Arab
يعكس الاحتجاج الذي نظّمته شبكة التضامن مع فلسطين في نيوزيلندا في 20 فبراير/شباط الماضي أمام القاعدة الأميركية في مطار كرايستشيرش الدولي، الجدل المتصاعد حول طبيعة هذه القاعدة ودورها الفعلي، إذ إن المنشأة التي تُقدَّم رسمياً بوصفها محطة لوجستية داعمة للأبحاث الأميركية في القارة القطبية الجنوبية، باتت تُثير اعتراضات متزايدة لدى مجموعات مناهضة للوجود العسكري الأجنبي، ترى فيها رمزاً للنفوذ الأميركي وسياساته الخارجية.
وقد تصاعد هذا الجدل مع توقيف ناشط خلال الوقفة الاحتجاجية أثناء استعداده لحرق العلم الأميركي، في حادثة أعادت فتح النقاش حول حدود حرية التعبير، والوضع القانوني للقاعدة، والدور الذي تؤديه.
جون مينتو: القاعدة تمثل رمزاً قوياً للنفوذ والإمبريالية الأميركية داخل نيوزيلندا
وذكر الرئيس المشارك لشبكة التضامن مع فلسطين في نيوزيلندا (PSNA)، جون مينتو، في حديث لـ"العربي الجديد"، أن الشبكة نظّمت احتجاجاً أمام القاعدة الأميركية في هاروود بمطار كرايستشيرش الدولي. وتابع مينتو أن القاعدة الأميركية في مطار كرايستشيرش "تُعدّ منطقة خاضعة للسيادة الأميركية، وتُستخدم لدعم برنامج الأبحاث الأميركي في القارة القطبية الجنوبية، كما تُستعمل أيضاً لتسيير رحلات النقل العسكري الأميركي إلى وجهات مختلفة حول العالم"، معتبراً أن "القاعدة تمثل رمزاً قوياً للنفوذ والإمبريالية الأميركية داخل نيوزيلندا".
وأوضح أن "الوقفة الاحتجاجية جاءت تنديداً بما وصفه المشاركون بالتدخلات الأميركية في فلسطين وفنزويلا وكوبا. وتضمّن برنامج الاحتجاج خطوة رمزية تمثلت في حرق العلم الأميركي، غير أن الشرطة تدخلت قبل إتمام ذلك وأوقفت الناشط بول هوبكنسون، الذي كان يحمل العلم استعداداً لإحراقه".
وشدّد الناشط النيوزيلندي على أن "حرق الأعلام في سياق الاحتجاجات يُعدّ عملاً قانونياً في نيوزيلندا ويقع ضمن حرية التعبير المكفولة بالقانون. إلا أن الشرطة أوقفت الناشط رغم ذلك، واحتجزته لمدة أربع ساعات قبل أن تطلق سراحه لاحقاً". وختم بقوله إن "هوبكنسون وُجّهت إليه تهمة الاعتداء على الشرطة، وهي تهمة سخيفة ولا أساس لها، حيث إنه لم يكن ينتهك القانون أثناء مشاركته في الاحتجاج".
موراي هورتون: نسبة غير قليلة من الرحلات العسكرية الأميركية التي تقلع من كرايستشيرش أو تصل إليها لا تتجه إلى أنتاركتيكا
من جهته، ذكر الأمين العام ومنسق حركة "حملة ضد القواعد" النيوزيلندية المناهضة لوجود أي منشآت عسكرية واستخبارية في البلاد، موراي هورتون، أن "مطار كرايستشيرش الدولي يستضيف منذ عام 1955 قاعدة عسكرية أميركية شهدت مرور مختلف أنواع الطائرات العسكرية الأميركية على مدى عقود". وتابع هورتون، في حديث لـ"العربي الجديد"، أن القاعدة الأميركية في مطار كرايستشيرش "ليست، ولم تكن يوماً، قاعدة قتالية، بل هي قاعدة نقل وإسناد لوجستي"، مضيفاً أن "الولايات المتحدة تصنّفها باعتبارها أصلاً احتياطياً للطوارئ، وبالتالي لا ينبغي الانخداع بالرواية التي تختزل وجودها في دعم الأبحاث بالقارة القطبية الجنوبية فقط".
وأوضح هورتون أن "وزارة الخارجية النيوزيلندية أكدت، في آخر مرة تواصلنا معها، أن نسبة غير قليلة من الرحلات العسكرية الأميركية التي تقلع من كرايستشيرش أو تصل إليها لا تتجه إلى أنتاركتيكا (القارة القطبية الجنوبية) ولا تعود منها"، مشيراً إلى أن "الوضع القانوني للقاعدة، وفق ما توصلنا إليه سابقاً، يجعلها أرضاً ذات سيادة أميركية، على غرار السفارة الأميركية في ويلينغتون".
القاعدة الأميركية في مطار كرايستشيرش
ورأى الأمين العام ومنسق حركة "حملة ضد القواعد" أن "زيارة الرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون عام 1999 تُعد مثالاً واضحاً على طبيعة القاعدة الأميركية في مطار كرايستشيرش. فقد توجه كلينتون إلى كرايستشيرش وخاطب العسكريين الأميركيين هناك بصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة، بدلاً من زيارة العاصمة ويلينغتون لاعتبارات لوجستية تتعلق بالطائرة الرئاسية".
وشدّد هورتون على أن "القاعدة كانت في السابق حلقة وصل أساسية في شبكة الإمداد إلى منشأة باين غاب الاستخبارية السرّية قرب أليس سبرينغز في أستراليا، قبل أن تتغير مسارات الرحلات مع تطور قدرات الطيران الأميركية"، لافتاً إلى أن القاعدة الأميركية في مطار كرايستشيرش "بقيت قائمة رغم أزمة أنزوس في ثمانينيات القرن الماضي وقطع واشنطن علاقاتها العسكرية مع نيوزيلندا آنذاك". وكانت الولايات المتحدة علّقت في عام 1986 مشاركة نيوزيلندا في معاهدة أنزوس، وهي تحالف أمني عسكري بين أستراليا ونيوزيلندا والولايات المتحدة أبرم في عام 1951 لتعزيز التعاون المسائل الدفاعية بمنطقة المحيط الهادئ، وذلك بعد وصول حكومة عمّالية للحكم في نيوزيلندا والتي منعت البوارج والسفن المسّلحة نووياً من الرسو في مرافئها.
وأشار منسق حركة "حملة ضد القواعد"، إلى أن "الرحلات العسكرية الأميركية غير المرتبطة بأنتاركتيكا تخضع لسياسة أميركية عالمية تقوم على عدم تأكيد ما إذا كانت تحمل أسلحة نووية أو نفيه، وهي السياسة ذاتها التي كانت محور الخلاف خلال تبني نيوزيلندا قانونها الخالي من السلاح النووي، والذي لا يزال ساري المفعول". وختم الناشط النيوزيلندي بقوله إن "الاستخفاف بطبيعة القاعدة باعتبارها مجرد محطة لطائرات نقل عسكرية، يتجاهل حقيقة نوعية الطائرات التي استخدمتها الولايات المتحدة في عمليات عسكرية كبرى، ما يستدعي نقاشاً وطنياً جدياً حول استمرار هذا الوجود العسكري على الأراضي النيوزيلندية".
مطالبة بالتدخل
وفي السياق، توجّهت حركة "حملة ضد القواعد" برسالة بتاريخ 17 فبراير/شباط الحالي، إلى عمدة كرايستشيرش، فيل موغر، ومجلس المدينة، مطالبة بالتدخل لمنع تمركز مقاتلات أميركية من طراز أف 22 رابتور التابعة لسلاح الجو الأميركي في مطار كرايستشيرش الدولي خلال عطلة عيد الفصح، وذلك للمشاركة في عرض "ووربيردز أوفر واناكا". وأشارت الحركة إلى أن الخطوة أثارت جدلاً عاماً، متسائلةً عن أسباب استضافة طائرات قتالية متطورة تابعة لأكبر قوة عسكرية في العالم في مطار تملك البلدية 75% منه باسم السكّان.
وأكدت الحركة أن هذه المقاتلات لا تؤدي أي مهام مدنية، بل تُستخدم حصرياً في العمليات القتالية، معتبرةً أن وجودها يتناقض مع إعلان كرايستشيرش "مدينة للسلام" منذ عام 2002. ودعت المجلس، بصفته المالك الأكبر لشركة المطار، إلى منع تمركز هذه الطائرات في المدينة، أو على الأقل إعلان موقف معارض لذلك، تفادياً لما وصفته بتداعيات سلبية على صورة المدينة وسمعتها.
