Arab
حذّرت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس من أن سياسات الرئيس الأميركي دونالد ترامب قد تسهم في تعميق الانقسامات داخل أوروبا وإضعاف تماسك الاتحاد الأوروبي، معتبرة أن بعض القوى العالمية باتت تسعى بصورة متزايدة إلى تقويض وحدة القارة، واستغلال التباينات بين دولها. وفي مقابلة مع صحيفة "فاينانشال تايمز" البريطانية، قالت كالاس إن الولايات المتحدة أظهرت في أكثر من مناسبة أنها لا تنظر بإيجابية إلى اتحاد أوروبي قوي ومتماسك، مشيرة إلى أن واشنطن تلجأ أحياناً إلى أساليب تضغط على التعاون الأوروبي الداخلي بطرق تشبه تلك التي يعتمدها خصوم القارة.
وأضافت: "من الواضح أن الولايات المتحدة تريد تقسيم أوروبا"، مؤكدة أن وحدة الموقف الأوروبي تمنح الاتحاد ثقلاً سياسياً واقتصادياً كبيراً على الساحة الدولية. وأوضحت كالاس أن "كثيرين لا يحبون أن نقف معاً، لأننا عندما نفعل ذلك، نصبح قوة مكافئة"، في إشارة إلى أن تماسك الدول الأوروبية يحدّ من قدرة القوى الكبرى على التأثير المنفرد في سياسات الدول الأعضاء. وذهبت إلى حدّ القول إن بعض الأساليب المستخدمة للضغط على أوروبا "تشبه التكتيكات التي يستخدمها خصومنا"، في تلميح غير مباشر إلى محاولات إضعاف التماسك الأوروبي من الخارج.
تقاطع مصالح مع موسكو
ورأت كالاس أن إضعاف الاتحاد الأوروبي يصبّ في مصلحة أكثر من طرف دولي، مشيرة إلى أن أوروبا المنقسمة ستكون أقل قدرة على مواجهة الضغوط الاقتصادية والعسكرية، أو الدفاع عن مواقفها في القضايا الدولية. وفي هذا السياق، يبرز اسم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين باعتباره أحد المستفيدين من أي تراجع في وحدة الموقف الأوروبي، كما تحذر رئيسة حكومة الدنمارك ميتا فريدركسن وغيرها من الساسة في شمال القارة.
ويأتي هذا التحذير في ظل مخاوف متزايدة داخل الاتحاد الأوروبي من تنامي نفوذ القوى القومية والشعبوية في عدد من الدول الأعضاء، مثل المجر وسلوفاكيا، حيث تتبنى بعض الحكومات مواقف أكثر تشككاً في سياسات بروكسل، خصوصاً في ما يتعلق بالدعم الأوروبي لأوكرانيا، والعقوبات المفروضة على روسيا.
صراع على مستقبل أوروبا
وأكدت كالاس أن الاتحاد الأوروبي يواجه اليوم ضغوطاً متزايدة من عدة قوى عالمية، ليس فقط من روسيا، بل أيضاً من الولايات المتحدة والصين، التي قد تجد في أوروبا المنقسمة فرصة لتعزيز نفوذها السياسي والاقتصادي. ورأت أن الرد الأوروبي على هذه الضغوط يجب أن يتمثل في تعزيز التعاون بين الدول الأعضاء، وتطوير أدوات اقتصادية وسياسية قادرة على حماية السوق الأوروبية، ومواجهة محاولات "الابتزاز الاقتصادي" أو الضغوط التجارية التي قد تمارسها قوى كبرى.
وتشير تقارير صحافية وأمنية إلى أن موسكو كثّفت خلال السنوات الأخيرة ما تسمّيها حملات التضليل الإعلامي ومحاولات التأثير السياسي داخل أوروبا، في مسعى لتعميق الانقسامات الداخلية، ودعم قوى سياسية تتبنى مواقف أكثر قرباً من الرؤية الروسية. وفي الأيام الأخيرة، بدأ الحديث عن تصاعد الدور الروسي في المشهد السياسي المجري، مع اقتراب الانتخابات البرلمانية. فقد كشفت صحيفة "فاينانشال تايمز" قبل أيام أن بوتين أطلق حملة تضليل إعلامي لدعم رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان في الانتخابات المقررة في 12 إبريل/ نيسان المقبل. وفي الوقت نفسه، يحظى أوربان بدعم متكرر من الرئيس الأميركي دونالد ترامب وحلفائه، إضافة إلى قادة سياسيين آخرين في أوروبا، مثل رئيس وزراء سلوفاكيا روبرت فيكو ورئيس بولندا كارول نواروكي، الذين يتبنون مواقف متحفظة أو معارضة لعدد من قرارات الاتحاد الأوروبي.
ويأتي ذلك فيما يواصل أوربان عرقلة قرض أوروبي حيوي لأوكرانيا، في خطوة أصبحت حرجة بعد توقف المساعدات الأميركية المالية، ما يجعل الدعم الأوروبي عاملاً حاسماً في قدرة كييف على مواجهة الحرب.
لحظة حاسمة للاتحاد الأوروبي
وتأتي هذه التحذيرات في وقت يستعد فيه قادة الاتحاد الأوروبي لمناقشة استراتيجية أمنية جديدة في ظل التحولات الجيوسياسية المتسارعة. ويقرّ مسؤولون أوروبيون بأن العالم الذي كان يقوم لعقود على شراكة استراتيجية وثيقة بين الولايات المتحدة وأوروبا يشهد اليوم تغيرات عميقة، ما يدفع الاتحاد الأوروبي إلى التفكير بجدية في تعزيز قدراته السياسية والعسكرية والاقتصادية. وبحسب كالاس، فإن مستقبل الاتحاد الأوروبي سيعتمد إلى حدّ كبير على قدرة الدول الأعضاء على الحفاظ على وحدتها في مواجهة الضغوط الخارجية. وحذرت من أن السنوات المقبلة قد تكون حاسمة في تحديد ما إذا كانت أوروبا ستبقى قوة سياسية موحّدة قادرة على التأثير في النظام الدولي، أم أنها ستواجه مرحلة جديدة من الانقسام والتنافس الداخلي.
الحرب في الشرق الأوسط... "لحظة خطيرة"
وفي موازاة تحذيراتها بشأن وحدة أوروبا، تطرقت كالاس أيضاً إلى الحرب والتوترات المتصاعدة في الشرق الأوسط، محذرة من مخاطر اتساع المواجهة المرتبطة بالصراع مع إيران. وأشارت إلى أن أي تصعيد عسكري جديد في المنطقة قد يتطور بسرعة إلى صراع أوسع، ما يجعل المرحلة الحالية "لحظة خطيرة" بالنسبة لأوروبا، نظراً إلى تداعياتها المحتملة على أمن القارة وأسواق الطاقة والاستقرار الإقليمي.
ورغم أن بعض العواصم الغربية ترى في الضغوط العسكرية وسيلة لإضعاف النظام الإيراني، أكدت كالاس أن الرهان على تحول سياسي سريع داخل إيران يبقى غير مضمون. وقالت إن "السيناريو المثالي سيكون قيام إيران ديمقراطية لا تهدد جيرانها"، لكنها شددت في الوقت نفسه على أن هذا الاحتمال لا يزال بعيداً عن اليقين، في ظل التعقيدات السياسية والداخلية التي تحيط بمستقبل البلاد. وتعكس هذه التصريحات، بحسب مراقبين أوروبيين، قلقاً متزايداً في بروكسل من تزامن الأزمات الدولية وتداخلها، في وقت يواجه فيه الاتحاد الأوروبي تحديات غير مسبوقة تتعلق بأمنه الجيوسياسي ودوره في نظام دولي يزداد استقطاباً.

Related News
محور دون أصوات... «المقاومة» تخسر مهندسي الحرب النفسية
aawsat
3 minutes ago
خلافات بين ترمب ونتنياهو حول أهداف حرب إيران
aawsat
7 minutes ago