Arab
اندلعت الحرب في المنطقة من جديد، لتضاف إلى سلسلة من حروب داخلية وخارجية لا تنتهي، لندرك أن هذه الجغرافيا المسمّاة في أدبيات الاستعمار الكلاسيكي "الشرق الأوسط" لا تعيش أزمة أخرى عابرة، بل تتكشّف من جديد مشدودةً إلى تاريخ طويل من العنف. فلم تبقَ الحرب داخل حدود أطراف الصراع، وامتدّت إلى دول الخليج العربي مهدّدة سلامة مجتمعاتها، وطاولت الموانئ والأسواق والممرّات البحرية، لتبدو المنطقة كلّها ساحةً واحدةً مشتعلة. في كلّ حال، لا يمكن الاستسلام للاستسهال الكسول (والخبيث في آن معاً) الذي يرى المشهد نتيجةً "طبيعية" لشرق أوسط مولع بالحروب، ما يعفي التاريخ من مسؤوليته، ويحوّل السياسي في تلك الجغرافيا قدراً. فليس العنف طبعاً ثابتاً في المكان، ولا عيباً ثقافياً في شعوبه، بل حصيلة قرن من الاستعمار والتقسيم القسري والتدخّلات الخارجية، ودول وُلِدت قبل اكتمال شروطها السياسية، رُسم كثير منها وفق مصالح القوى الكُبرى، على الأقل منذ "سايكس – بيكو"، ويعاد اليوم تشكيل العراق وسورية والسودان واليمن وليبيا وفق المنطق ذاته.
الشرق الأوسط جغرافيا صُنعت بالعنف، والحديث عن عنفه يبقى ناقصاً إن لم يبدأ من فلسطين بوصفها العقدة الأخلاقية والسياسية الأوضح في بنية العنف المؤسِّس للشرق الأوسط، والدليل على أن عنف المنطقة ليس فوضى عابرة، بل بنية تاريخية قوامها الاقتلاع والاحتلال وإخضاع الحقّ لمنطق القوة، ومحاولة دائمة لإعادة تعريف الضحية بوصفها مصدر الخطر. إنها البرهان على أن العالم الذي أُنتج استعمارياً أكثر من خلاف سياسي عابر، عالمٌ مقسَّم يقوم على العنف ويعيد إنتاجه، كما رأى فرانز فانون. وهذا ما يجعل أيّ تحليل يساوي بين المحتلّ والواقع تحت الاحتلال، وبين المعتدي والمعتدى عليه، تحليلاً فاقداً لبوصلته الأخلاقية.
غير أن تحميل الخارج وحده المسؤولية كلّها لا يكفي. فالمنطقة دفعت أيضاً ثمن نُخب سياسية أخفقت في بناء دولة المواطنة والتمثيل. وفي حالات كثيرة، تحوّلت الدولة جهازَ ضبط أمني أكثر منها إطاراً للمشاركة العامة. لم تُبنَ دول المنطقة على عقد اجتماعي مستقر، بل على تسويات هشّة بين الداخل والخارج، وبين السلطة والمجتمع. فإذا كانت الدولة الحديثة هي أداة عقلنة المجتمع لا مجرّد أداة سيطرة، بحسب عبد الله العروي، فإن الأزمة تبدأ حين يظهر شكل الدولة قبل أن يترسّخ مضمونها التاريخي والسياسي، فتمتلك بعض الكيانات مظهر الدولة، لكنّها تعجز عن إنتاج السياسة بوصفها تمثيلاً وتوازناً وشرعية، في حين يكون الحكّام والمحكومون في الدولة الحديثة، بحسب عزمي بشارة، أعضاءَ في كيان واحد عبر المواطنة، هي دولة تقوم على شرعية تعاقدية/ مؤسّساتية لا على مجرّد سلطة مفروضة.
حين تتعرّض دولة مركزية لضربات أميركية وإسرائيلية، فتنتقل ارتداداتها إلى الخطوط البحرية والمنشآت النفطية، يتضح أن الشرق الأوسط ما زال يُدار فضاءً للطاقة والردع وتوازنات القوة، لا فضاءً طبيعياً لشعوب تريد الأمن والسيادة. وقد نبّه إدوارد سعيد إلى أن الجغرافيا ليست بريئة. إنها ميدان تُفرض عليه الروايات وموازين القوة. لذلك، لا تُقرأ المنطقة عالمياً من زاوية شعوبها، بل من زاوية المضائق والنفط والأمن. يسهل على الخارج أن يوسّع حضوره حين تضعف السياسة في الداخل ويصبح المجتمع أكثر هشاشةً أمام الاختراق والحرب والانقسام. فالعنف ليس خارجياً فقط، ولا داخلياً فقط، إنه تواطؤ مرير بين هيمنة الخارج وعجز الداخل. قد تبدو المنطقة عنيفةً إلى هذا الحدّ، لكن السؤال منهجياً ومعرفياً: من صنع شروط هذا العنف، ومن الذي يستفيد من بقائه؟ وفي حال غيّرت الحرب الراهنة وجه المنطقة، فلمصلحة أيّ نظام جديد؟
يجب إعادة توجيه النقاش نحو جذور المشكلة، لا مظاهرها، في مواجهة مفارقة قديمة/ جديدة تتمثّل في الطلب من الضحايا تفسير غضبهم أكثر ممّا تُطالب المعتدين بتفسير عدوانهم. الحرب الحالية على إيران ليست سوى تذكير بأن الشرق الأوسط لم يُسمح له بعد أن يصير فضاءً عادياً للسياسة، وإذا ظلّ يُدار بمنطق الردع والهيمنة والاقتلاع، لا بمنطق العدالة والسيادة، فلن تكون كل حرب جديدة مفاجأة، بل ليست أكثر من فصل آخر، أكثر حدّةً، من تفاقم إشكالات تاريخ لم تُحلّ بعد.

Related News
تشاور سعودي - أردني - تركي بشأن أوضاع المنطقة
aawsat
4 minutes ago
كأس الملك: الهلال يعايد جماهيره بـ«النهائي الكبير»
aawsat
7 minutes ago
وساطة أميركية تنقذ صادرات نفط كركوك
aawsat
9 minutes ago
رفض قاطع للإرهاب.. الإمارات تدين هجوم مايدوجوري في نيجيريا
al-ain
12 minutes ago