفُ عن سُلوكِه بصفته وجهاً للشر، أو الشرَّ كُلَّه، كما يكشفُ عن وسَاخَةِ بطانته التي تُطبِّل له: "جاعَ المواطنُ سُليمان، فأكلَ جرائدَ زاخرةً بمقالاتٍ تمتدحُ نظامَ الحُكم وتُعدِّد محاسِنه المُتجلية في محو الفقر. ولما شَبِعَ شكرَ اللهَ رازقُ العِباد وآمنَ إيماناً عميقاً بما قالَته الجَرائد!" فيُخَيِّل بِنا ويُحوِّلنا إلى كائناتٍ صامتة مرَّةً ومُتحرِّكة مرَّات، إلى ينابيع وأنهار. صُوَرٌ مُفزِعَةٌ ومُرعبة، يَرسمُ بها زكريا تامر ما عاشَ وما شاهد من فظائعِ (الديكتاتور) وهو بذلك لا يعتدي ولا ينتقم، هو يأخذُ حَقَّه بقلمه من الرئيس، ومن الشرطي ومُعلِّمه، ومن أجهزة المُخابرات، ومن المُشتغلين بالدين، ومن التُجَّار والصِناعيين فَيفتِكُ بِشَرَفِهم المُقدَّس؛ يهدمُ أحجارَ قصورِهم على رؤوسهم- وهذا أمرٌ أو فعلٌ يُعاقَبُ عليه إمَّا بالتغييب في السجون أو في تقشير الجلد أو سلْخِه، وتعليقِ الجاني على حبالِ الغَسيلِ/ المَشانقِ. لمَّا تَخْلَص مِن قراءةِ قِصَصِه تراهُ وقْد وضَعَ تحت لسانِك صاعقاً مُتفجِّراً، لِتُفَجِّرَ ما يتَفجَّر بالقذَر الذي وَسَّخَ الطاغيةُ فيه سورية، لأنَّه يَصعَبُ غسلُه؛ بل لا تكفيه كل مياه الأنهار وخاصة مياه النهر الذي سكت. ذلك لأنَّه لا يكتب قِصَصَه على أساس الإلهام أو النظريات الفنية والفلسفية، بل يكتبها من مُعاناتِه، من ألمِه؛ باعتبار أنَّ الكتابة عنده هي عمليةٌ شعورية؛ عقلانية، ومُثيرة للأسئلة والدهشة والحماسة. فالإنسان وكرامته ليسا ريشةً في مَهبِّ الريح، وأنَّها – الكتابة؛ عمليةُ مواجهةٍ تتّسِمُ بالجدَيِّة والتَفَرُّد، فالبطلُ حتى لو ماتَ فإنَّه سرعان ما يعود. وهذا البطل قد يبدو أحياناً في قصصه وحيداً معزولاً خائفاً من بطش عُمَّالِ وشَغِّيلةِ الشرطة والمُخابرات، لَكنَّه سرعان ما يَخرُجُ من وحْدَتِه ويبدأُ بمنازَلَتِهم: فَارِس لِفارِس، وعَشَرة لفارس. فتَتصاعَدُ الأحداثُ وتقوى، وتتطايرُ الأجزاءُ والأطرافُ وهو يَتهجَّمُ عليهم ويُهاجِمُهم، وإنْ كَرَّ أو فرَّ إنَّما ليُوقِعَ بهم في مَصَائدِه فيطعنهم تِلْكَ الطَعْنَة القَاضِية.

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows