ليبيا دماج: الزراعة في اليمن القديم إرث حضاري ملهم
Reports and Analysis
1 week ago
share

لطالما شكلت الزراعة العمود الفقري للحياة في اليمن عبر آلاف السنين، إذ استطاع اليمنيون القدماء بناء منظومة زراعية متكاملة مكّنتهم من استثمار الأرض والتكيّف مع طبيعة المناخ والجغرافيا، حتى أصبحت منتجاتهم الزراعية، لا سيما النباتات العطرية والطبية، من السلع التي اشتهرت في أسواق العالم القديم.

وفي حوار مع “ريف اليمن”، قالت الدكتورة ليبيا دماج، إن موضوع الزراعة في اليمن القديم لم يحظ بدراسة علمية وافية من قبل، مؤكدة أن الإرث الزراعي الذي خلفه الأجداد ما يزال حاضرا في تفاصيل الممارسة الزراعية حتى اليوم، سواء في أساليب مكافحة الآفات، أو تقنيات تحسين خصوبة التربة، أو طرق حصاد المياه.

وتحدثت دماج عن ملامح التجربة الزراعية اليمنية القديمة، وما تكشفه النقوش الأثرية من محاصيل وأدوات وقوانين نظمت العمل الزراعي، إضافة إلى رؤيتها لواقع البحث العلمي في هذا المجال، والدروس التي يمكن استلهامها لإحياء القطاع الزراعي في اليمن اليوم.

والدكتورة ليبيا دماج هي من الأكاديميين اليمنيين المتخصصين في البحث العلمي المتصل بالتاريخ الزراعي والنقوش الأثرية، لا سيما في تحليل نقوش “المسند” بوصفها مصادر تاريخية أساسية.

نص الحوار

• في البداية ما الذي دفعك نحو البحث والكتابة في تاريخ الزراعة في اليمن القديم؟

أهلاً وسهلا بكم، وفي البداية أشكركم على إجراء هذا الحوار، في الحقيقة لم يحظ موضوع الزراعة في اليمن القديم بدراسة علمية وافية من قبل، الأمر الذي حفزني إلى الالتفات إليه بوصفه مجالا بحثيا مهما وجديرا بالدراسة والتحقيق.

• برأيك ما الفائدة التي يجنيها المزارع اليمني اليوم من استحضار تاريخ أجداده والأساليب التي ابتكروها؟

لا شك أن الاطلاع على الارث الزراعي الذي خلفه الأجداد يحمل فوائد جمة، إذ ما تزال كثير من ممارساته حاضرة في تفاصيل العملية الزراعية حتى وقتنا الحالي، فمن ذلك الأسباب المتنوعة التي ابتكرها الفلاح اليمني في مكافحة الأمراض والآفات التي تصيب المحاصيل، والوسائل التي اعتمدها في تعزيز خصوبة التربة، بالإضافة الى تقنيات حصاد المياه التي طورها بما ينسجم مع طبيعة الجغرافيا المحلية والإمكانات المتاحة له.

• كيف استطاع اليمنيون القدماء تحقيق الاكتفاء الذاتي من المحاصيل الغذائية؟

يبدو أن حالة الاكتفاء الذاتي ارتبطت ارتباطًا وثيقًا بالجهود الكبيرة التي بذلها الفلاح اليمني في مختلف مراحل الإنتاج الزراعي، إذ أولى الأرض عناية فائقة، وحرص على تطبيق كل ما يضمن تحقيق الغلة المنشودة، ومع ذلك، تشير بعض المصادر الكلاسيكية إلى أن القمح كان يستورد في بعض الفترات من مناطق أخرى، ما يدل على وجود تباين ظرفي في مستويات الإنتاج والمحصول.

الزراعة والتصدير

• كيف كان يتم تصدير الفائض الزراعي إلى العالم القديم؟ وما أبرز المحاصيل المصدرة؟

لأن اليمن كان المنتج الرئيس لأهم المحاصيل الطبية والعطرية في العالم القديم، فإن تصدير تلك المحاصيل لم يكن ناتجًا عن فائض في الإنتاج بقدر ما كان نتيجة لكونها موارد فريدة لا نظير لها في مناطق أخرى، وقد أكسب ذلك اليمن مكانة رفيعة وثروة واسعة، وهو ما أشادت به المصادر الكلاسيكية وتغنى به الشعراء في الحضارة الرومانية.

• ما هي المحاصيل التي وثقتها النقوش الأثرية؟

تضمنت النقوش المسندية والزبورية أسماء عديدة من المحاصيل الطبية والعطرية، وكذلك الغذائية فقد ورد في غير نقش ذكر عدد من النباتات العطرية والطبية مثل: اللبان، والسر، والقسط، والرند، والضرو، والسليخة، والقليمه، والكمكام، والقطر.

كما وردت أسماء نباتات أخرى لم يُحدَّد نوعها بدقة مثل الطنف والحذلك والقبل والأضم، وقد أُدرجت ضمن المحاصيل الطبية والعطرية لورودها في النقوش إلى جانب نباتات معروفة من هذا الصنف.

أما المحاصيل الغذائية فقد عُرفت إما من خلال ذكرها صراحة في النقوش المسندية والزبورية أو عبر نحت صورها على الأحجار، وتشير هذه الشواهد إلى أنواع متعددة من الحبوب مثل القمح والذرة والدخن.

الطقوس والمسميات

• هل تغيرت الأدوار الاجتماعية أو المسميات الوظيفية للعاملين في الزراعة عبر الزمن؟

لا يمكنني الجزم بحدوث تغير كبير في المسميات أو الأدوار، بل على العكس؛ إذ تظهر المعطيات المستخلصة من النقوش أن اليمني حافظ على موروثه عامة، وعلى موروثه الزراعي خاصة، عبر فترات زمنية متعاقبة، ويتضح من تلك الشواهد أنه ظل يمارس الزراعة بوصفها نشاطا رئيسا سواء كان من الأحرار أم من العبيد، وفي أرض يملكها أو في أرض يملكها غيره.

• ماذا عن طقوس الحصاد والأدوات المستخدمة؟

كما أشرت في الإجابة السابقة، فقد احتفظ اليمني بموروث الأجداد في مختلف جوانب الحياة، وكانت الزراعة إحدى أبرز تلك الجوانب، ومن خلال ما ورد في النقوش من موضوعات تتصل بالممارسات الزراعية يمكن القول إن كثيرًا مما كان قائمًا في الماضي ما يزال حاضرًا إلى يومنا هذا.

أما فيما يتعلق بالأدوات الزراعية، فقد كشفت أعمال التنقيب الأثري عن استخدام عدد من الوسائل الزراعية، من أبرزها المحراث والفأس، إلى جانب الاعتماد على الحيوانات في عملية الحراثة وتهيئة الأرض للزراعة، ويلاحظ أن هذا الأسلوب ما يزال مستمرا حتى اليوم، إذ لا يزال يعرف محليًا بمسمى “الضمد”، وهو الاسم الذي ورد ذكره في نقوش الزبور، ما يعكس استمرارية الممارسات الزراعية التقليدية في اليمن منذ القدم وحتى الحاضر.

• حدثينا عن القوانين المنظمة للزراعة التي وردت في دراساتك؟

كانت هناك تشريعات تهدف إلى حماية الأرض وضمان الحقوق وتنظيم استخدام وسائل الري والمحافظة عليها، وتندرج هذه القوانين ضمن إطار تشريعي واسع يعكس إدراكًا مبكرًا لأهمية الزراعة بوصفها ركيزة أساسية للحياة الاقتصادية والاجتماعية، وهو ما يصعب الإحاطة بتفاصيله كافة في هذا المقام.

• أشرتِ إلى استخدام أدوات زراعية منذ العصر الحديدي، ما الدلائل التي استندتِ إليها؟

استندت في ذلك إلى نتائج أعمال البعثات الأثرية التي نقبت في مناطق مثل “ريبون” و”هجر تمرة” و”وادي الجوبة”، إذ أكدت هذه المكتشفات المادية استخدام تلك الأدوات في عصور ما قبل الإسلام.

المواسم والمناخ

• لماذا يختلف الباحثون حول تحديد المواسم الزراعية في اليمن القديم؟

يعزى اختلاف الباحثين في تحديد المواسم الزراعية باليمن القديم الى قصور النقوش عن الإفصاح عن تفاصيل تلك المواسم و تعريفها على نحو دقيق، إذ اقتصرت في الغالب على الاشارة الى مسمياتها دون الخوض في مواقيتها أو أنواعها أو غير ذلك من المعطيات التي من شأنها أن تتيح تصورا واضحا ومتكاملا، ولهذا عمدت الى جميع ما تيسر من معطيات لأخرج بنتيجة عنها، مفادها وجود موسمين للزراعة في اليمن القديم.

• هل تأثرت الزراعة قديمًا بالتغيرات المناخية كما يحدث اليوم؟

استنادًا إلى ما توفر من معطيات مستمدة من النقوش والملاحظات المتعلقة بالأوضاع المناخية في تلك الفترات، يمكن القول إن توفر الإرادة كان الأداة الحقيقية لتجاوز الصعوبات، إذ تمكن اليمني في عصوره القديمة إلى حد ما من تجاوز المعيقات التي واجهت العملية الزراعية، وسعى إلى إيجاد الحلول الملائمة لها إدراكًا منه لأهمية الزراعة في استمرار وجوده واستقرار مجتمعه.

• كيف تقارنين بين تأثير الحروب قديمًا وحديثًا على القطاع الزراعي؟

في العصر الحديث، لم يكن تدهور الزراعة ناتجًا عن الحروب وحدها، بل نتيجة تضافر عدة عوامل أخرى، من أبرزها عزوف شريحة واسعة من السكان عن العمل الزراعي واتجاههم نحو المدن أو الهجرة الخارجية بحثًا عن مصادر دخل أكثر جدوى، إلى جانب غياب السياسات الحكومية الداعمة للقطاع الزراعي، إضافة إلى توجه كثير من المزارعين إلى زراعة القات باعتباره أكثر ربحية، في تراجع زراعة المحاصيل الغذائية الأساسية.

مستقبل الأبحاث

• كيف تقيمين واقع الأبحاث التي تربط التاريخ بالزراعة في الجامعات اليمنية؟

حقيقة ليس لدي معرفة كاملة بمخرجات كلية الزراعة في الجامعات اليمنية، ولكن هناك أبحاث لبعض الباحثين غير المتخصصين كالباحث يحيى بن يحيى العنسي.

• ما هي توقعاتك لمستقبل الأبحاث؟

أرى أن كتابي الذي كان في الأصل أطروحة ماجستير عام 2009، قد ترك أثرًا إيجابيًا وأسهم في توجيه بوصلة البحث نحو الجوانب الحضارية والزراعية بدلًا من التركيز على الجانب السياسي فقط، وقد ظهرت بعده دراسات مهمة مثل أطروحة الدكتور فيصل البارد عام 2012، إضافة إلى رسائل علمية أخرى في جامعة ذمار تناولت المحاصيل العطرية.

• أخيرًا، ما رسالتك للباحثين في التاريخ الزراعي اليمني؟

أتمنى من الباحثين التعمق في دراسة الممارسات المصاحبة للعملية الزراعية، مثل الأهازيج الشعبية المعروفة بـ”المهاجل”، التي تمثل إرثًا ثقافيًا غنيًا. كما أدعو إلى رصد المترادفات والكلمات الزراعية في مختلف المناطق اليمنية لإعداد قاموس علمي يوثق التراث الزراعي اليمني ويعيد لهذا القطاع مكانته التاريخية.

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows