Arab
تمتدّ ساحة الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، التي بدأت في 28 من الشهر الماضي (فبراير/ شباط)، لتطاول البنى التحتية المدنية في إيران ولبنان وسورية والأراضي الفلسطينية المحتلة، وتستهدف كذلك الإمارات والبحرين وقطر والكويت والسعودية، وترسم جغرافيا الغارات مشهد صراع يتفاقم ويتشابك، ليس إقليمياً فحسب، إنما يتطاير شرره في أركان العالم كلّه، ولولا تعقّل دول الخليج، لأصبحت المنطقة كلّها جهنّم تلتهم كلّ شيء. ولم يعد خطر الصدمة الاقتصادية العالمية مجرّد شبح يلوح في الأفق، بل أصبح واقعاً يحشر البشرية في نوبة قلق خانقة عنوانها العريض: أزمة الطاقة. لكنّ العناوين الفرعية تنبثق منه بمتوالية هندسية لا يمكن حصرها، فأيّ اضطرابٍ طويل الأمد في الطرق البحرية والممرّات المائية وطرق الطاقة، وخصوصاً في مضيق هرمز، سيرفع أسعار الغذاء، ويضعف النظم الصحّية، ويقيّد الوصول إلى السلع الأساسية، ليس في الدول المعتمدة على الواردات فحسب، بل في كلّ الدول، في ظروف العولمة التي وصل إليها العالم، ما جعل الصناعة بشكل عام، وغالبية السلع، تتوزّع بين دول عدّة، فتمرّ في سلاسل إنتاج وتوريد متعدّدة حتى تصل من المنتج إلى المستهلك.
وفي ظلّ هذه الحرب، والحروب الأخرى التي سبقتها (ولمّا تنته بعد) كالحرب الأوكرانية – الروسية، والحروب في منطقة الشرق الأوسط، خصوصاً في عدّة بلدان عربية، يزداد النظام العالمي هشاشةً ويزداد خوف القوى بعضها من بعض. وبالتالي، يزداد سعير التسلّح والإنفاق العسكري، وتتقلّص بالتالي المساعدات الموجّهة إلى الدول الفقيرة أو الواقعة تحت ضغط الحروب والنزاعات. وفي ظلّ هذه الحرب التي ينشغل العالم كلّه بها هناك قضية بات ذكرها، إن تمّ، يأتي ملحقاً في آخر نشرات الأخبار العالمية. إنها القضية الفلسطينية، بجزأيها: قطاع غزّة والضفة الغربية.
مرّ اليوم العالمي للمرأة في الثامن من مارس/ آذار الجاري والمرأة الفلسطينية في غزّة منسية تقارع الموت والإبادة التي ترتكبها قوات الاحتلال بطرائق لا تعدّ منذ "7 أكتوبر" (2023)، حتى مع إعلان اتفاقية السلام الترامبية. فالآثار المدمّرة للحرب التي شنّتها إسرائيل على غزّة دفعت النساء والفتيات "إلى حافّة الهاوية"، حسبما حذّرت منظمة العفو الدولية (الثلاثاء الماضي)، مستنكرةً انهياراً غير مسبوق في النظام الصحّي الفلسطيني، في تقرير نُشر بعد 29 شهراً من الصراع. وندّدت الأمينة العامة للمنظّمة، أغنيس كالامار، بـ"تآكل منهجي" لحقوقهن، معتبرةً ذلك "عملاً حربيًا متعمّداً يستهدف النساء والفتيات"، وهو استمرار لـ"الإبادة الجماعية" التي تُرتكب في القطاع. ووفقاً للأمم المتحدة ستعاني 37 ألف امرأة حامل ومرضعة من سوء التغذية الحادّ بحلول منتصف أكتوبر 2026.
الآثار المدمّرة للحرب التي شنّتها إسرائيل على غزّة دفعت النساء والفتيات "إلى حافّة الهاوية"
علاوة على ذلك، هناك كثيراتٌ من النساء والفتيات الفلسطينيات في غزّة يعانين أمراضاً متنوّعةً وإصابات لها علاقة بالحرب التي لم تنتهِ بعد، قتلت أحلامهن في الوصول إلى مراكز علاج تخفّف عنهن معاناتهن، وصرن كبقية المرضى والمصابين في غزّة بعد أن استعدن بعض الأمل، منذ الثاني من الشهر الماضي (فبراير) حين أُعيد فتح معبر رفح (المعبر الوحيد الذي يربط الغزّيين بالعالم الخارجي بعد إغلاقه 21 شهراً من السلطات الإسرائيلية) يائسات يعشن مع معاناتهن، بعد إغلاق إسرائيل المعبر من جديد، وتوقّف عمليات الإخلاء الطبي منذ بداية الحرب على إيران.
ليست المرأة في غزّة المدمّرة وحدها المنسية اليوم فحسب، بل فلسطين كلّها، ومعاناة الشعب الفلسطيني في الضفة الغربية، حيث زاد على جبروت سلطة الاحتلال توحّش المستوطنين في الضفة الغربية. تؤكّد الأمم المتحدة أن نحو 700 فلسطيني هُجّروا بسبب عنف المستوطنين بين بداية عام 2025 وبداية فبراير 2026 فقط، ولقد وسّعت الحكومة الإسرائيلية المستوطنات في إطار دفعة بناء تهدف، وفقاً لوزير المالية بتسلئيل سموتريتش، إلى دفن فكرة الدولة الفلسطينية. وفي تقرير صادر عن الاتحاد الأوروبي عام 2024 يعيش أكثر من 700 ألف مستوطن في القدس الشرقية والضفة الغربية بين أكثر من 3 ملايين فلسطيني، وهم يزدادون عنصرية واعتداءً على الفلسطينيين، ويهجّرونهم من بيوتهم وأراضيهم من دون محاسبة، على الرغم من أن معظم دول العالم تعدّ نشاط الاستيطان الإسرائيلي في الضفة الغربية مخالفاً للقانون الدولي، إلّا أن إسرائيل تضرب بهذه القوانين والاعتراضات كلّها عُرْض الحائط، بل وتستنكر وترفض هذا الموقف.
حظر الجيش الإسرائيلي طرقاً في الضفة الغربية ببوابات حديدية وتلال من التراب منذ اليوم الأول للحرب على إيران، وأغلق إلى حدّ كبير نقاط العبور، ما جعل الفلسطينيين عرضةً لعنف المستوطنين، ويدّعي أن هذه القيود تدابير وقائية ريثما تنتهي الحرب، ويواصل الهجوم بشكل متكرّر على المدن والقرى الفلسطينية لاعتقال الفلسطينيين، غالباً من دون توجيه تهم إليهم. وتقول تقارير إن أكثر من 109 أعمال عنف ارتكبها المستوطنون ضدّ الفلسطينيين في الضفة الغربية، بما في ذلك إطلاق النار والاعتداءات الجسدية والأضرار بالممتلكات والتهديدات.
ليست المرأة في غزّة المدمّرة وحدها المنسية اليوم فحسب، بل فلسطين كلّها
ووفقًا لوزارة الصحّة الفلسطينية، قتل المستوطنون ما لا يقلّ عن خمسة فلسطينيين في الضفة الغربية منذ بدأت الولايات المتحدة وإسرائيل شنّ ضربات جوية ضدّ إيران، وتُوفّي رجل سادس بعد استنشاقه الغاز المسيّل للدموع الذي أُطلق في أثناء هجوم، في الأسبوع الفائت. هذا عدا الغارات التي لم تتوقّف في قطاع غزّة، واستمرار سقوط المدنيين والأطفال والنساء جرّاءها، زيادة على الظروف اللاإنسانية التي يفرضها الدمار والحصار عليهم.
العالم منشغل في الحرب على إيران التي قرّرها وباشرها تحالف ترامب – نتنياهو، بينما بدأت خطّة ترامب لغزّة بوقف إطلاق النار في أكتوبر، الذي سمح لإسرائيل بالسيطرة على أكثر من نصف الأراضي، وجنى ترامب مليارات من الدولارات من أجل "مجلس السلام". أمّا سكّان غزّة فمتروكون لأقدارهم التي تديرها سلطة احتلال غاشم، ويضمرها ساكن البيت الأبيض في خَلَده، وهو الذي أقلّ ما يمكن وصفه بالأحمق الذي يتلاعب بالعالم، ومعروفٌ عنه أنه "عنيد"، وإذا وضع في رأسه مشروعاً فسينفّذه، والدليل الفجّ أنه توعّد بعد خسارته في الانتخابات الرئاسية بعد دورته الأولى بأنه عائد، ولقد عاد ليكمل مشاريعه. ربّما حلم أن تكون غزّة "ريفييرا الشرق" يدغدغ رأسه حتى في ظلّ الحرب الحالية.
أما نتنياهو فماضٍ في مشاريعه التي تتلاقى مع طموحات اليمين الإسرائيلي، كما الوزير اليميني يوسي داغان الذي أعلن منذ أيام إقامة مستوطنة جديدة في موقع استراتيجي على جبل يطل على نابلس، وهي واحدة من 22 مستوطنة جديدة أعلنتها الحكومة الإسرائيلية في مايو/ أيار الماضي.
إلى أن تنتهي الحرب على إيران، التي لا يستطيع أحد التكهّن بمآلاتها وتداعياتها على المنطقة، كم ستنجز إسرائيل من أهدافها، إن كان في فلسطين أو سورية أو لبنان؟ وكم سيصبح ما تقول عنه إنه واقع ومؤقّت لضرورات أمنية دائماً وتابعاً لسيادتها؟ وماذا عن حلّ الدولتين و"الدولة الفلسطينية"؟

Related News
عنصرية "القبة الحديدية" الإسرائيلية
alaraby ALjadeed
17 minutes ago
بوتين: روسيا شريك موثوق ومخلص لإيران
aawsat
21 minutes ago
هجوم بالطيران المسيّر على حيّ سكنيّ في بغداد
aawsat
25 minutes ago
فياريال ينتزع المركز الثالث من أتلتيكو مدريد
aawsat
30 minutes ago
هل كان انسحاباً أم مجرد احتجاج!
alaraby ALjadeed
31 minutes ago