Arab
لا يُنسى ذلك اليوم الذي اشتعلت فيه انتفاضة سوريين في بلدهم ضد تسلّط أجهزةٍ بوليسيةٍ ومخابراتية، قبل 15 عاماً. اشتعل السؤال فيه عن صيغة تعامل السلطة مع تظاهرات احتجاجية تتابعت، وشارك فيها أطفال ونساء وشباب وشيوخ، وكانت ذات نزوع إصلاحي محض. سارعت السلطة إلى إجابتها إياها، وكانت في رعبٍ من متلازمة الربيع العربي الذي أطاحت ثورتان في غضونه نظامي زين العابدين بن علي في تونس وحسني مبارك في مصر، فردّت بالعنف العاري، واستضعفت السوريين باستعراض نيران الرصاص، من دون أي احتكامٍ إلى العقل أو الحكمة. ثم مضت البلاد بعد تلك الأيام الأولى إلى ما هو معلومُ للكافّة، ومُصان في ذاكرة سورية شاسعة، اتّسعت لحكايات الألم والعذاب في تغريبةٍ مديدة، ثم صار النصر الكبير المشهود، يوم فرّ راس النظام من فرط خوفه، وانهارت مؤسّسات التنكيل والقهر. ولهذا المسار سرديةٌ واحدة، وإنْ بتنويعاتٍ وإحالاتٍ غزيرة، هي سردية الشعب السوري نفسه، والتي يعبّر عنها أهل الفكر والثقافة والتأريخ والفن والأدب والتدوين، عندما يصوغون متون الحكاية بتلاوينها وطبقاتها وحوافّها وهوامشها، بل ومرويّاتها المختلفة غير المُختلقة، ويؤثّثوها بمطارحاتٍ فكريةٍ ثرية، عمادُها رفض كل تسلط واستعباد وتجبّر.
اخترنا في "العربي الجديد" أن يصدُر ملحقٌ يختصّ بشؤون سورية ما بعد الأسد، سورية التي استردّها أهلوها من سلطة غاز السارين، وبقضاياها وأسئلتها الوفيرة، ليكون إسهاماً مضافاً للجهد الذي واظبت عليه جميع أقسام الصحيفة وموقعها الإلكتروني، عن سورية التي كانت، وعن سورية الأخرى التي تطلّع شعبها إليها. اخترْنا، فور انتصار درب الحرية الطويل أن نُصدر هذا الملحق، وقد فعلنا، فكان العدد الأول منه في أول ذكرى للثورة في العهد الواعد والناهض. وهكذا كان. ولنا، بعد اكتمال عام على ذلك العدد، أن نعتزّ بالاستقبال الطيب للملحق من سوريين بلا عدد، ومن قرّاء عرب ينشغلون بسورية، ماضياً وحاضراً وأفقاً. ومع الاعتزاز نفسه بعملٍ كثير أنفقه الزميلان، يعرب العيسى وعماد كركص، ومعهم زملاء في القسم الفني، في تقديم كل تلك التقارير والتحقيقات والمقابلات والاستطلاعات والمقالات والمعالجات المتنوعة على صفحات الملحق، فإننا لم نتعامَ عن أي مؤاخذاتٍ وملاحظاتٍ وردت من متابعي الملحق الذين واظبوا على مطالعته أسبوعياً. والتحايا واجبةٌ لجمهرة الكتاب والصحافيين الذين زوّدوا الملحق بإسهاماتهم التي لا غلوّ في وصفها ذخيرةً مهمّةً في معرفة أحوال السوريين في بلدهم، ومشاغلهم وانتظاراتهم وأسئلتهم، في شؤون عيشهم وبحثهم عن عدالة اجتماعية لازمة لمّا تتحقّق بعد، وكذلك في شؤون بناء دولة مؤسّساتٍ وقانون وحرّيات يعملون على بنائها، في إشاراتهم إلى الإيجابي مما تؤدّيه السلطة، وإلى النواقص في عملها، وإلى ما يلزم منه إلى تصويب وتصحيح، وإلى ما يستحقّ النقد والانتقاد.
يقال عن حقٍّ إن مادح نفسه كذّاب. ولكننا، في هذه الكلمات المرسلة لا نمدح شخوصنا، ولا نحتفل بما نعمل ونُنجز، وإنما نستعرض ما يلزم أن نُلحقه بقولٍ صحيح وصريح، إن الكثير نستشعر فينا واجب أن نؤدّيه في ملحق "سورية الجديدة"، ذلك أن التنويع المركّب، والمعقد أحياناً، في قضايا الراهن والمستقبل السوريين، يتطلب مزيداً من التنويع في المعالجات والمقاربات ومنهجيات التناول. وهناك أسماء كثيرة في النخبة السورية العريضة، في الاقتصاد والفكر والاجتماع والآداب والفنون، وصاحبة اجتهادات وتصوّرات مقدّرة، من بالغ الضروري الانفتاح عليها، والتواصل معها. ولذلك، ليس من وعودٍ في مختتم هذه السطور سوى أن يبقى الملحق شديد الحرص على التجويد والتحسين والتطوير والتعديل، ليعبّر في أفضل صورة، وأرفع مضمون ومحتوى، عن رؤيةٍ تقيم فينا في "العربي الجديد"، تصدُر عن وجوب انحيازنا المعلن والمؤكّد مع المواطن السوري، في كل شواغله وهمومه، في غضبه وارتياحه... ومعه، من قبل ومن بعد، في تطّلعه إلى أن يُنجَز في سورية الجديدة كل ما انتفض من أجله، وهو الذي قدّم تضحيات باهظة في سيره الصعب نحو العدالة والكرامة، وذلك يوم 18 مارس/ آذار 2011 مقيم في الحشايا والنفوس والأفهام والعقول.

Related News
تهاوي الأسهم الآسيوية تحت وطأة تصعيد الحرب في الخليج
aawsat
5 minutes ago