الضاحية الجنوبية.. الركن الذي يحفظ بقاء الدولة
Arab
5 days ago
share
تُعرَّف الدولة في العلوم السياسية بكونها كياناً يقوم على ثلاثة أركان: الإقليم، الشعب، والهيئة الحاكمة، ويُعدّ الركن الأخير نظريًا هو الأهمّ والأكثر حساسية. فالسلطة السياسية هي التي تتمتع بالسيادة، وتعمل على تنظيم المجتمع وفرض النظام. في جنوب بيروت، يبدو الأمر أكثر تعقيدًا من هذه المعادلة السياسية التي تبدو قابلة للتطبيق أو سهلة التوظيف. فالحال أن بيروت مهدَّدة في كل ركن من أركانها وسط ألغام الأطماع السياسية والعسكرية. فتاريخ الاجتياح ليس حديثًا في قصة مدينة تتلاقى حدودها مع كيان لا حدود له. ومنه فإن الركن الأول لتعريف الدولة يسقط ضمنيًا حينما نتحدث عن "دولة بلا حدود". لكن مجريات القصة لم تنتهِ عند هذا الحد، فجذورها تعود إلى عام 1982، وهو العام الذي عُرف بالغزو الإسرائيلي للبنان، حيث بدأت إسرائيل قصفًا جويًا ومدفعيًا كثيفًا على مدينة صيدا وقرى النبطية والدامور وتبنين وأرنون وقلعة الشقيف الاستراتيجية. ودخل الجيش الإسرائيلي الأراضي اللبنانية، وتمّ اجتياز المواقع التي كان يشغلها 7000 جندي تابع لقوات الأمم المتحدة بكل سهولة. وكانت هذه أول مواجهة للضاحية الجنوبية مع غطرسة الكيان التوسعي. كان التدخل العسكري آنذاك بحجة ضرب قواعد منظمة التحرير الفلسطينية وإنشاء منطقة عازلة بعرض عشرة كيلومترات داخل الأراضي اللبنانية، وذلك في أعقاب العملية التي نفذتها المناضلة الفلسطينية دلال المغربي يوم 11 آذار/ مارس 1978 على حافلتين إسرائيليتين قرب تل أبيب، مما أسفر عن مقتل 37 إسرائيليًا. في ظل التصعيد العسكري الأخير والغارات التي تطاول الضاحية الجنوبية، يعود السؤال اللبناني القديم إلى الواجهة.. اليوم، ونحن في 10 مارس/آذار 2026، تعيش الضاحية امتدادًا لقصتها المريرة مع الغارات الإسرائيلية، وتواجه غطرسة الموت بشغف الحياة. والسؤال المحيّر في هذه اللحظات العصيبة من تاريخ الجنوب، الذي يدور في أذهان اللبنانيين وغير اللبنانيين: "ليش نحنا لازم ندفع الثمن دائمًا؟". في الحقيقة هو سؤال مشروع، قد يبدو منطقيًا إذا اعتبرنا أن بلدًا كلبنان هو الحلقة الأضعف بين حلقات لعبة الدول الكبرى وحساباتها التي تخضع لمنطق القوة أكثر مما تخضع لمنطق الإرادة. البلد الذي يقع دائمًا تحت رحمة التفاوض، ويحاول الإفلات من حروب يجد نفسه متورطًا فيها. محاولة الجنوب رفض العدوان ليست ترفًا وجوديًا أو خيارًا استراتيجيًا، بقدر ما هي غريزة الإنسان السّوي في درء الظلم وإرساء الحق بكل ما يمتلك من عتاد فكري أو عسكري هذا ما يردده محللون على قنوات الأخبار أو متابعون للوضع على مواقع التواصل الاجتماعي، بين من يحمّل حزب الله مسؤولية سقوط الشهداء وجرّ لبنان إلى مستنقع الدم الذي لا يكفّ، وصولًا إلى اعتباره مشروعًا إيرانيًا يحاول التغلغل في لبنان لحماية أطماعه التوسعية على أساس "عقائدي". غير أن كل هذه التأويلات السياسية لم تغيّر كثيرًا على الأرض. فالواقع أن الحزب الشيعي، مهما وُجّهت إليه الاتهامات، لم يكن السبب الأول في اندفاع الكيان المحتل نحو التوسع في أطماعه تجاه لبنان. فقد ظهرت هذه الأطماع منذ عام 1978، حينما قرر الجيش الإسرائيلي غزو جنوب لبنان لمطاردة المقاتلين الفلسطينيين، كعملية انتقامية لهجوم فلسطيني على حافلة ركاب إسرائيلية في تل أبيب أدى إلى مقتل 37 إسرائيليًا. لكن الأزمة انتهت بتدخل مجلس الأمن وانسحاب إسرائيل. وفي ذلك التاريخ لم يكن حزب الله قد تشكّل بعد، ولم يكن قد "ورّط" لبنان، كما يقول البعض، في مستنقع الموت. ولم يكن لديه السلاح – على الأقل ظاهريًا – للتفاوض على أراضي الجنوب المستباحة آنذاك. وهنا نعود لطرح سؤال العلوم السياسية: هل كان لبنان في تلك الفترة يستمسك بالركن الأخير من أركان الدولة: السيادة؟ إن مفهوم السيادة في قصة لبنان يتجاوز مجرد حماية حدود الدولة أو التمكن من فرض السيطرة على أراضيها والتحكم في قراراتها السياسية. إن السيادة هنا تعني شيئًا مختلفًا تمامًا: تعني الصمود في وجه "اللاحدود"، وتعني المقاومة في وجه الخضوع، وتعني التمسك بالوجود في وجه التجريد. فمحاولة الجنوب رفض العدوان ليست ترفًا وجوديًا أو خيارًا استراتيجيًا أو تملّقًا لمصالح دولية مهما بدا الأمر كذلك، بقدر ما هي غريزة الإنسان السّوي في درء الظلم وإرساء الحق بكل ما يمتلك من عتاد فكري أو عسكري. وهذا ليس من باب تبجيل قوى المقاومة أو تنزيهها عن الأخطاء أو إلباسها لباس التقوى والعفة، بل ببساطة لأنها – بكل عثراتها – تمثل بالنسبة لكثيرين حاجزًا أمام "وحش مفتوح الشهية لابتلاع أي فريسة تعترض طريقه". فوسط لعبة الأمم، ووسط صراع القوى العالمية لفرض قوتها على العالم، أليس من المجحف أن نسحب من بلد صغير كلبنان حقّه في الدفاع عن وجوده بالوسائل المتاحة له، أم أن الحريّة والتوسع و"الحياة" هي من حق أرض دون أخرى ومن حق شعب دون آخر؟ الضاحية ليست منطقة سلاح فحسب، وسكان الجنوب ليسوا عُشّاقًا للموت على حساب الحياة كما يدّعي البعض. إنها أرض حُرّة تقاوم العبودية، ونور يحارب الظلام. ذلك الظلام الذي قد يحل على المنطقة برمتها إن لم ترفض أن تعيش في العتمة. الجنوبي إنسان يرفض الظلم وإن جار عليه، ولبناني ينتصر للبنان أوّلًا وأخيرًا. وهو الرُّكن الأصيل للبنان وصاحب الأرض الذي سقاها بدمه وأرزه. وإن كان لا بدّ من الحديث عن سبب واضح للحرب، فليس هناك أوضح من تسرّب كيان غاشم لما يقارب نصف قرن لمنطقة، ثم لبلد، ثم لإقليم، دون أي محاسبة سياسية أو عسكرية أو قانونية. قدر بيروت أن تعيش لأنها ترفض أن تموت. والضاحية الجنوبية هي الركن ما قبل الأخير لاكتمال دولة عريقة ممتدة في جذور التاريخ والإنسان والأديان.

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows