مخاطر استدعاء الدين في حرب أميركا وإسرائيل على إيران
Arab
3 days ago
share
يتصاعد في الولايات المتحدة، التي تقود حرباً ضد إيران بالشراكة مع إسرائيل، خطاب سياسي وإعلامي يستدعي الدين والإيمان، بوصفهما إطاراً لتفسير الصراع. هذا التحول، الذي يبرز في تصريحات مسؤولين مثل وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث، يثير قلق باحثين ومراقبين، من خطر تحويل صراع جيوسياسي معقّد إلى مواجهة دينية بين الإسلام والمسيحية. ويرى منتقدون أن الأمر يتجاوز الاستعارات الدينية، ليعكس تنامي نفوذ تيارات "القومية المسيحية" و"المسيحية الصهيونية" داخل السياسة والإعلام الأميركيين. ويحذر هؤلاء من أن استمرار هذا الخطاب قد يؤثر في تماسك المجتمع الأميركي، ويضرّ بصورة الولايات المتحدة في العالم الإسلامي، كما قد يغذي في المقابل خطاباً إسلامياً متشدداً، يعزز سردية "الحرب الدينية". توظيف الدين وصعود القومية المسيحية في خطاب الحرب في تصريحات أثارت جدلاً واسعاً، قال هيغسيث إن الجنود الأميركيين يقاتلون وهم مدعومون بـ"عناية الرب"، مؤكداً أن الولايات المتحدة تواجه "متطرفين دينيين يسعون إلى هرمجدون نووية". كما استشهد بآيات دينية خلال مؤتمرات صحافية في البنتاغون، مشدداً على أن الولايات المتحدة "أمة مسيحية في حمضها النووي"، وأن جنودها "ليسوا فقط محاربين بترسانة الحرية، بل أيضاً بترسانة الإيمان". وفي مؤتمر صحافي في البنتاغون بعد مقتل جنود أميركيين، ختم هيغسيث حديثه بآية من المزمور 144: "مبارك الرب صخرتي الذي يدرّب يديّ على الحرب وأصابعي على القتال". كذلك، أفادت تقارير صحافية، بما فيها تقرير "لوموند" الفرنسية يوم 11 مارس/ آذار الحالي عن خطابه السياسي، بأنه تحدث عن "القيم المسيحية الغربية"، في مواجهة "أيديولوجيات أجنبية خطيرة"، في سياق الحديث عن إيران. ويرى منتقدون أن هذه اللغة تعكس صعود نفوذ تيار "القومية المسيحية" داخل السياسة الأميركية، خاصة في ظل التحالف بين التيار الإنجيلي المحافظ، والرئيس دونالد ترامب. وتشير دراسة أعدها معهد أبحاث الدين العام (PRRI) إلى أن نحو ثلث الأميركيين (حوالي 30%) يُصنّفون كـ"أتباع" أو "متعاطفين" مع الأيديولوجية المعروفة باسم القومية المسيحية، التي ترى أن الولايات المتحدة تأسست كدولة مسيحية، ويجب أن تستند قوانينها وقيمها إلى المسيحية. كما أشار بحث لمركز البحوث "بيو" في مارس/ آذار 2024، إلى تنامي هذه القومية المربوطة بالدين. كما يربط التقرير هذه القناعة بشكل قوي مع الأيديولوجيا المحافظة، ودعم الحزب الجمهوري والرئيس ترامب، وهو ما أشار إليه تقرير "أكسيوس" في 18 فبراير/ شباط الماضي. وأظهرت دراسة ميدانية أن الإنجيليين البيض البروتستانت هم أكثر من غيرهم من الجماعات الدينية، في تبنّي أو التعاطف مع القومية المسيحية، إذ جاء في الاستطلاع أن حوالي 29% من الإنجيليين البيض يُصنَّفون كأتباع للأيديولوجيا، و35 % كمتعاطفين معها، مقارنة بنسب أقل في المجتمع الأميركي العام. وحوالي ربع الأميركيين يعرّفون أنفسهم بأنهم مسيحيون إنجيليون، وتنتشر داخل هذه الأوساط رؤية لاهوتية تُعرف بـ"العقيدة الألفية التدبيرية"، التي تفسر الصراعات في الشرق الأوسط، خصوصاً تلك المرتبطة بإسرائيل، باعتبارها علامات نبوية على اقتراب نهاية العالم. ويشير باحثون إلى أن هذه الرؤية لم تعد هامشية، بل باتت تؤثر في طريقة تفسير ملايين الأميركيين للأحداث، ما يمنح الخطاب الديني حضوراً متزايداً في السياسة والإعلام. الكنائس الإنجيلية كمنصات تعبئة للحرب تظهر هذه الرؤية بوضوح داخل بعض الكنائس الإنجيلية الكبرى في الولايات المتحدة. ففي قداس الأحد الماضي بإحدى الكنائس المؤثرة في دالاس، جدّد القس الإنجيلي روبرت جيفريس، المستشار الديني السابق لدونالد ترامب، ما كان ذكره سابقاً عن الحرب على إيران في صيف 2025، عن أن الحرب على إيران "ليست حرباً ضد دولة، بل حرباً ضد الشر"، مضيفاً أن الصراع "ليس ضد لحم ودم، بل ضد قوى الظلام"، في إشارة إلى مفهوم "الحرب الروحية" الشائع في الخطاب الإنجيلي، بل يعتبر أن الوقوف مع إسرائيل ليس خياراً سياسياً فقط، بل واجباً إيمانياً في تفسيرات إنجيلية معيّنة. ولا تبقى هذه الرسائل داخل الكنائس، إذ تُبث عظات العديد من القساوسة، بمن فيهم جيفريس، عبر مئات القنوات التلفزيونية والإذاعية ومنصات الإنترنت، ما يحوّلها إلى خطاب إعلامي واسع الانتشار. ويرى باحثون أن تصوير الخصم بوصفه تجسيداً للشر، يسهم في تجريده من إنسانيته، وتسهيل تبرير الحرب، والضحايا المدنيين، وهو خطاب سبق أن استخدمه قادة إسرائيليون، وعلى رأسهم بنيامين نتنياهو، خلال حرب الإبادة في غزة لاستثارة تعاطف جمهور المسيحية الصهيونية في الغرب. الرموز الصليبية وتسرّب الخطاب الديني إلى الجيش يزداد الجدل أيضاً بسبب الرموز الدينية التي يحملها هيغسيث، ومنها وشم عبارة "Deus Vult" اللاتينية بمعنى "الرب يريد ذلك"، وهو شعار تاريخي للحملات الصليبية، إضافة إلى "صليب القدس"، ووشم كلمة "كافر" بالعربية. ويرى نشطاء ومنظمات مدنية منتقدون للوشوم أن هذه الرموز تعكس الخلفية الأيديولوجية، ويمكن أن تُقرأ كرمز عدائي أو حتى كدلالة على الإسلاموفوبيا، التي عبّر عنها في كتابه الصادر عام 2020 "الحملة الصليبية الأميركية"، حيث وصف المرحلة الحالية بأنها "لحظة صليبية" في مواجهة ما يسمّيه "الإسلاميين"، سواء سنّة أم شيعة، كما نقلت "ذا غارديان" في 12 مارس، داعياً إلى تحالف وثيق بين الولايات المتحدة وإسرائيل للدفاع عن الحضارة الغربية. كما يثير دوره في إدخال الخطاب الديني إلى المؤسسة العسكرية قلقاً متزايداً، بحسب تقرير لصحيفة "ذا غارديان" البريطانية في 14 أغسطس/ آب الماضي. فقد ذكرت "مؤسسة الحرية الدينية في الجيش"، أنها تلقت شكاوى من جنود قالوا إن بعض القادة تحدثوا عن الحرب ضد إيران باعتبارها جزءاً من "خطة إلهية"، أو ربطوها بنبوءات "نهاية الزمان". ويرى منتقدون أن صحة هذه التقارير قد تثير أسئلة دستورية حساسة، لأن الجيش الأميركي ملزم بالحفاظ على حياد ديني صارم، وأن خلط العقيدة الدينية بالقرار العسكري قد يقوض مبدأ الفصل بين الدين والدولة. خطر تحويل الحرب إلى "صراع حضارات" يخشى مراقبون من أن يسهم هذا الخطاب في ترسيخ تصور واسع في العالم الإسلامي، بأن الولايات المتحدة تخوض حرباً ضد الإسلام، لا مجرد صراع سياسي مع إيران. وقد بدأت بالفعل تظهر قراءات دينية للصراع في بعض الأوساط الشعبية، تتحدث عن "نبوءات" أو "تعجيل ظهور المهدي"، في مقابل خطاب ديني مسيحي يفسر الحرب بلغة لاهوتية. ويحذر خبراء من أن الجماعات الجهادية قد تستغل هذه التصريحات لتأكيد سرديتها القديمة عن "الحروب الصليبية الجديدة"، ما يوفر مادة دعائية قوية للتجنيد والتحريض، ويحوّل الخطاب السياسي نفسه إلى جزء من حرب سرديات تغذي التطرف على جانبي الصراع. انعكاسات داخلية على المجتمع الأميركي لا تقتصر المخاطر على علاقة واشنطن بالعالم الإسلامي، بل تمتد إلى الداخل الأميركي. فالولايات المتحدة مجتمع متعدد الأديان والثقافات، ويعيش فيها ملايين المسلمين، ما يجعل تصوير الحرب كصراع ديني عاملاً إضافياً في تعميق الاستقطاب والتوترات العرقية والدينية، كما قد يعزز هذا الخطاب فكرة ارتباط الهوية الأميركية بالمسيحية الصهيونية، وهو ما قد يهمش الأقليات الدينية، ويقوض مفهوم المواطنة المتساوية. وفي المقابل، يغذي أيضاً خطاباً معارضاً داخل الولايات المتحدة يرى أن إسرائيل تدفع واشنطن إلى حروب لا تخدم مصالحها، وهو موقف عبّر عنه أكثر من مرة الإعلامي المحافظ تاكر كارلسون. واعتبر كارلسون الذي يتابعه ملايين الأميركيين، ما يسمّيه "المسيحية الصهيونية"، واصفاً إياها بأنها "فيروس في الدماغ" لأن أتباعها، بحسب قوله، يربطون دعم إسرائيل بالعقيدة المسيحية بطريقة تقوّض مصالح أميركا، وتجرّها إلى صراعات لا تخدمها. بين السياسة والإيمان… خط رفيع لطالما لعب الدين دوراً في الثقافة السياسية الأميركية، وغالباً ما استُخدمت اللغة الدينية لإلهام الجمهور أو تعزيز القيم الأخلاقية. لكن تحويل الحرب إلى "معركة بين الخير والشر" أو "صراع بين الإيمان والكفر"، قد يختزل الصراعات المعقدة في ثنائيات عقائدية حادة، ويقوض مساحة النقاش السياسي والدبلوماسي. وفي نهاية المطاف، قد يمنح استدعاء الدين زخماً تعبوياً داخل الولايات المتحدة، لكنه يحمل مخاطر استراتيجية كبيرة، إذ قد يعمّق الانقسام الداخلي، ويضعف صورة واشنطن في العالم الإسلامي، ويمنح الجماعات المتطرفة مادة دعائية، ويدفع صراعاً سياسياً معقداً نحو مواجهة دينية مفتوحة يصعب احتواؤها.

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows