أن تقرأ القرآن في رمضان
Arab
4 days ago
share
في طريقه إلى منزل الشيخ الضرير حمود الصوافي، يقف عادل أمام جدار طينيّ ويُخرج من فجوته صفحةً من المصحف الشريف، ثم يجلس في وضعية تقدير ضرورية للقراءة. يقرأ الصفحةَ كاملةً، ثم يقلبها ويكملها. يرجعها بعد ذلك إلى مكانها في فجوة الجدار. اعتاد الأطفال العائدون من مدرسة معلّم القرآن الكريم أن يضعوا ما سقط من صفحات مصاحفهم الصغيرة، التي كانت غالباً ما تقتصر على "جزء عمَّ"، في فجوات جدار الطين احتراماً وتقديراً. يكمل عادل، بعد أن يقرأ ما تيسّر من المصحف العزيز، طريقه إلى بيت الشيخ الضرير حمود الصوافي، البصير مع ذلك، الذي كان يقرأ القرآن في هذه الساعة، ممرّراً يديه على الكلمات والحروف من دون أن يراها. كان الشيخ حمود يعتبر مجرّد لمس المصحف جالباً للأجر والثواب، بيد أنه يحفظ القرآن كاملاً منذ طفولته، ولكنّه حين يكون في خلوته يقرأ، لا بدّ أن يفتح المصحف منحنياً ويلمس حروفه الكريمة. للشيخ حمود عادةً مريدوه، وكان عادل من بينهم، وحين يجدونه يقرأ القرآن، يدخلون بصمت إلى مجلسه المفتوح ويجلسون متفرّقين. ذات يوم قال له أحد تلامذته المعجبين به، إذ من الصعب ألا تُعجب بالشيخ حمود الصوافي، وكان يقوده في الطريق واضعاً راحته اليسرى على يمناه: أتمنى أن أقودك أيضاً في الجنّة يا شيخي، فردّ عليه الشيخ بما يشبه الطرفة: ماذا فعلت لك حتى تتمنّى لي أن أكون أعمى حتى في الجنّة؟ شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن يكون مناسبةً مهمّةً لقراءة المصحف الشريف، أو التركيز في قراءته في أيّ سانحة، حتى وإن كانت عبوراً في الطريق، كما فعل الشاب عادل. بعض الناس يمكن أن يختموا قراءته عدّة مرّات في هذا الشهر. والدة كاتب هذه السطور تفعل ذلك كلّ شهر رمضان، قالت لي مرّةً إنها ختمته ستّ مرّات متتالية، رغم ضعف بصرها بسبب التقدّم في العمر (تجاوزت الثمانين)، لكنّها تستعين بذاكرتها في القراءة، وأذكر أنها تعلّمت القراءة من أجل هذا الغرض وحده: قراءة القرآن وتكرار قراءته باستمرار. في المساجد، تكون القراءات جماعيةً غالباً، خصوصاً بين صلاتي الظهر والعصر. هناك من يقرأ بصوت مسموع، وهناك أيضاً من يقرأ القرآن صامتاً. أتذكّر أن جدّي في قرية سرور كان يطلب منّي كلّما اقتربت من مجلسه في مسجده الذي يجري من تحته نهير صغير (أو فلج كما نسمّيه في الدارجة العُمانية)، أن أشاركه القراءة. كنت حينها لم أزل في بدايات التعليم الابتدائي، وكانت الأخطاء كثيرة، ولكن مع أيّ خطأ كان يُطلب منّي إعادة قراءة الآية، وكان يصبر حتى أتمكّن من نطقها سليمة قبل أن أنتقل إلى الآية التالية. استحدثت مساجد في عُمان، أخيراً، ما سمّي "الاعتكاف الجماعي"، إذ يبدأ من أراد من الرجال من منتصف رمضان حتى نهايته معتكفين بعيداً من بيوتهم، وتعتكفُ النساء أيضاً بعيدات من بيوتهن، من أجل قراءة القرآن ليلاً حتى صلاة الفجر. يكون هذا اختيارياً، فيمكن أن يجد المرء من يملأ عزلته بالذكر والأحاديث الجماعية المنظّمة. هناك من يحرص على هذه العادة سنوياً ويجد فيها سلوته، مثلما يحدث مع قريباتٍ لي معمَّرات، تتجه حياتهن مع التقدّم في العمر نحو العزلة. يجدن في هذه السانحة الجماعية فرصةً للشعور بروح الفريق والجماعة، بعد أن تفرّق الأبناء، كلٌّ إلى مشاغله وحياته. يأخذ عادل مصحفاً من صف المصاحف المصفوفة في رفّ مجلس الشيخ حمود، يفتحه على ما يشاء من السور، ثم يبدأ بالقراءة الصامتة. وحين يلتفت بعد كلّ قراءة، يرى أن شاباً قد أُضيف إلى مجلس الشيخ منكَبّاً كذلك على قراءة مصحف في حِضنه. حين ينهي الشيخ قراءته يتحسّس عصاه الغليظة ليقف، فتتوالى أيدي الشباب لمصافحته، وهناك من يطبع قبلةً على ظاهر يده، ثم يقوده أحدهم إلى الجامع لصلاة العصر. ربّما كان هذا الشاب الذي تمنّى أن يقوده في الجنّة، فردّ عليه الشيخ رافضاً دعوته.

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows