أحمد درويش والذاكرة العُمانية
Arab
1 week ago
share
ترك الباحث والأكاديمي المصري أحمد درويش، الذي رحل الأربعاء الماضي، مؤلّفات كثيرة في الأدب والنقد، منها عن عُمان، حيث قضى قسطاً غير يسير من شبابه أستاذاً ثم رئيساً لكلية الآداب في جامعة السلطان قابوس، ثم مستشاراً لرئيس الجامعة، قبل أن تتوالى زياراته اللاحقة حتى قبيل وفاته. التقاه كاتب هذه السطور مرّات، ففي إحداها أحيينا أصبوحة في جامعة صحار، ناهيك عن جلسات متفرّقة، في أزمنة متفرّقة أيضاً، إحداها في شقّته الواسعة في القاهرة. وكان اللقاء الأخير حين حلّ ضيفاً قبل وقت قريب على ندوة سردية أقامتها مؤسّسة بيت الزبير الثقافية في مسقط. تحدّثنا قليلاً، وقد لاحظتُ أن سحابة الهرم قد بدأت تغزو جسده، مع حفاظه على تلك الطيبة المصرية التي تميّزه، واستماعه إلى من يجالسه أكثر من حديثه إليه. وضع مقدمة كتاب "عُمان في عيون مصرية" (الدار المصرية اللبنانية، القاهرة، 2015)، ورشّح مجموعة من الأسماء للمشارَكة فيه. جاء الكتاب بمبادرة من سفير عُمان في القاهرة حينها، وشاركت فيه ثلاثون شخصية مصرية عملت وعاشت في عُمان. ومن التجوال في صفحاته، يتعرّف القارئ إلى مشاعرٍ حارّةٍ لشخوص يستعيدون عبق الذكرى الشبيهة بالحلم في مرتع قديم، فضاء حميم أنفقوا فيه جزءاً من أعمارهم متفاعلين، وساهموا في تأسيس بعض تفاصيله، خصوصاً في مجالات التعليم الأول في بدايات نشأة الدولة بشكلها الحديث، حين تولّى السلطان الراحل قابوس بن سعيد مقاليد الحكم في مطلع السبعينيّات. ضمن المشاركين الصحافي حسين عبد الغني (المدير السابق لمكتب قناة الجزيرة في القاهرة) الذي بدأ حياته الوظيفية في صحيفة عُمان. يقول في حديث لا يخلو من حنين وشجن: "عرفت المجتمع العُماني بتنوّعه الثقافي والعرقي والمذهبي، عرفت العرب والبلوش واللواتيا والبحارنة والإباضية والسنّة ملتحمين ومنصهرين في الوطنية العُمانية". وتطرّق في حديثه إلى مواقف لا تخلو من طرافة: "صلّيت الجمعة في المسجد الكبير ذي القبّة الزرقاء، ونسيت في سيارتي المفتوحة نوافذها أول راتب لي من الجريدة، وعدت فوجدته كما هو لم يُمس. وسافرت مرّة من مسقط إلى دبي بالباص، وجلس بجانبي شاب سعودي يدرس الدكتوراه في أميركا، وكانت هذه زيارته الأولى لعُمان، فقال لي: ما هذا الشعب؟ فقلت له مستغرباً: خير! قال: لم أجد في حياتي مثل ما رأيت العُمانيين، لقد دست على قدم أخ عماني في شارع روي التجاري المزدحم، فوجدت أنه هو الذي يعتذر مني ويربت على كتفي". وضمن المشاركين في هذا الكتاب أيضاً سعيد توفيق، الأمين السابق للمجلس الأعلى للثقافة، وممّا كتبه: "تقبع عُمان في ذاكرتي كحلم لا أصحو منه أبداً، يأتيني أحياناً في صحوي ومنامي، وكأنه حبّ قديم لا أريد أن أبرأ منه". وترك أحدهم عبارةً مؤثّرةً اختصرها في جملة: "لقد عشت في عُمان زمناً، عاشت فيَّ بعده أبداً". في المدونة التأليفية المتنوّعة للراحل أحمد درويش، نجد كتباً تُعدّ مراجعَ في موضوعها، وبعضها يكشف جديداً لم نعهده، مثل كتابه "قضايا حول تراث شوقي الروائي"، لنجد فيه أن أمير الشعراء (يحلو لي أن أشبّهه بشكسبير عند الإنكليز) ترك مجموعةً من الروايات شكّلت نواةً تأسيسية لهذا النوع الأدبي الجديد في زمنه (أواخر القرن التاسع عشر)، مثل روايات "عذراء الهند"، و"لا دياس"، و"دل وتيمان". بعد رحيله، ترك درويش بعض طلابه وزملائه عبارات رثائية وقصائد، مثل تلك التي دبجها الشاعر العُماني هلال الحجري، وهو أستاذ سابق بجامعة السلطان قابوس، كان طالباً ثم زميلاً لأحمد درويش. ممّا كتبه الحجري في قصيدته الرثائية الموزونة والمقفاة: "لله أياماً قبسنا نورها/ في مسقط لو خُلّدت آبادا/ فيها صحبنا كوكبين كأنما/ فيها صحبنا طه والعقادا/ أهدى من التعليم زهرة عمره/ لعُمان طاب غراسه وحصادا".

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows