Arab
من المبكّر التكهن بمستقبل الاستثمارات الأجنبية الضخمة في دول الخليج على المدى القريب، مع استمرار الحرب على إيران واتساع رقعتها، ومن الصعوبة التوقع بهروب حصة مهمة من تلك الاستثمارات، خاصة الأميركية، عقب أن تضع الحرب أوزارها، استناداً في ذلك إلى توافر مؤشرات عدّة طاردة للاستثمار منها؛ زيادة المخاطر الجيوسياسية والأمنية في منطقة الخليج الثرية، واستهداف إمارة دبي التي مثلت "قبلة" لتلك الاستثمارات ومتلقياً لحركة الأموال في السنوات الماضية. ومن الصعوبة الوصول إلى نتيجة مفادها أن دول المنطقة فقدت بريقها الاستثماري للأبد، فكل ذلك يتوقف على تأثيرات الحرب الحالية وأمدها والنتيجة التي ستصل إليها.
لكن المؤكد هنا هو أن الخليج ما قبل يوم 28 فبراير/ شباط 2026 ليس هو الخليج بعد هذا التاريخ الذي شهد انطلاق الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، وأن حالة عدم اليقين والغموض عرفت طريقها إلى تلك الدول التي تمتعت باستقرار سياسي واقتصادي وأمني ومالي ملحوظ على مدى سنوات طويلة، وأن المستثمرين الأجانب قد يعيدون النظر إلى هذه البقعة رغم تمتعها بثروات نفطية وتعدينية ضخمة، سواء من الخام الأسود أو الغاز الطبيعي أو المعادن.
قبل 28 فبراير كانت دول الخليج تمثل بيئة ممتازة بل ومثالية للاستثمارات حول العالم، وتتوافر بها كل مقومات الاستثمار الآمن والجذاب، فهناك استقرار سياسي وأمني ملحوظ، وقوة اقتصادية عملاقة بسبب تراكم احتياطيات الطاقة والثروات، وصناديق سيادية تتجاوز أصولها 5 آلاف مليار دولار، وتبني دول المنطقة مشروعات عملاقة يصاحبها سياسات تنوع اقتصادي كما في رؤية 2030، ولديها عملات محلية قوية يدعمها احتياطيات قوية من النقد الأجنبي واستقرار طويل الأمد في سوق الصرف الأجنبي واختفاء الهزات والعجوزات المالية.
كما توافر لدول الخليج مصادر الطاقة بكل أشكالها وبأسعار مناسبة، وفرص استثمارية لا حصر لها وفي كل الأنشطة المختلفة، وعمالة مدربة ومتنوعة، واستقرار في التشريعات والقوانين، وضرائب وجمارك أقل لأصحاب الأموال، وتحسّن مستمر في بيئة الأعمال، وتسهيلات ضخمة من الدول للمستثمرين في قطاعات الطاقة والإنتاج والصناعة والمال والأعمال والخدمات والسياحة والمناطق الحرة والموانئ وسلاسل التوريد، وتعزير الحوكمة وتقديم حوافز، واصلاحات اقتصادية ومالية ونقدية لا تتوقف.
الخليج ما قبل يوم 28 فبراير 2026 ليس هو الخليج بعد هذا التاريخ الذي شهد انطلاق الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران
والنتيجة تدفق استثمارات أجنبية على دول مجلس التعاون بلغت نحو 900 مليار دولار في العام 2024، كما اقتنص الخليج نسبة 5% من اجمالي التدفقات العالمية، وكانت الإمارات صاحب النصيب الأكبر من استقطاب تلك الأموال إذ استقطبت لوحدها نحو 130 مليار دولار ثم السعودية وقطر والكويت. وشجعت تلك النتائج الحكومات الخليجية على تبني خطط لمضاعفة الاستثمارات الأجنبية المتدفقة وجذب المزيد من رؤوس الأموال كما في رؤية 2030.
لكن بعد 28 فبراير بات الخليج يعرف واقعاً جديداً، فالمخاطر الجيوسياسية زادت حدتها مع هجمات إيران المستمرة والتي لم تقتصر على استهداف القواعد الأميركية داخل دول المنطقة، بل امتدت لمشروعات البنية التحتية من مطارات وموانئ ومنشآت نفطية ومخازن وقود وفنادق وبنوك وشركات ومؤسسات مالية، وكانت الإمارات صاحبة النصيب الأكبر من عمليات الاستهداف الإيراني، لحقتها الكويت والبحرين ثم قطر وسلطنة عُمان.
على المدى القصير فإنّ حرب إيران تمثل نزيفاً مالياً لدول الخليج، خاصة مع ضخامة الخسائر التي تتعرض لها تلك الدول وتقدر بمليارات الدولارات، وتوقف تدفق صادرات النفط والغاز عصب تلك الاقتصاديات، وحدوث اضطرابات في سلاسل التوريد وأسواق المال والبورصات والأنشطة الاقتصادية المختلفة، وزيادة كلفة الواردات وتعطل أنشطة السياحة والطيران والتجارة، وإقدام بنوك أجنبية على إغلاق فروعها وتجميد النشاط، وهروب الأموال الساخنة من أدوات الدين الحكومية.
ويكفي النظر إلى أرقام شركة كيبلر لتحليلات السلع التي قدرت خسائر منتجي النفط في دول الخليج من العائدات النفطية بنحو 15 مليار دولار خلال أول أسبوعَين للحرب، مع تعطل حركة الملاحة في مضيق هرمز ووقف الإنتاج في المنشآت التي تعرضت لهجوم عسكري.
على المدى القصير فإنّ حرب إيران تمثل نزيفاً مالياً لدول الخليج، خاصة مع ضخامة الخسائر التي تتعرض لها وتقدر بمليارات الدولارات، وتوقف تدفق صادرات النفط والغاز عصب تلك الاقتصاديات
أما على المدى المتوسط والبعيد، فإنّ للحرب ومخاطرها واستهداف إيران دول مجلس التعاون ستكون لها تأثيرات قاسية على تلك الدول، وستكون المنطقة بالكامل تحت الضغط والمخاطر بكل أشكالها، وقد تعيد المؤسسات الدولية جدوى وجودها داخل أسواق الخليج، وهناك تأثيرات أخرى إذ من المحتمل إعادة الصناديق الخليجية النظر في الاستثمارات الخارجية كلياً خاصة في الولايات المتحدة.

Related News
ممارسات حوثية تحرم اليمنيين بهجتهم بالعيد
aawsat
4 minutes ago