Arab
للصراع على تحديد موعد غرة شهر رمضان في فرنسا، جذور من المنافسة بين مسجد باريس الكبير ومجلس الديانة الإسلامية، على احتكار تمثيل المسلمين والاستئثار بالحوار مع الدولة نيابة عنهم، ما يقوّض مكانتهم المجتمعية.
- لم يبد رواد مسجد كاشان، في الضواحي الجنوبية لباريس، حماسة للخوض في الخلاف الذي وقع بين مسجد باريس الكبير والمجلس الفرنسي للديانة الإسلامية حول تحديد موعد غرة شهر رمضان، لأن "المسألة حساسة، والإشكال يدور ضمن البيت الواحد"، كما يقول المواطن الفرنسي من أصل تونسي عماد القاسمي: "حتى وإن كنا معتادين وجهات النظر المتباينة والتنافس بين المؤسسات، لكن ليس إلى حد الاختلاف على تحديد بداية شهر رمضان".
وقد بدأت الأزمة بعدما أعلن مسجد باريس الكبير يوم 18 فبراير/شباط مبتدأ شهر الصيام في فرنسا، فيما اعتمد المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية تاريخ 19 فبراير، ولكل منهما حجته. فالمجلس قال في بيانه إنه اعتمد على البيانات العلمية، خصوصاً مع تعذر رؤية الهلال، بخلاف مسجد باريس الذي حدد التاريخ استناداً إلى مزيج من المعطيات الفلكية والرؤية.
قبيل صلاة التراويح، سألنا المصلين عن رأيهم: بعضهم رفض التعليق، فيما اعتبر آخرون أنه جرى تخطي الإشكال بوسيلتين: أولاً، لم يعتبروا أنفسهم معنيين بأي اصطفاف. ثانياً، قرروا الالتزام بالتاريخ الذي حدده مسجد باريس الكبير. على سبيل الدعابة قال أحدهم: "الصيام يوماً إضافياً أفضل من المجازفة بالتقصير في واجباتي الدينية".
الصراع على احتكار تمثيل المسلمين
يعلق الباحث الفرنسي فرانك فريغوزي على ما أدلى به المصلون، قائلاً لـ"العربي الجديد": "ما حدث خلق بلبلة في أوساط مسلمي فرنسا، واكتفاؤهم بالعموميات موقف طبيعي".
منطلق فريغوزي في تحليله يعود إلى عمله، مديراً للأبحاث في المركز الوطني للبحث العلمي، ويتركز نطاق اهتمامه على مجالات حوكمة الإسلام والعلاقة بين المسلمين والدولة الفرنسية ومن أحدث مؤلفاته كتاباً صدر في عام 2025 حمل عنوان "التحكم بالإسلام في فرنسا".
لدى سؤاله عن الجهة المسؤولة، أشار إلى مسجد باريس الكبير. موقف عبّر عنه أيضاً الباحث المتخصص في "المؤسسات الإسلامية والإدارة العامة للإسلام في فرنسا" فانسان غاسير. توقف غاسير في حديثه مع "العربي الجديد" عند "السباق على احتكار تمثيل مسلمي فرنسا": "الإمساك بمفاتيح الشهر يمنح موقعاً تمثيلياً مؤثراً بصرف النظر عن الوسيلة المعتمدة في تحديد الميقات". يرى غاسير أن مسجد باريس الكبير يسعى إلى تثبيت موقعه "مسجدَ المساجد" انطلاقاً من تاريخه الذي يعود إلى عام 1926، في مقابل المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية الذي تأسس في عام 2003.
الإمساك بمفاتيح رمضان يمنح ثقلاً رمزياً وموقعاً تمثيلياً مؤثراً
ولعل العودة قليلا إلى الوراء قد تفيد في فهم سياق النزاع، ففي مقالتها الأكاديمية المعنونة "تشكيل المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية: اعتراف سياسي بإسلام فرنسي؟" أوضحت الباحثة الفرنسية-التونسية المتخصصة في الإسلام المعاصر مليكة زغال، أن تأسيس المجلس كان بتشجيع من وزارة الداخلية الفرنسية.
الغاية منه، وفقاً لمقالة زغال، ضم الجمعيات الإسلامية ضمن إطار يتيح الوصول إلى مرجعية موحدة تمثل مسلمي فرنسا أمام السلطات الرسمية. وللتوضيح، انضوى مسجد باريس الكبير تحت هذه المظلة قبل انسحابه في عام 2018. أي إن مشروع المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية لم يكتب له النجاح كما كان مفترضاً، وهو ما سنعود إليه لاحقاً.
من يحاور الدولة؟
بالعودة إلى فريغوزي، توسع الباحث الفرنسي في شرح "السباق" الذي ذكره غاسير: "فهدف مسجد باريس الكبير أن يكون المؤسسة الإسلامية الوحيدة التي تحاور الدولة الفرنسية". لا يفصل فريغوزي ما جرى في رمضان من العام هذا عن اقتراب مئوية تأسيس المسجد، ويرى وجود رابط مع إصدار المسجد كتاباً في فبراير 2026 حمل عنوان "المسلمون في الغرب: ممارسة ثقافية ثابتة وحضور مكيّف".
فريغوزي، بعد اطلاعه على الكتاب، رأى أنه يتوجه إلى الجهات الرسمية الفرنسية أكثر منه إلى مسلمي فرنسا: "لم تجرِ استشارة بعض المرجعيات والمؤسسات الإسلامية الفرنسية مقابل الاستماع إلى آراء جهات غير إسلامية ومرجعيات سياسية بعضها ينتمي إلى اليمين المتطرف، ولا سيما النائب الأول لحزب التجمع الوطني (أبرز أحزاب اليمين المتطرف الفرنسي) ورئيس بلدية "بيربينيون" لويس أليو".
شجعت وزارة الداخلية الفرنسية على تأسيس مجلس للديانة الإسلامية
وفقاً للباحث الفرنسي، إقدام مسجد باريس الكبير على اعتماد تاريخ مختلف لبداية شهر رمضان يهدف إلى تأكيد تمايزه: "الخطوة تندرج في سياق استراتيجية سياسية وإعلامية ليست خافية على مسلمي فرنسا ولا على الجهات الرسمية". فريغوزي أعاد التذكير بأن الحسابات الفلكية باتت الوسيلة المعتمدة من قبل المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية لتحديد بداية شهر رمضان، منذ عام 2013، بموافقة دليل بوبكر، عميد مسجد باريس الكبير في حينها.
نقطة تناولها البيان الصادر عن المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية في 21 فبراير 2026 وجاء فيه: "قبل عام 2013 كان المجلس يحدد شهر رمضان بناءً على الحسابات الفلكية من جهة، والتواريخ المعتمدة في عدد من الدول الإسلامية من جهة أخرى". إلا أنها آلية من شأنها إضعاف موقف المجلس، إذ توحي بأفضلية بلد على آخر، ليحصل الإجماع على اعتماد الحسابات الفلكية حصراً للتحرر من أي تبعية، وتمكين مسلمي فرنسا من تنظيم حياتهم الروحية بما يتناسب مع محيطهم، وفقاً لما جاء في البيان المذكور.
بناءً على ما ورد في البيان، اعتبر نائب رئيس المجلس وعميد مسجد السلام عبد الله زكري أنه لا يحق لأي جهة الخروج عن هذا الإجماع بصورة فردية، لما يحمله مثل هذا القرار من سلبيات. ليضيف زكري أن المجلس أعلن بداية شهر رمضان انطلاقاً من حرصه على وحدة مسلمي فرنسا، بدليل التشاور مع جمعيات غير منضوية في المجلس.
أشار زكري لـ"العربي الجديد" إلى الالتباس حيال دور مسجد باريس الكبير: "الحضور الإعلامي الذي يتمتع به عميد المسجد الحالي شمس الدين حفيظ وعلاقاته بالمسؤولين السياسيين توحي بامتلاكه مفاتيح شرعية تمثيل مسلمي فرنسا. لذا، ولمضاعفة شرعيته، أراد مسجد باريس الكبير الإيحاء أنه الجهة المخولة تحديد تاريخ شهر رمضان. وإن تماشى مسلمو فرنسا مع قراره، فالسبب يعود إلى تطابقه مع التاريخ الذي حددته المملكة العربية السعودية، ما ينزع عن مسجد باريس الكبير ادعاء امتلاك ولاء غالبية مساجد فرنسا".
يتوسع زكري مشيراً إلى حذر الوسط الإسلامي في فرنسا من شخصية حفيظ ومواقفه المثيرة للجدل، كتواصله مع شخصيات يمينية متطرفة معادية للمسلمين مثل لويس أليو الذي سبق ذكره على لسان فريغوزي. واستطرد معتبراً أن المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية لا يلجأ إلى توظيف الشعائر الدينية، إلى جانب كونه الجهة الإسلامية الوحيدة المنتخبة في فرنسا بعدما شارك 1200 مسجد في آخر انتخابات: "من بوسعه ادعاء امتلاك شرعية مشابهة؟". زكري توقف أيضاً عند ما اعتبره "محاولة مسجد باريس الكبير الهيمنة على قرار المجلس في أوقات سابقة"، محاولة لم يكتب لها النجاح انتخابياً.
تقويض مكانة المسلمين
عميد مسجد باريس الكبير شمس الدين حفيظ، أوضح الآلية المتبعة التي أفضت إلى تحديد موعد شهر رمضان في فرنسا، قائلاً لـ"العربي الجديد"، إن الأمر يعود إلى تعدد منهجيات تحديد شهر رمضان، "فالتباينات موجودة حتى في الدول الإسلامية ذات المرجعية الدينية الموحدة، وهذا جدل اجتهادي قديم".
يتابع حفيظ موضحاً اعتماد مسجد باريس الكبير طريقة هجينة تقوم على اجتماع لجنة في ليلة الشك لفحص المعطيات الفلكية وشروط رؤية الهلال، وتضم علماء دين وممثلين عن مؤسسات إسلامية: "إعلان شهر رمضان ليس قراراً اعتباطياً، ومسجد باريس الكبير مؤسسة دينية فرنسية، وبوصلتها الوحيدة هي مسلمو فرنسا، ولا يجب تحويل التعددية إلى أداة للتفرقة"، رافضاً في هذا السياق ما يحكى عن أن قرار مسجد باريس الكبير انعكاس للموقف الجزائري، وهو "كلام لا يمكن أخذه على محمل الجد، بدليل أن الجزائر أعلنت بداية الشهر في 19 فبراير، وبالتالي لا مكان لأي استيراد للخلافات الجزائرية ــ المغربية".
من جانب آخر، رد حفيظ على الاتهامات الموجهة إلى المؤسسة التي يرأسها لجهة سعيها إلى احتكار تمثيل مسلمي فرنسا. العميد أشار إلى أن مسجد باريس الكبير هو من أماكن العبادة القليلة التي تشهد صلاة الجمعة والتي تترافق مع خطاب منسجم مع البيئة الفرنسية، تماماً كما يفعل الأئمة كل في بلده.
لتأكيد مكانة مسجد باريس الكبير في أوساط المسلمين في فرنسا، يستند العميد إلى دراسة أجراها معهد "إيفوب"، نُشرت في 16 سبتمبر/أيلول 2025، وجاء فيها: 81% من المسلمين يرغبون في أن يؤدي المسجد دوراً في التصدي لأشكال الكراهية والتمييز التي يواجهها المسلمون في فرنسا.
وفقاً لحفيظ، "مركزية المسجد مردها إلى طلب الشارع، لا نتاج أي حملة تأثير". يؤكد العميد أن المسجد لم يسعَ يوماً إلى الهيمنة، لكن تاريخه يجعل منه تلقائياً أحد الأطراف الذين تحاورهم السلطات الفرنسية: "المسجد تأسس في عام 1926 لتخليد ذكرى الجنود المسلمين الذين قتلوا خلال الحرب العالمية من أجل فرنسا، ما يدل على أن تأسيسه مرتبط بالتاريخ الفرنسي، وشرعيته مستمدة من حضوره المستمر والمتوازن منذ قرن، ما يلقي على عاتقه مسؤولية خاصة لخدمة المسلمين في البلاد".
حفيظ اعتبر التساؤل عن "الأثر المحتمل للخلاف في تحديد شهر رمضان على مسلمي فرنسا" إيحاءً وكأن التعدد والتنوع ممنوع عليهم: "التعددية في الحياة الدينية الإسلامية موجودة دائما ومقاربتها بمسؤولية لا تؤثر على المؤمنين خاصة إذا جرى تناولها من زاوية: ما الأنسب للصالح العام لمسلمي فرنسا في إطار الجمهورية الفرنسية؟ وتابع معتبراً أن المشكلة تكمن بتأطير هذه الاختلافات وتقديمها على هيئة صراع على السلطة، ما يوحي بوجود انقسام لا أساس له، وهو ما يقوّض مكانة المسلمين داخل المجتمع الفرنسي.
وعن رده على الانتقادات الموجهة للمسجد بعد إصداره كتاب "المسلمون في الغرب: ممارسة ثقافية ثابتة وحضور مكيّف"، أكد العميد أن الكتاب يتوجه إلى أطراف عدة: "إلى مسلمي فرنسا للإضاءة على سبل ممارسة لعقيدتهم الدينية في محيط غير مسلم. كما يتوجه الكتاب إلى المسؤولين السياسيين والباحثين والصحافيين لتفكيك المفاهيم الخاطئة والتذكير بتعددية المدارس الفقهية وغنى التراث الفكري الإسلامي. إذن هي مساهمة مسؤولة في النقاش العام والعيش المشترك".
انطلاقا من مفهوم العيش المشترك، يدافع حفيظ عن ضرورة تقبل الحوار مع الآخر المختلف "يجب الاستماع إلى جميع الأصوات للوصول إلى حجج متماسكة وبناء جسور للتواصل". وعليه، عقد المسجد جلسات مناقشة مع مسؤولين من خلفيات متعددة "انطلاقا من تمسكه بقيم الجمهورية والتعددية، دون أن يعني ذلك تأييد أيديولوجيتهم أو التماهي معهم".
يتابع العميد موضحا أن العمل على هذا الكتاب لم يكن لإقصاء أي مؤسسة، بدليل الاستماع إلى آراء مؤسسات مرموقة في العالم الإسلامي كالأزهر: "ما ورد فيه ليس الحقيقة المطلقة ولا نصا نهائيا، بل عملا قابلا للتطور والإثراء على يد الأئمة والباحثين، خاصة أن مفهوم الاجتهاد يذكرنا دوما بتعدد المدارس الفقهية دون احتكار أي منهج للحقيقة".
الحاجة إلى مؤسسة موحدة تمثل المسلمين
الامتعاض من الخلاف بين مسجد باريس الكبير والمجلس الفرنسي للديانة الإسلامية لم يقتصر على رواد مسجد "كاشان"، بل عبر عنه أيضا الدكتور غالب بن الشيخ، رئيس مؤسسة إسلام فرنسا (تأسست في العام 2016). ووفي اتصال مع "العربي الجديد" اكتفى بن الشيخ بإبداء أسفه لما جرى. لكن الخلاصة التي يجب الخروج بها، وفقا لقوله، هي الحاجة إلى مؤسسة موحدة تمثل المسلمين في شؤونهم العبادية.
يحرص بن الشيخ في هذا السياق على توضيح مسألة في غاية الحساسية منعا لأي لغط: "مهمة هذه المرجعية الموحدة تنحصر في تنظيم الشؤون العبادية، لا تمثيل المسلمين كمواطنين. المؤسسات الدستورية الفرنسية وعلى رأسها الجمعية الوطنية هي الجهة الوحيدة المختصة بهذا التمثيل".
موقف عبر عنه أيضا الكاتب والمفكر والإمام المرجع لمدينة "بوردو" الفرنسية، طارق أوبرو، في حديث لـ"العربي الجديد"، بالقول:" الفلسفة السياسية الدستورية تقوم على مبدأ أن التمثيل السياسي للمواطنين منوط بالهيئات والشخصيات المنتخبة (رؤساء البلدية، النواب...) والمقصود إذا بتمثيل المسلمين هو الجانب الإداري للشعائر الإسلامية (إدارة المساجد، المرشدين في السجون...)".
واستطرد أوبرو موضحا حساسية ملف "تمثيل المسلمين" الذي رأى فيه صراعا قديما تختلط فيه العوامل الفرنسية الداخلية بالاعتبارات السياسية الخارجية كما بالهويات الإثنية-الثقافية المتعددة: "هي عوالم معقدة ومتشابكة والإسلام قد يكون طلاء لهويات أخرى".
وجود مرجعية واحدة تنظم الشؤون الدينية لمسلمي فرنسا من جهة وعلاقتهم بالسلطات الرسمية من جهة أخرى، مسألة مطروحة على طاولة النقاش منذ سنوات. في دراسته المعنونة "الإسلام الفرنسي ممكن" الصادرة عن معهد "مونتين" عام 2016، أوضح الباحث الفرنسي من أصل تونسي حكيم القروي أنه منذ عام 1989 بدأ وزراء الداخلية الفرنسيون المتعاقبون بتخصيص وقت لإدارة وتنظيم العلاقة بين الدولة ومسلمي فرنسا، ليرصد القروي نهجين اثنين: نهج يساري قوامه تعاون كلا الطرفين ونهج يميني يميل إلى التحكم والتوجيه.
القروي توقف عند تأسيس المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية في العام 2003، بـ"دفع وتشجيع ومتابعة" من وزير الداخلية في حينها نيكولا ساركوزي بهدف إيجاد شريك مسلم مع الدولة الفرنسية ليصف تأسيس المجلس بـ "التحول الاستراتيجي في علاقة الدولة الفرنسية بالإسلام".
وفقا لما ورد في مقالة مليكة زغال، تأسيس المجلس أتى تتويجا لجهود امتدت لـ10 سنوات لدعم المسلمين الذين غالباً ما يجدون صعوبة في التواصل مع السلطات العامة على المستويين الوطني والمحلي لإدارة وتنظيم شؤونهم الدينية (بناء المساجد، تدريب الأئمة، إنشاء أقسام خاصة بالمسلمين في المدافن، تنظيم سوق اللحوم الحلال...). تضيف زغال أن إنشاء المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية مرادف لخلق "إسلام فرنسي".
بالمقابل، اعتبر القروي أن عناصر قوة المجلس تحولت إلى عوامل ضعفه: الغرض الأساسي من إنشائه كان توفير مظلة تمثيلية تجمع مختلف الجمعيات الإسلامية في فرنسا، لكن تدريجيا اتجهت الأمور نحو توسيع صلاحياته ليشمل "تفسير الإسلام"، أي تحويله إلى مرجعية فقهية أيضا وهو ما لم يكن مطروحا في مرحلة التحضير.
بحسب القروي: "استحالة إرساء خط فقهي موحد دفعت كل مكون إلى محاولة فرضه رؤيته الخاصة. وبذلك انقلب التعدد السياسي للمجلس، الذي كان مصدر قوته وجاذبيته، ضده، ليصبح العائق الرئيسي أمام حسن أدائه لمهمته".
استثمار رسمي للتباين بين المؤسسات الإسلامية
أوبرو توقف عند الحد الفاصل بين علمانية الدولة ودورها في الدفع نحن وجود ممثلين عن الأديان: "الدين مكون من مكونات المجتمع الفرنسي ومن حق الدولة الطلب من أي طائفة دينية تنظيم نفسها. ما تطلبه الدولة ينحصر في الجانب القانوني-الإداري ولا تتدخل ولا ينبغي لها أصلا التدخل في محتوى المسائل التعبدية وهو نهج ينطبق على كافة الأديان التي لها أتباع في فرنسا".
وتوسع أوبرو مشيرا إلى أن العلاقة بين الدولة الفرنسية وكافة الأديان تقوم بطبيعتها على الحذر بالنظر إلى تاريخ فرنسا وما يزيد الأمور تعقيدا، برأيه، سعي كل حكومة ووزير داخلية إلى ترك بصمته الخاصة دون استمرارية كما أن غياب الاستقرار الداخلي والخارجي يجعل الملف الإسلامي مضطربا.
أما زكري فأشار لـ"العربي الجديد" أن السلطات الفرنسية لا تعترف في الوقت الحالي بأي جهة تمثيلية لمسلمي فرنسا، لا المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية ولا حتى مسجد باريس الكبير. يوافق فريغوزي على "وضعية المتفرج" التي تتخذها السلطات الفرنسية، لكنه رأى بالمقابل أنها قد تميل أكثر إلى صف مسجد باريس الكبير. بالرغم من تأكيد حفيظ على استقلالية المؤسسة التي يرأسها، رأى فريغوزي أن الجهات الرسمية الفرنسية قد تعتبره "قناة تواصل غير مباشرة/خلفية/غير رسمية مع الجزائر".
توسع زكري في عرض وجهة نظره منتقدا استبعاد السلطات للمجلس من أي حوار: "ماكرون والأحزاب السياسية الفرنسية لديهم مصلحة في الاستثمار بهذا التباين بين المؤسسات الإسلامية ما يدفعهم إلى خلق مؤسسات بديلة وموازية بذريعة عجز المسلمين على التوحد".
خص زكري "منتدى الإسلام في فرنسا" الذي انطلقت أعماله في العام 2022. وبحسب موقعه الإلكتروني، المنتدى عبارة عن تجمع لأئمة ورجال دين ومسؤولي جمعيات وشخصيات منتخبة وناشطين في المجتمع المدني لا يتبعون أي إطار مؤسساتي. ما يقوم به المنتدى، دائما وفقا لموقعه الإلكتروني، هو الحوار والنقاش حيال الشؤون الدينية والعبادية للمسلمين وما يواجههم من مشكلات. لكن برأي زكري، لا تساهم هذه الخطوات في تقوية العلاقة بين المسلمين والدولة الفرنسية خاصة "حين نكون أمام قرار منفرد ودون استشارة الطرف المسلم وكأننا أمام عقلية استعمارية".
أوبرو وانطلاقا من اطلاعه ومشاركته غير المباشرة بأعمال المنتدى، أوضح من جهته أنه فضاء غير رسمي مكون من شخصيات غير منتمية إلى أي تيار وهو أقرب إلى مجلس استشاري لكن بأهداف غير واضحة وخطوات متعثرة وبالتالي ليس له أي صفة تمثيلية.
إحياء روح الإخاء في رمضان
يعتبر زكري أن المطلوب حاليا هو التهدئة في تأكيد على ما ورد في بيان المجلس بتاريخ 21 فبراير: "وحدة مسلمي فرنسا ومصلحتهم العامة هي بوصلة المجلس الدائمة".
عميد مسجد باريس الكبير عدد من جهته أمثلة تؤكد روح الإخاء التي تجمع مسلمي فرنسا لا سيما في شهر رمضان والتي يراها أفضل رد على كل سرديات الشقاق: "كل ليلة، يصلي المؤمنون صلاة التراويح جنبا إلى جنب دون أن يسأل بعضهم بعضا أي جهة يتبعون. العائلات تواصل إقامة مآدب الإفطار في أجواء من حسن الضيافة من دون أي حواجز مؤسساتية أو فقهية، يضاف إليها المبادرات الخيرية".
يختم حفيظ حديثه لـ"العربي الجديد"، قائلا: "التحدي الأساسي يكمن في السماح للمسلمين بممارسة شعائرهم الدينية بسلام، كمواطنين ملتزمين التزاما كاملا بالجمهورية والتماسك الوطني. الطريق إلى الوحدة تمر عبر الحوار والتشاور والاعتراف بالتعددية".

Related News
بعثة منتخب إيران للسيدات في كرة القدم تصل إلى بلادها
france24
6 minutes ago
منظمة: الحرب تعرقل وصول مساعدات لأكثر من 400 ألف طفل
aawsat
10 minutes ago
غاسبريني: لا فرق بين روما وبولونيا قبل «موقعة الأولمبيكو»
aawsat
16 minutes ago